تفاقمت المجاعة في اليمن، وبات الموت جوعاً يهدد ملايين الأطفال وعجزت الأطراف المحلية المُتقاتِلة إضافة إلى "التحالف" في ظل استمرار الحرب والحصار، عن القيام بالواجب القانوني والأخلاقي لإنقاذ 12 مليون طفل من شبح الجوع.

لم يكن مفاجئاً تصريحات وزارة الصحة في صنعاء التابعة لحركة "أنصار الله" الحوثيين، أمس الأول، والتي أعلنت فيها وفاة 50 ألف طفل سنوياً دون عمر 28 يوماً، بسبب الأوضاع المعيشية في البلاد وتردي الخدمات الصحية.

تلك التصريحات سبقتها تقارير محلية ودولية تحدثت عن الوضع المأساوي لأطفال اليمن، بعد خمس سنوات من الحرب التي يشنها التحالف السعودي الإماراتي، وحسب تقرير لمنظمة "يونيسف" فإن "12 مليون طفل بحاجة إلى مساعدات إنسانية، منهم 7 ملايين يعانون من سوء التغذية".

أي أنّ تلك الأرقام تشكل أكثر من ثلث تعداد السكان، الأمر الذي يثير مخاوف بأن حجم المجاعة لن يتوقف عند تلك الأرقام، خصوصاً ورقعة المجاعة تتسع كل يوم في ظل استمرار الحرب والحصار، وهو ماجاء على لسان مدير برنامج الغذاء العالمي في اليمن، ستيفن أندرسون، قائلاً إن "اليمن بات يشكل أكبر أزمة طوارئ إنسانية في العالم".

وحسب الخريطة الجغرافية لشبح المجاعة التي تفتك باليمن، يتضح أنها تمتد في كل المناطق سواء التي تقع تحت سيطرة "الحوثيين" كالحديدة والمحويت أو تلك التي تخضع لسلطة "التحالف" في لحج والضالع وأبين، وبات ما يقارب "18 مليون طفل على امتداد البلاد لايعرفون متى ستأتيهم وجباتهم التالية" حسب التقارير الدولية.

وفي حديث لـTRT عربي، وصف الناطق باسم وزارة الصحة في صنعاء، سيف الحاضري، وضع أطفال اليمن بـ"الكارثي في ظل الحرب"، لافتاً إلى أن "ما يقارب خمسة ملايين ونصف المليون طفل ما دون سن الخامسة مصابون بسوء التغذية".

وكشف الحاضري أن "طفلاً واحداً يموت كل عشر دقائق في اليمن"، مشيراً إلى أن "80% من الأطفال في اليمن يعيشون حالة تقزّم وفقر الدم بسبب سوء التغذية" وربط الحاضري بين حالة الأمهات أثناء الحمل وهن في مجاعة ومصير أطفالهن، وأوضح أن "مليون ومئتي ألف امرأة في سن الإنجاب أو البعض منهن حامل أو قد أنجبن، مصابات بسوء التغذية، الأمر الذي يهدد حياة الأطفال".

وبرأي الحاضري فإن "كل المساعدات الدولية المقدمة لإنقاذ أطفال اليمن لا تكفي"، معتبراً أن الحل يكمن في "وقف الحرب وفك الحصار".

وتزامنت معاناة أطفال اليمن مع اشتداد البرد في فصل الشتاء، الأمر الذي فاقم من وفيات الأطفال، خصوصاً في المناطق الجبلية الباردة، وكشف الناشط نايف السليماني، أحد المساهمين في إغاثة مدينة الأزارق في الضالع والتي تعرض أبناؤها للمجاعة، في حديث إلى TRT عربي، بأن "الآلاف من الأطفال في المدينة يعانون سوء التغذية وتفتك بهم الملاريا والدفتيريا"، موضحاً أن "موجة البرد الشديد أودت بحياة عشرات الأطفال الذين كانوا يعانون المجاعة".

