كشفت أسوشيتد برس في 25 أيار/مايو 2021 عن قاعدة عسكرية وجوية إماراتية في جزيرة ميون اليمنية وسط مضيق باب المندب.

يبلغ طول المدرج العسكري الذي بني داخل القاعدة 1800 متر، وهو ما يمكِّن الإمارات من السيطرة العسكرية على المضيق والمنطقة المجاورة للجزيرة. وتعتبر القاعدة نقطة انطلاق لأي عمليات عسكرية في البحر الأحمر وشرق إفريقيا.

أثار الخبر حفيظة اليمنيين في الداخل والخارج، فقد رفع برلمانيون يمنيون برقية إلى رئاسة مجلس النواب اليمني يطالبون بالتحقيق بصحة الخبر. بذات الوقت شجب ناشطون وسياسيون يمنيون ممارسات الإمارات العبثية في المناطق الاستراتيجية، واستنكروا موقف الحكومة اليمنية لسكوتها عما يجري بجزيرة ميون وسقطرى وغيرها من المناطق اليمنية التي تحتلها مليشيات المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً بمناطق متفرقة جنوبي اليمن.

تقع جزيرة ميون الاستراتيجية وسط باب المندب وتتبع محافظة تعز وتعرف باسم بريم ويبلغ عدد سكانها نحو 250 شخصاً هُجِّر معظمهم إلى مناطق مجاورة بسبب الحرب، ومساحتها 13 كيلو متراً وتملك بشاطئها الجنوبي الغربي ميناء بحرياً ومن الجهة الشمالية مطاراً.

تربط الجزيرة البحر الأحمر والبحر العربي وتشرف أيضاً على أهم المضايق المائية على مستوى العالم (باب المندب) الذي يكتسب أهمية استراتيجية من موقعه المميز لإشرافه على خطوط الملاحة البحرية والتجارة الدولية التي تربط القارات الثلاث آسيا وأوروبا وإفريقيا.

الاستيلاء على جزيرة ميون يعني السيطرة على النشاطات الاقتصادية والعسكرية بالمضيق. وهذا مكَّن الجزيرة من امتلاك أهمية جيوستراتيجية كبيرة على مر التاريخ، وجعلها مطمعاً للدول الكبرى التي تمتلك مصالح بالمنطقة. فقد احتلها البريطانيون بين 1738 و1799 وسيطرت عليها البرتغال ثم العثمانيون وغيرهم. وزادت الأهمية الاستراتيجية للجزيرة بعد افتتاح قناة السويس عام 1869 إذ استخدمت كمحطة لتزويد السفن بالوقود.

إسرائيل بدورها سعت منذ سبعينيات القرن الماضي للاستيلاء على المضيق وما حوله من الجزر، فأنشأت قواعد عسكرية ورادارات تجسس واستطلاع. ولا تزال تسعى للاستيلاء عليها وتحويلها إلى قاعدة عسكرية تحمي مصالح إسرائيل وتحافظ على أمنها القومي بمنطقة البحر الأحمر.

تأتي تحركات الإمارات الأخيرة بالجزيرة في إطار التخادم الأمني والعسكري مع الدول التي تطمح إلى الهيمنة على منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب. إذ تُُعتبر الإمارات أداة وظيفية تحقق للكيان الصهيوني ولنفسها مهمة الهيمنة على الجزيرة والمنطقة إجمالاً. فلا يمكن فصل ما يحدث في جزيرة ميون من ممارسات احتلالية عن الأهداف الأمنية للدول الطامحة إلى الهيمنة على المنطقة. فما تفعله الإمارات اليوم بالمنطقة يخدم مصالح الدول الحليفة للنظام الإماراتي وعلى رأسها الكيان الإسرائيلي.

لقد حققت الإمارات في الآونة الأخيرة الكثير من النفوذ العسكري والاختراقات السياسية لدول بالمنطقة كاليمن. إذ استطاعت السيطرة على أهم المواقع الاستراتيجية باليمن، المتمثلة في الجزر والمواني والمطارات بخاصة تلك المطلة على سواحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب والبحر العربي. ويأتي ذلك في إطار محاولة الحكومة الإماراتية بسط نفوذها السياسي والعسكري وفرض الهيمنة على المنطقة لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية.

وهذا ما أكده الناشط السياسي والدبلوماسي اليمني أنيس منصور لـTRT عربي قائلاً إن "احتلال الإمارات جزيرة ميون يأتي ضمن سياسة الأطماع التوسعية ببقية الجزر والمواني اليمنية لتحقيق مكاسب اقتصادية نظراً إلى وقوع الجزيرة في مضيق باب المندب الاستراتيجي ومكاسب سياسية للمشروع الصهيوني والبريطاني، لكون الإمارات دولة وظيفية تمهد لعمل قاعدة عسكرية لصالح قوى استعمارية".

وأضاف أن احتلال الإمارات لجزيرة ميون له أهداف أمنية أيضاً، إذ تسعى الأخيرة لاتخاذ الجزيرة مقر عمليات وكلائها المحليين (المجلس الانتقالي وقوات طارق صالح)، ومنها تُرسم مخططات مشروعها لإجهاض الشرعية اليمنية. خصوصاً أن الجزيرة آمنة وبعيدة عن أي تهديدات أمنية داخل اليمن. وعلى الصعيد الخارجي فإن للإمارات أهدافاً عسكرية وسياسية واقتصادية تسعى لتحقيقها بالشراكة مع أنظمة ودول إقليمية وعالمية كالكيان الصهيوني وبريطانيا. وهو ما تجلى مؤخراً بكشف مخططات الإمارات في الجزر اليمنية، كسقطرى التي أصبحت خارج دائرة تأثير اليمن بالكامل، وميون وغيرها من المناطق المهمة داخل اليمن.

