يأتي مخطط تقسيم اليمن ضمن سياق استراتيجية جديدة لدولة الاحتلال الإسرائيلي. بدأت بوادر المخطط تظهر تدريجياً بعد أن كشفت صحيفة إسرائيل توداي العبرية وجود علاقات سرية بين المجلس الانفصالي الجنوبي في اليمن وبين الكيان الإسرائيلي.

تعيش إسرائيل عصرها الذهبي بسبب الأوضاع المتوترة والصراعات المتعددة في المنطقة، ففي الوقت الذي سقطت فيه أنظمة وجاءت أخرى وبدأت أزمات وانتهت أخرى، استطاعت أن تستغل هذه التحولات والمتغيرات كفرصة حقيقية لمد نفوذها في المنطقة بأكبر قدر ممكن.

وربما يعتبر التقارب الخليجي الإسرائيلي، تحديداً السعودي والإماراتي والبحريني، من أهم إنجازات دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ تأسيسها حتى الآن. هذا فضلاً عن إعلان صفقة القرن بمباركة بعض الدول العربية.

يأتي مخطط تقسيم اليمن ضمن سياق استراتيجية جديدة لدولة الاحتلال الإسرائيلي. بدأت بوادر المخطط تظهر تدريجياً بعد أن كشفت صحيفة إسرائيل توداي العبرية وجود علاقات سرية بين المجلس الانفصالي الجنوبي في اليمن وبين الكيان الإسرائيلي.

وهو الأمر الذي لم ينكره قادة المجلس، بل إن المجلس دعم فكرة أن تكون هناك علاقات تربط الطرفين، كما جاء على لسان بعض قياداته، الذين صرحوا بأنه من الممكن أن يكون للمجلس علاقات مع الكيان الإسرائيلي ما دام ذلك يخدم أجنداتهم ومصالحهم.

ولا شك أن جنوب اليمن وما يمثله من منطقة استراتيجية وحيوية لا بد وأن يندرج ضمن مخططات إسرائيل التوسعية، من خلال السعي إلى السيطرة والتحكم بمضيق باب المندب، فالحلم الإسرائيلي بالسيطرة على المضيق والمناطق الاستراتيجية في البحر الأحمر ليس وليد اليوم، فمنذ سبعينيات القرن الماضي تقوم إسرائيل بمحاولات حثيثة للسيطرة على المضيق والجزر المجاورة له. واليوم بات هذا الحلم يتحقق بفضل معاونة الإمارات على إثر توقيع الاتفاق التطبيعي معها، والأخبار التي أوردتها بعض التقارير عن سعي البلدين إلى إقامة قواعد عسكرية واستخباراتية على جزيرة سقطرى.

بدوره حذر شيخ مشائخ سقطرى، الشيخ عيسى سالم السقطري، من تبعات الممارسات الإماراتية في جزيرة سقطرى والتي تهدف إلى إخراج الجزيرة من السيادة اليمنية وذلك بمباركة سعودية. وأضاف أن هذه الممارسات في الوقت ذاته تهدف إلى توفير موطئ قدم لإسرائيل في جزيرة سقطرى.

اقرأ أيضاً:
كواليس النفوذ السعودي في اليمن.. أصابع الاستخبارات في الملفات الشائكة

وفي هذا السياق، وفي عام 1970 استأجرت إسرائيل جزيرة "حالب" وأقامت عليها قاعدة جوية، إضافة إلى قاعدتين عسكريتين في إريتريا في منطقتي "رواجيات" و"مهلاي" وقاعدة للاستخبارات العسكرية في أسمرة. وفي 11 سبتمبر/أيلول عام 1971 اعترفت إسرائيل باحتلال عدة جزر قرب باب المندب وأقامت عليها قاعدة للاتصالات.