ولفت السليماني، إلى أن "المنطقة لم تقتصر معاناة أطفالها على سوء التغذية فحسب، بل إن المنطقة محرومة من مياه الشرب في ظل غياب السلطات المحلية برغم أن المدينة تخضع لسيطرة التحالف منذ بداية الحرب".

هكذا بات وضع أطفال اليمن في ظل الحرب، الملايين ينتظرون الموت، بعد تعطّل موارد البلد الرئيسية وخصوصاً منها قطاع النفط الذي يشكّل 70% من موازنة الدولة، بعد أن منع "التحالف" التصدير منذ بدء الحرب عام 2015، في اليمن، فضلاً عن تعطيله للموانئ والمطارات والمنافذ البرية، إضافة إلى إلحاقه الضرر بقطاعي الزراعة والاصطياد البحري.

وبرأي محللين فإن أحد أسباب المجاعة التي يعاني منها أطفال اليمن تدمير "التحالف" للبنية التحتية للقطاع الزراعي، خصوصاً وأن ما يقارب 75% من سكان اليمن يعيشون في الأرياف ويعتمدون على الزراعة، حيث دمرّ "التحالف" 331 منشأة زراعية، وتسبب الحصار بوقف الاستيراد والتصدير للقطاع، كما أن أرتفاع أسعار المشتقات النفطية وانعدامها أحياناً أدى إلى شلل في عملية الإنتاج الزراعي، الأمر الذي حرم ملايين اليمنيين من مصدر دخلهم الوحيد.

إضافة إلى الضرر الذي لحق بالمزارعين، فإن "التحالف" منع نصف مليون يمني من مزاولة الصيد على سواحل اليمن الممتدة على ساحلي البحرين العربي والأحمر، بمسافة 2500 كيلو متر بمحاذاة تسع محافظات من أصل 22 محافظة يمنية، الأمر الذي ألحق ضرراً بمصدر دخل وحيد تستفيد منه ملاييين الأسر اليمنية.

وفي حديث لـTRT عربي، قال حسن سعيد، وهو صياد من مدينة الحديدة الساحلية، نزح إلى محافظة أبين جنوبي اليمن، "أنا أعيل سبعة أطفال، ومصدر دخلي الوحيد العمل في الصيد، لكن التحالف قصف عشرات المرات السواحل في الحديدة وقتل المئات من الصيادين"، مضيفاً "هربت مع أولادي الذين يعانون حالياً سوءَ التغذية إلى أبين حيث نتلقى قليلاً من الدعم من المنظمات بين الحين والآخر".

غير أن بعض المراقبين يرون بأن المجاعة التي تفتك بأطفال اليمن، هي جزء من "الكارثة" التي يعانيها كل اليمن، وبرأي القيادي في "الحراك الجنوبي"، عبد الناصر الجعري، فإن "معاناة الأطفال جزء من معاناة اليمن التي وصفتها الأمم المتحدة بأكبر كارثة إنسانية في العالم"، لافتاً إلى أن "الأسباب الجوهرية تكمن في الحرب التي تسببت بتوقف مرتبات مليون موظف خلال الخمس السنوات، وتسببت بارتفاع أسعار السلع الأساسية لأكثر من ضعفين، بالتزامن مع هبوط العملة المحلية، كل ذلك أدى إلى وصول نسبة الفقر إلى 80 % وبات ثلثا سكان البلاد في حالة مجاعة".

رقعة المجاعة تتسع كل يوم في ظل استمرار الحرب والحصار، وهو ماجاء على لسان مدير برنامج الغذاء العالمي في اليمن (AA)
يكشف مراقبون أن "طفلاً واحداً يموت كل عشر دقائق في اليمن"، مشيرين إلى أن "80 % من الأطفال في اليمن يعيشون حالة تقزّم وفقر الدم بسبب سوء التغذية (AA)
أحد أسباب المجاعة التي يعاني منها أطفال اليمن تدمير "التحالف" للبنية التحتية للقطاع الزراعي (AP)
TRT عربي