في السياق ذاته قال الناشط اليمني ياسين التميمي لـTRT عربي إن الإمارات أقدمت تحت المظلة السعودية على إنشاء مطار بجزيرة ميون اليمنية بلا تنسيق مع الحكومة الشرعية لتعويم مسؤولية الإشراف على مضيق باب المندب لتصبح مهمة إقليمية ودولية، ما يجعل تكريس الفوضى والانقسام بالداخل اليمني من مخطط تجريد اليمن من أية قدرة على التصرف بمناطقه ذات الأهمية الاستراتيجية كمضيق باب المندب وجزيرة ميون ومحافظة أرخبيل سقطرى ومحافظة المهرة وغيرها.

وأضاف التميمي أن الشلل الذي أصاب الحكومة الشرعية لتبدو بهذا العجز عن مواجهة انتهاكات سافرة للسيادة اليمنية بجزيرة تتحكم بمضيق باب المندب محصلة سلسلة من التفريط والتنازلات التي أقدمت عليها هذه السلطة، كان أخطرها البقاء تحت الحراسة المشددة بالرياض فاقدةً القدرة على الحركة وعاجزة عن اللجوء إلى الخيارات المتاحة لديها.

وفي هذا الصدد أصدر التحالف السعودي-الإماراتي في اليمن بياناً نفى وجود قواعد عسكرية إماراتية بجزيرة ميون وسقطرى وأكد في الوقت ذاته وجود استحداثات عسكرية تابعة لقوات التحالف وقال إن هذه المعسكرات والقواعد العسكرية تحت سيطرته وإدارته، وأكد البيان أن الهدف من هذه الاستحداثات دعم الشرعية اليمنية للتصدي لمليشيا الحوثي.

في السياق ذاته قال القيادي بالمقاومة الجنوبية عادل الحسني لـTRT عربي: "بيان التحالف كان مليئاً بالتناقضات، فقد أكد عدم وجود قوات إماراتية في ميون وسقطرى وفي نفس الوقت أكد وجود أنشطة عسكرية للتحالف بتلك المناطق، بحجة ردع قوات الحوثيين والحفاظ على أمن المياه الإقليمية، ونسي أن الإمارات تمثل أحد جناحَي التحالف".

وأضاف أنه توجد قوات عسكرية مليشياوية تتبع المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً بالجزيرة، ويصل عدد المجندين فيها إلى 300 جندي. إذ أشرف على هذه القوات محسن الوالي قائد قوات الدعم والإسناد السابق التابعة للانتقالي. وأردف بأن البيان تحدَّث عن وحدة اليمن وسلامة أراضيه. بينما يناقض التحالف نفسه بدعم مليشيات انفصالية غربي اليمن وجنوبيه وشرقيه. وهذا يدل على أن التحالف غطاء لممارسات الإمارات العدوانية على جنوب اليمن.

لم يرتقِ موقف الحكومة الشرعية الرسمي من قضية الاستيلاء على الجزر اليمنية إلى مستوى الحدث، خصوصاً بعد تكرار الممارسات المستفزة من قبل الإمارات تجاه الحكومة والدولة اليمنية. وإن بدت المواقف الرسمية من قبل بعض رجال الحكومة اليمنية مستاءة مما يحدث وخجولة في الوقت نفسه من توجيه التهم ضد الإمارات ومليشياتها، فهي على الأقل بينت افتراءات التحالف السعودي-الإماراتي الأخيرة التي حاول التحالف بها إظهار أن الحكومة والجيش اليمني على دراية بما يجري. فلم تتهم البيانات الصادرة عن بعض رجال الحكومة اليمنية مباشرة لا التحالف ولا الإمارات بإنشاء القاعدة من دون علم الحكومة، لكنها على الأقل فندت حجة بيان التحالف بشأن الأنشطة العسكرية للإمارات والتحالف بالجزر اليمنية التي ادعى التحالف من خلالها أن القاعدة العسكرية بجزيرة ميون جاءت ضمن مخطط العمليات العسكرية للتحالف، والتي تصب في صالح تحقيق أهداف التحالف ضد الحوثيين.

فقد صرح وزير وزارة الخارجية والمغتربين أحمد عوض بن مبارك بأن الحكومة اليمنية لم تعقد أية اتفاقية مع أي دولة لإنشاء قواعد عسكرية بالجزر اليمنية. وأضاف أن عقد اتفاقيات من هذا النوع يستوجب تصديق مجلس النواب اليمني عليها. بينما طالب رئيس مجلس الشورى اليمني أحمد عبيد بن دغر رئاسة الحكومة الشرعية بإرسال لجنة تقصي إلى جزيرتَي سقطرى وميون للتحقيق بصحة خبر إنشاء قواعد عسكرية من قبل القوات الإماراتية. ودعا ابن دغر لأن تكون اللجنة مكونة من وفد نيابي وشوروي وحكومي مشترك.

ستظل الإمارات تمارس أعمال القرصنة والاستيلاء على الجزر والمواقع الاستراتيجية داخل اليمن ما دام التحالف والحكومة اليمنية غطاءً لجميع ممارساتها. الأمر أشبه بالوصاية السافرة على بلد هو الأكبر بعدد السكان في شبه الجزيرة العربية، وتقديمه مكافأة للقوى العظمى الدولية والغربية التي تجد صعوبة في انتهاك القانون الدولي على نحو ما تفعل الإمارات.

TRT عربي