عجزت منظمة الأمم المتحدة عن ردع جرائم القصف واستهداف المشافي والمنشآت المدنية في سوريا، ولم تستطع محاسبة أي متورط في هذا النوع من الجرائم.

لم تستثنِ قوات الأسد بطيرانها ومدفعيتها ومعها الطيران الروسي المستشفيات والمنشآت الصحية من القصف في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وذلك منذ بدء المعارك عام 2012، والتدخل الروسي عام 2015. لكن استهداف هذه المرافق الطبية بوجه عام لم يكن بنيران طائشة، بل جرى بصورة ممنهجة وبأساليب ترقى لأن تكون جرائم حرب، حسب مراقبين حقوقيين.

على مدى السنوات الماضية، عجزت منظمة الأمم المتحدة عن فعل شيء، أو تقديم أي متورط في قصف المشافي والمنشآت المدنية والجرائم المروعة المرتكبة بحق المدنيين للمحاسبة.

مع تقلص رقعة سيطرة المعارضة السورية لتقتصر على إدلب وما يجاورها، بات استهداف المشافي بخاصة تلك التي تعمل في وضح النهار ولا تخفي مواقعها كي لا تدع ذريعة لأي طرف باستهدافها أمراً يتكرر بصورة ممنهجة ومكثفة أكثر من السابق، ما جعل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في موقف حرج لتسليمها بموقف العجز وعدم القدرة على فعل شيء لحماية هذه المنشآت على الأقل.

بناء على ذلك، أعلنت منظمة الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي تشكيل لجنة أممية للتحقيق في استهداف المستشفيات والمواقع الحيوية خلال الحملة العسكرية على مناطق المعارضة شمالي سوريا، وبدأت اللجنة مهامها في 30 سبتمبر/أيلول، ومهمتها تأكيد ما إن كان الهجوم وقع فعلاً، من دون أن تملك صلاحية تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، وهي مهمة عرجاء تعكس واقع الأمم المتحدة المتردي في عجزها عن تقديم أي شكل من أشكال الردع لهذا النوع من الجرائم.

نظام الأمم المتحدة لمشاركة بيانات المواقع التي ينبغي تجنب قصفها ابتكره مكتب الشؤون الإنسانية "أوتشا" التابع للأمم المتحدة عام 2014 وحقق نجاحات في اليمن وأفغانستان.

فضل عبد الغني، رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان

هذه اللجنة بواقعها المشلول تعكس خطوة أممية أخرى أسبق منها بكثير، تقوم على نظام تتشارك فيه المنظمة الدولية وتحديداً مكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة "أوتشا" بيانات المستشفيات والمنشآت الحيوية وإحداثياتها مع الأطراف الفاعلة في الحرب، بخاصة روسيا والنظام السوري، بهدف منح هذه الأطراف فرصة تجنب ارتكاب جرائم حرب بقصف هذه المنشآت، والمفاجأة أن هذا النظام بدلاً من توفير الحماية وفر قاعدة بيانات غنية لروسا والنظام السوري لاستهداف المنشآت الطبية بطريقة ممنهجة.

وحسب تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز نشرته منذ نحو أسبوع، فإن أكثر من 69 هجمة منذ بدء التدخل الروسي في سوريا عام 2015 طالت مواقع المنشآت التي شاركت الأمم المتحدة بياناتها مع أطراف الحرب.

وقالت الصحيفة الأمريكية إنها جمعت لائحة من 182 موقع، من المواقع التي يفترض ألا تتعرض للاستهداف، ليتبين أن 27 منها تضررت بالهجمات الروسية أو التابعة للنظام السوري خلال عام 2019 فقط، وكانت كلها من المشافي أو العيادات.

طبيعة النظام وأطرافه

يتضمن النظام الذي يديره مكتب "أوتشا" تقديم الإحداثيات الدقيقة للمواقع الإنسانية الخاضعة لحماية القانون الدولي للأطراف المتحاربة لتجنب إصابتها، وتشارك تلك الإحداثيات مع القوات التي تقودها الولايات المتحدة وروسيا وتركيا في المنطقة.

وأوضحت الصحيفة أن النظام طوعي، إذ لا يجبر المنظمات العاملة في سوريا على المشاركة فيه، إلا أن بعض المنظمات ذكرت للصحيفة أنها شعرت بضغط شديد من الداعمين ومسؤولي الأمم المتحدة للمشاركة، وقدمت بياناتها لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة.

وتقول الأمم المتحدة إنها حذرت المشاركين بالنظام من أنها "لا تضمن" سلامة المواقع أو طواقمها، وأنها لا تؤكد المعلومات المقدمة من الجماعات المشاركة، ولا تطلب من الروس والأتراك والأمريكيين الاعتراف باستلامهم مواقع عدم القصف.

واللافت أن هذا النظام الذي بدأ العمل به قبل سنوات، وعلى الرغم من اعتراف مسؤولين أممين بأن العديد من المواقع المستهدفة كانت قد شاركت بياناتها من خلاله، فإن المنظمة الدولية لم تعمد إلى التحقيق في استهداف هذه المواقع إلا مؤخراً. كما شكل "أوتشا" في المقابل وحدة للتأكد من المواقع المقدمة من المنظمات الإغاثية التي تدير تلك المواقع، حسب نيويورك تايمز.

المنظمات والكوادر الطبية تشارك الإحداثيات بمحض إرادتها من دون وجود ضغوط عليها ولا تقوم بمشاركة إحداثياتها من دون موافقة كوادرها.

