نشر المقاول المصري محمد علي فيديو جديد حمّل فيه السلطات الإسبانية مسؤولية حياته وسلامته بعدما كشف أنه يتعرض للتهديد ومحاولة التصفية منذ أسبوعين على يد مجموعة ضباط مصريين بالتعاون مع أشخاص داخل إسبانيا. فهل سينتقم السيسي من محمد علي؟

عُدنا إلى البداية. لتلك اللحظة التي تحوّلت فيها فيديوهات المقاول المصري محمد علي من مجرد بث حي لفنان تفاعل معه البعض بعد مهاجمته الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على مدى أربعة أيام، إلى مشاهدات تفوق المليون، بعدما لفت أنظار المصريين معارضين للنظام ومؤيدين، وهو يتحدث عن دعوة وجهتها له السفارة المصرية في إسبانيا في 6 سبتمبر/أيلول 2019.

حينها، عاد سيناريو مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي إلى الأذهان. فمن ينسى طريقة تصفيته في سفارة بلاده بإسطنبول عام 2018 التي ضجّ بها العالم أجمع.

كان ذاك الفيديو هو نقطة التحوّل. هناك سيناريو قائم لتصفية هذا المقاول المصري أيّاً كان.

لذا، فمن كان غير آبه أو مكترث لما كشفه الفنان من فساد يتعلق بالسيسي وزوجته انتصار ومن حولهما في البداية، وظنّ أنها محاولة من محمد علي لتصفية حسابه مع الجيش والحصول على أمواله، تيقّن حينها أن القصة أعمق من ذلك.

وأصبح اليوم متابعاً للمقاول أربعاً وعشرين ساعة، بل وربما كان واحداً من المشاركين الذين نزلوا الشوارع الجمعة الماضية 20 سبتمبر/أيلول 2019 تلبية لدعوة محمد علي التي تطالب برحيل السيسي.

بدأ التفاعل منذ 6 سبتمبر/أيلول يتزايد بشكل كبير على الشبكات الاجتماعية، وأصبح تداول الهاشتاغات التي يطلقها محمد علي يصل إلى التريند الأول على مختلف المنصات، وأغلبُها تهاجم الرئيس المصري.

فهل سينتقم السيسي من محمد علي؟ وكيف؟

بعيداً عن من يقف وراء المقاول المصري الذي عمل مع الجيش لـ15 عاماً قبل أن يترك مصر ويرحل إلى إسبانيا، فإن نتاج الفيديوهات التي نشرها من 2 سبتمبر/أيلول حتى 20 سبتمبر/أيلول قبل ساعات من بدء التظاهرات، قلبت كلّ الأوراق.

الأمل الذي كان محللون وكُتاب مصريون كُثر، قد فقدوه كما شريحة كبيرة من الشعب، عاد ليل الجمعة الماضية.

كانت الشوارع التي تمتلئ رويداً رويداً، وتعلو فيها الهتافات المطالِبة برحيل السيسي، مفاجئة وغير متوقعة.

لكنّها كانت في الوقت نفسه مقلقة أكثر.

بعدما استوعب النظام ما حدث مساء الجمعة، أعدّ العدة للرد. وكان على ثلاثة محاور:

أولاً - الإعلام

بدأت حملة إعلامية أشرس من الأسابيع الماضية، هاجم فيها الإعلاميون وبعض الفنانين محمد علي مجدداً، وكل من شاركوا في التظاهرات، لعبوا فيها على وتر كرامة البلاد وخوّنوا من أرادوا وأعادوا التذكير بما حلّ بمصر بعد الثورة وكم عانت حتى استقرّ بها الحال حسب قولهم على يد السيسي.

ثانياً - الاعتقالات

وعلى الأرض، فتقول منظمات حقوقية وحركات سياسية بأن أجهزة الأمن المصرية شنّت حملات دهم واعتقالات واسعة النطاق في عدد من المحافظات المصرية منها القاهرة والإسكندرية والسويس والدقهلية، استباقاً لمظاهرات دعا إليها علي يوم الجمعة المقبل تحت شعار "ثورة شعب".

وقُدرت أعداد المعتقلين منذ مظاهرات الجمعة الماضي بالمئات، وفق هذه المنظمات بينهم أطفال قصر وشباب صغار في السن وصحفيون.

وبحسب الشبكة العربية لحقوق الإنسان، فإن عدد المعتقلين الذين أحصتهم وصل إلى 370 معتقلاً، بينما قالت حركة شباب 6 أبريل إنها أحصت أسماء 300 معتقل.

