تابعنا
منذ العاشر من مايو/أيار الحالي، تشهد الساحة الأوكرانية تحولاً مفاجئاً تَمثل في سرعة التقدم الروسي على عدة جبهات في آن واحد، إذ تشن موسكو هجوماً مكثفاً على جبهة خاركيف شمال شرقي أوكرانيا.

وتأتي هذه التطورات في وقت يحشد فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حلفاءه، ومع تغييرات أجراها في الكرملين أبرزها استبدال وزير الدفاع، ومستفيداً من تباطؤ المساعدات الغربية والضعف في بنية الجيش الأوكراني الذي استُنفد، وانشغال إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في دعم جبهة الحرب الإسرائيلية على غزة.

وتدفقت القوات الروسية عبر الحدود الشمالية وفتحت خطاً جديداً للهجوم بالقرب من خاركيف، ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا، وأسفر هذا الهجوم عن سيطرة القوات الروسية على قرى عديدة في المنطقة، مما أجبر الآلاف من المدنيين على الفرار من منازلهم.

وذكر الجيش الأوكراني أن عدداً من وحداته اضطرت إلى التراجع في جبهة خاركيف تحت وطأة الهجوم الروسي المكثف.

تعد هذه التطورات الميدانية الأخيرة مؤشراً على تكثيف روسيا عملياتها العسكرية وسعيها إلى الحصول على مكاسب ملموسة على الأرض، مما يدفع الدول الغربية خصوصاً الولايات المتحدة إلى تسريع تزويد كييف بشكل أكبر بالعتاد العسكري.

زخم روسي يقابله قلق أمريكي

وفي سبيل طمأنة الأوكرانيين بشأن استمرار دعم الولايات المتحدة لكييف تزامناً مع الهجوم الروسي، أجرى وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، زيارة مفاجئة يوم الثلاثاء، لأوكرانيا استمرت يومين، حيث تعهّد بإمدادات أسلحة.

وتعهد بلينكن بأن تدعم بلاده كييف حتى "ضمان" أمنها في مواجهة روسيا. من جهته، شكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، واشنطن على المساعدات التي وصفها بـ"الحاسمة"، لكنه طالب الدول الغربية الداعمة لبلاده بتسريع عمليات تسليم الأسلحة الموعودة، قائلاً: "من المهم الحصول عليها في أسرع وقت ممكن".

لكن زيارة وزير الخارجية الأمريكي تعرّضت لانتقادات من الأوكرانيين، إذ ظهر بلينكن بمظهر "المستهتر بمعاناتهم"، وذلك بسبب عزفه على الغيتار وأدائه أغنية في إحدى حانات العاصمة الأوكرانية، وعدّوها غير مناسبة وسط أزمة نزوح المدنيين من خاركيف، والأزمات الأخرى التي تمر بها البلاد من انقطاع الكهرباء نتيجة الهجمات على البنى التحتية.

وانتقدت سفيتلانا ماتفينكو، مديرة منظمة غير حكومية متخصصة في مجال تحليل السياسات، تصرّف بلينكن ووصفته بـ"غير المناسب"، وأدانت افتقار المسؤولين الأميركيين التامّ لـ"تفهم الوضع" و"التعاطف"، فيما علّق السفير الأوكراني السابق لدى الولايات المتحدة، فاليري تشالي، بقوله: "مع كل الاحترام، هذا خطأ".

ورغم محاولة الطمأنة الأمريكية، فإن التطورات الميدانية أثارت قلق البيت الأبيض من أن ترجَّح كفة الحرب لصالح روسيا. وقال تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" نُشر في 14 من مايو/أيار، إن إدارة بايدن تشعر بقلق كبير من أن يحشد بوتين زخماً كافياً لتغيير مسار الحرب، وربما يعكس توقعاته التي كانت قاتمة سابقاً في ما يخص القتال.

ويبدو أن بوتين يحشد بالفعل حلفاءه مثل الصين وبيلاروسيا وكوريا الشمالية، لتحصيل دعم سواء على الصعيد السياسي أو العسكري.

وفي أول زيارة خارجية له منذ إعادة انتخابه الشهر الماضي، وصل بوتين اليوم (الخميس)، إلى الصين، حيث يلتقي نظيره شي جين بينغ، وتدوم هذه الزيارة يومين يحاول خلالهما إلى استمالة الصين والحصول على دعمها.

وبينما قال الرئيسان إنهما يسعيان إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، إلا أنهما لم يقدما أي تفاصيل جديدة في تصريحاتهما العلنية بعد ظهر الخميس، وفق ما نقلته وكالة "رويترز".

وتتمتع الصين بنفوذ كبير بوصفها داعماً رئيسياً لـ"غزو أوكرانيا"، وشهدت العلاقات بين بكين وموسكو تقارباً أكبر منذ الحرب. وتحاول بكين الموازنة بين علاقتها مع الدول الغربية وفي الوقت نفسه ضمان تحالفها العميق مع روسيا، خصوصاً على صعيد الدعم الاقتصادي لموسكو التي شهدت عقوبات غربية واسعة على مدار العامين الأخيرين.