تعلم إسرائيل أنه لن يتسنى لها السيطرة على هذا المضيق المهم أو الجغرافيا المحيطة به دون وكيل محلي تستطيع من خلاله تمرير مخططاتها، لأن وجودها العسكري المباشر في هذه المنطقة قد يعرضها لخطر دائم من قبل الجماعات الدينية المسلحة الرافضة لإسرائيل، كتنظيم القاعدة الذي ينشط بشكل كبير في منطقة جنوب اليمن. فضلاً عن الرفض الشعبي للمجتمع اليمني، سواء للتطبيع الدبلوماسي أو للوجود العسكري المباشر لإسرائيل في أي قطعة جغرافية في أرض اليمن. لذلك فإنه قد تكون فكرة دعم قيام دولة مستقلة في جنوب اليمن أمراً وارداً بالنسبة إلى إسرائيل.

هذا وفي وقت سابق سعت إسرائيل لدعم حكومة جنوب السودان حتى استطاعت الأخيرة تحقيق فك الارتباط عن شمال السودان عن طريق الاستفتاء في الفترة من 9 يناير/كانون الثاني حتى 15 يناير/كانون الثاني 2011. حيث كان لإسرائيل في دعم الانفصال دوافع ومصالح لا تقل أهمية بالنسبة إليها عن دوافعها ومصالحها في جنوب اليمن.

وبهذا الصدد صرح القيادي في المقاومة الجنوبية، عادل الحسني لـTRT عربي قائلاً: إن إسرائيل تسعى لإنشاء قواعد عسكرية في إريتريا وفي القرن الإفريقي تحديداً، وذلك من خلال التعاون مع دولة الإمارات. واعتبر الحسني أنه من الممكن أن تدعم إسرائيل مشروع انفصال جنوب اليمن كما دعمت من قبل انفصال جنوب السودان وذلك من خلال دعم الاستراتيجية السياسية العسكرية الإماراتية والسعودية والتي تسعى لتحقيق الهدف نفسه.

وهذا بدوره يخدم مخطط التطبيع مع إسرائيل لدى كل من السعودية والإمارات، الدولتين المؤثرتين في الملف اليمني، تحديداً في الأحداث بالجنوب. فالتقارب الإسرائيلي مع المجلس الانفصالي الجنوبي فرصة ممهدة لكلتا الدولتين للتعاون الرسمي مع إسرائيل. وكخطوة استباقية للتطبيع الخليجي الإسرائيلي، تسعى السعودية والإمارات للضغط على بعض الأنظمة العربية للتطبيع.

حيث يرى مراقبون أن السعودية ضغطت بدورها على الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني لإعادة ملف التطبيع الموريتاني مع إسرائيل، وذلك في أثناء زيارة الغزواني في فبراير/شباط الماضي للسعودية. من جانبها دفعت الإمارات هي الأخرى بالسودان إلى التطبيع مع إسرائيل عبر التنسيق للقاء رئيس المجلس السيادي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في الرابع من فبراير/شباط 2020، في أوغندا.

اقرأ أيضاً:
هل سعى بن سلمان لتوريط الرئيس الموريتاني في مستنقع التطبيع؟

قد تدفع إسرائيل باتجاه انفصال جنوب اليمن، وإقامة دولة جديدة في جنوب الجزيرة العربية، كما فعلت في جنوب السودان، وكما تسعى منذ تأسيس كيانها عام 1948 بتبني سياسة "فرق تسد"، إلا أن الظروف في اليمن قد لا تساعد على ذلك.

فالاستفتاء لفك ارتباط جنوب السودان عن شماله كان منصوصاً عليه في القانون السوداني، في حين لا توجد صيغة قانونية مماثلة في اليمن، بل إن مخرجات الحوار الوطني في اليمن التي تمخض عنها تأسيس نظام سياسي فيدرالي، عالجت كثيراً من القضايا المناطقية في اليمن، ومن ضمنها "القضية الجنوبية"، ولا يوجد صيغة قانونية لحل هذه المشكلة غير هذه الصيغة القانونية.

ولهذا فإنه في حال سعت إسرائيل وحليفاتها كالإمارات والسعودية لدعم توجه الانفصال في اليمن فإن ذلك قد يسبب صراعاً داخلياً بين المناصرين والمعارضين، ويفتح جبهة جديدة تؤدي إلى عدم الاستقرار في جنوب الجزيرة العربية ومنطقة باب المندب على المدى البعيد، الأمر الذي لن يخدم مصالح أي طرف من كل هذه الأطراف.

المصدر: TRT عربي