ثالثاً - السيناريو المرعب

خرج المقاول محمد علي ليل الأحد-الاثنين 24 سبتمبر/أيلول 2019، على غير العادة، في فيديو قصير، واضح ومباشر.

يقول رجل الأعمال إنه يتعرض منذ أسبوعين للمطاردة بهدف تصفيته، إلا أنّه في الفيديو الجديد حمّل السلطات الإسبانية مسؤولية أمنه وسلامته.

مُتعباً ومُنهكاً من كثرة تنقّله كما يظهر في كلامه، أوضح محمد علي أن هناك مجموعة من الضباط يطاردونه حيث يقيم في إسبانيا، بهدف قتله وذلك بالتعاون مع أفراد من إسبانيا، حسب قوله.

فهل يفعلها السيسي؟

الكاتب الصحفي المصري سليم عزوز يرى أنه من الصعوبة أن ينتقم السيسي من محمد علي بالتصفية والقتل.

يمارس مع المقاول المصري نوعاً آخر مثل التهديد ولكن لن يقدر على مطاردته والقبض عليه، "لأن السيسي لن يرغب في أن يكرر سيناريو محمد بن سلمان (ولي العهد السعودي) وما فعله بالصحافي جمال خاشقجي".

"ربما في المستقبل تتحوّل القصة إلى رفع قضايا ضد محمد علي وبالتالي يُعمم اسمه على الإنتربول، لكن برأيي أن الإنتربول لن يستجيب لمطالب تسليمه حينها"، يقول عزوز.

وحول الفيديو الأخير الذي نشره محمد علي على صفحته قبل ساعات، يتابع عزوز كلامه "لست مستبشراً خيراً من الفيديو الذي بثه، فماذا يريد، هل يعمل على كسب ود الناس وتعاطفهم، أم هل يريد الانسحاب؟".

ويوضح أن الفيديو مثير للريبة ويطرح أسئلة عديدة حول نيّة المقاول المصري.

فعلى الرغم من أنه طوال الوقت في فيديوهاته السابقة كان يتحدث عن مطاردته على هامش نقاط كثيرة أخرى، فإن هذه المرة خصّص فيديو محدد لهذه النقطة بالتحديد.

أما عضو المكتب السياسي لحركة شباب 6 إبريل خالد إسماعيل، فيرى أن انتقام السيسي من محمد علي بدأ بحملة تشويهه على وسائل الإعلام الموالية للسلطات المصرية.

"فكان الحديث عن تهربه من الضرائب، ثم انتقل إلى مرحلة أخرى وتطرق إلى مسائل أخلاقية كحياته في إسبانيا وتعاطيه المخدرات حسب زعمهم، وفيما بعد دخلوا حياته الشخصية وأرغموا والده على الظهور على الهواء، ثم نشروا تسريبات كاذبة عن زوجته".

يوضح إسماعيل في حديثه لـTRT عربي أن هذه كانت بداية التعامل مع محمد علي من قبل النظام المصري.

وبعد فيديو المقاول المصري الأخير، يقول عضو المكتب السياسي لحركة 6 إبريل، بأن من المتوقع أن يلجأ النظام إلى محاولة تصفية علي.

وفي تبريره لهذه الخطوة، فهو يرى أن محمد علي لا يمثل نفسه، وأن الجهة التي تقف وراءه داخل الدولة المصرية، ربما هي استشعرت هذا الخطر، وبالتالي قد يكون هناك تحول نوعي في خطة محمد علي.

وحسب قول إسماعيل، فإن "الفيديو الأخير جزء من هذه الخطة، وقد تكون الخطوة المقبلة هي تسريبات جديدة تكشف خيانة السيسي أمام المصريين".

لكن هل ستقدم الجهة التي تقف وراء محمد علي على إظهار هذه التسريبات التي ربما تسيء إلى المؤسسة العسكرية ككل وليس للسيسي وحده؟ أم أنها ستنسحب قليلاً وبالتالي ستنخفض نسبة فيديوهات محمد علي في الفترة المقبلة كنوع من تغيير الخطة؟

كان الفيديو الأخير وتحميل المقاول المصري السلطات الإسبانية مسؤولية حمايته نقطة تحوّل جديدة في ظاهرة محمد علي ستتضح تفاصيلها أكثر في الساعات والأيام المقبلة.

المصدر: TRT عربي