مازن كوارة، المدير الإقليمي لمنظمة سامز الطبية

يقول فضل عبد الغني رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن نظام الأمم المتحدة لمشاركة بيانات المواقع التي ينبغي تجنب قصفها ابتكره مكتب الشؤون الإنسانية "أوتشا" التابع للأمم المتحدة عام 2014 وحقق نجاحات في اليمن وأفغانستان.

وأوضح عبد الغني في حديث مع TRT عربي، أن النظام يقوم على مشاركة البيانات والمعلومات والإحداثيات للمراكز الطبية الثابتة والآليات والمنشآت لتتجنب أطراف القتال والنزاع قصفها.

مآخذ وعيوب

ويضيف: "في سوريا لم يحقق هذا النظام النجاح، لأن الإجرام الروسي وإجرام النظام فاق كل التصورات والحدود وليست المشكلة في النظام نفسه، وإن كان ينطوي على نقاط ضعف تتحمل الأمم المتحدة المسؤولية عنها".

ومن المآخذ على الآلية الدولية أنه "عندما تُقصف مراكز طبية شاركت بياناتها في الآلية كان ينبغي على الأمم المتحدة أن تعلن أنه على الرغم من مشاركة بيانات هذه المراكز فقد قُصفت. إذ لو قامت بهذا الدور لكانت شكلت ضغطاً على الروس والنظام عبر فضحهم أكثر"، وفقاً لـ"عبد الغني" الذي يقول: "صحيح أن نص الآلية لا يجبرها على ذلك لكن لا يوجد ما يمنع من أن تعلن ذلك حتى ولو لم تحدد الجهة التي قصفت".

كما يرى رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن من المآخذ على هذه الآلية "أننا لا نعلم من المراكز التي شاركت بياناتها. لا توجد قائمة ولا جرد لها، لذلك نعاني صعوبة كبيرة. لا تقوم كل المراكز بإخبارنا بأنها قامت بمشاركة بياناتها، لذلك أعتقد أن الآلية كانت ينبغي أن تعلن عن المراكز التي شاركت بياناتها وإذا لم يكن هذا قبل القصف حفاظاً على السرية فيبنغي أن يكون ذلك بعد القصف مع تفاصيل تاريخ مشاركة معلوماته مع الجهات المعنية مثل روسيا والنظام"، معتبراً أن "هذا هو الخلل الأساسي في الآلية".

من جهته، يرى مازن كوارة المدير الإقليمي لمنظمة سامز الطبية التي تدير عشرات المنشآت الطبية في شمال سوريا، أن من عيوب هذا النظام أنه "غير مبرمج ليستقبل هذا العدد الهائل من الاستهدافات المتعمدة للمنشآت واستخدام هذا التكتيك بشكل مكثف جداً. نشاهد تأخراً وتقصيراً في المتابعة بسبب نقص عدد العاملين في هذا النظام عندما يكون لدينا 4 أو 5 استهدافات في اليوم الواحد".

عمليات القتل التي تحصل خلال القصف من قِبل طائرات النظام السوري أيضاً تشكل جرائم حرب لأنها أصبحت واسعة النطاق وتمارس بطريقة منهجية.

فضل عبد الغني، رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان

ويضيف كوارة في حديث مع TRT عربي أن "العيب الآخر الجوهري في النظام أنه من دون أنياب. فهذا النظام هو نظام تسجيل وقيود ولا يوجد بعده أي إمكانية للمحاسبة أو ما يمكن استخدامه كدليل يأخذ الجناة إلى المحاكم الدولية. إذن لم يساعد هذا النظام على تخفيف الاستهدافات بسبب غياب آليات المحاسبة".

أمل بالمحاسبة

وحول سبب مشاركة المواقع بياناتها في هذا النظام على الرغم من علمها أن النظام السوري وروسيا يمكن أن يستخدم هذه البيانات لاستهدافها بالقصف، يقول كوارة إن "المنظمات والكوادر الطبية تشارك الإحداثيات بمحض إرادتها من دون وجود ضغوط عليها، ولا تقوم بمشاركة إحداثياتها من دون موافقة كوادرها، ولكنها تشارك الإحداثيات لتيقُّنها أن النظام وحلفاءه يعرفون هذه المنشآت وبدليل استهدافها بشكل متكرر قبل مشاركة البيانات".

ويضيف: "المنظمات والكوادر مقتنعة أن مشاركة هذه البينات والإحداثيات إذا لم يكن له نفع في محاسبة المجرمين أو بالحماية والتوقف عن استهدافها فلن يكون له ضرر لأننا لا نعطيهم معلومات غائبة عنهم"، حسب المسؤول في منظمة سامز الطبية.

ويشكل قصف المراكز الطبية وهي من الأعيان المدنية المشمولة بالرعاية، جريمة حرب، وعمليات القتل التي تحصل خلال القصف من قِبل طائرات النظام السوري أيضاً تشكل جرائم حرب، لأنها أصبحت واسعة النطاق وتمارس بطريقة منهجية، حسب فضل عبد الغني رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

ويؤكد الحقوقي السوري أن "هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وهي تبقى ديناً على من ارتكبها". ويعتقد بإمكانية "ملاحقة الحكومة الروسية والسلطة في سوريا عندما تنشأ محكمة دولية مختصة بالجرائم المرتكبة في سوريا، أو حتى محكمة خاصة وطنية، في حال جاءت حكومة ديمقراطية تسعى لمحاسبة هؤلاء أينما ذهبوا"، مشدداً على أن "القانون الدولي واضح بهذا الخصوص".

المصدر: TRT عربي