وكان تقرير "نيويورك تايمز" قد أشار إلى أنه قبل 18 شهراً، ناقش مسؤولو البيت الأبيض والبنتاغون ما إذا كانت القوات الروسية في أوكرانيا قد تنهار وتخرج من البلاد تماماً. أما الآن، بعد شهور من التقدم الروسي البطيء والقفزات التكنولوجية في مواجهة الأسلحة الأمريكية المقدَّمة، تشعر إدارة بايدن بقلق متنامٍ حيال الحرب.

قدرات عسكرية روسية

حسب الرصد العسكري لصحيفة "نيويورك تايمز"، قُضي على المدفعيات والطائرات من دون طيار التي قدمتها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو) بواسطة تقنيات الحرب الإلكترونية الروسية، والتي وصلت إلى ساحة المعركة في وقت متأخر ولكنها أثبتت فاعليتها بشكل مدهش.

وخلق الجدل الذي دام أشهُراً في واشنطن حول ما إذا كان ينبغي إرسال حزمة من الأسلحة والذخائر بقيمة 61 مليار دولار إلى أوكرانيا، ثغرةً استغلّتها روسيا بوضوح، على الرغم من أن الكونغرس أقرَّ التشريع في نهاية المطاف.

وأمس (الأربعاء)، أعلن بلينكن عن صندوق بقيمة ملياري دولار لمساعدة أوكرانيا على بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية، قائلاً إن الولايات المتحدة تعمل على إيصال مزيد من الذخيرة والأسلحة بسرعة إلى الخطوط الأمامية لمساعدة القوات الأوكرانية على التصدي لتوغل بري روسي جديد في منطقة خاركيف.

وحول التقنيات الروسية الجديدة المستخدَمة، يقول أندريه مورتازين، الخبير السياسي الروسي والباحث في العلاقات الدولية، إن هناك نوعاً من مسابقة التكنولوجيات والمصانع والاقتصادات عندما نتحدث عن العمليات القتالية.

ويضيف لـTRT عربي: "هذا ما كان يحدث في الحروب السابقة وهذا ما يحصل خلال العملية العسكرية الروسية حالياً، إذ توجد التكنولوجيات الغربية المستعملة في الجبهات، وفي المقابل هناك التكنولوجيا الروسية المضادة، لذلك هذه المسابقة مستمرة، ولكنّ اللافت للنظر هو عدد المُسيَّرات غير المسبوق المستعملة في هذه العملية القتالية من الأنواع المختلفة الاستطلاعية والهجومية والمُسيَّرات من طراز (إف بي في)، وغيرها".

ويتابع: "روسيا بعد أشهر تمكنت من زيادة، وبشكل نوعي، إنتاج الأسلحة و البضائع العسكرية بشكل عام، وركزت كثيراً على إنتاج وتطوير المُسيَّرات، كما أنه قريباً سيدخل الذكاء الاصطناعي في صناعة المُسيَّرات، إذ إن هناك بعض الأفكار حول هذا الموضوع وبعض المؤشرات يدل على أن استخدامها سيكون خلال العملية القتالية الحالية".

من جهته يقول المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة، كمال الزغول، إن التكتيكات التي تستخدمها روسيا الآن هي الهجوم الجبهوي بشكل متناسق على طول الحدود مع أوكرانيا معتمدةً على الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المُسيَّرة والمدفعية، وقد أحدثت تقدماً باتجاه خاركيف، وتمكنت من التقدم في أفدييفكا، وتحاول بناء حائط صد جوي عن جزيرة القرم وأسطول البحر الأسود.

ويضيف لـTRT عربي: "روسيا تبنت خطة متزنة وغير متهورة بسبب طول الحدود والنقص في الجنود، إذ تمكنت من كبح الهجوم الأوكراني المعاكس، وإعادة التنظيم والتركيز على أهدافها بكل تأنٍّ ثم بنت حساباتها على إنهاك القوات الأوكرانية في ظل النقص الحاصل في الذخيرة وفي أعداد الجنود الأوكرانيين، إذ أصبحت مشكلة التجنيد في كييف".

ويرى الزغول أن القوات الأوكرانية من دون الدعم الغربي بأسلحة نوعية غير قادرة على الصمود على المدى المتوسط، وتركز دفاعها الثابت الآن دون استعادة الأراضي لحين الحصول على شحنات الأسلحة الغربية، وزيارة بلينكن الأخيرة هي إنذار للدول الأوروبية بتقديم الدعم لأوكرانيا واستشعار الخطر القادم.

ويشير إلى أن أوكرانيا الآن بوضعها الحالي أصبحت عبئاً على نفقات الدفاع الغربية وخلقت جدلاً واسعاً في الأروقة الأوروبية بين موافق ورافض لاستمرار الحرب، معتبراً أنه ما يمكن تقديمه من الغرب لأوكرانيا هي أسلحة دفاع جوي بوصفها أولوية أولى، وذخيرة مدفعية وقنابل ذكية تعيق تقدم القوات الروسية باتجاه خاركيف وفي محاور أخرى في الوسط والجنوب.

العين على خاركيف

سبق أن أكدت مصادر قريبة من الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد فشل الهجوم المضاد الأوكراني، "شعر بضعف أوكرانيا" وهو "مستعد للذهاب إلى النصر"، بما في ذلك المحاولة مرة أخرى للاستيلاء على كييف والاستيلاء على خاركيف.

وحسبما نقلت صحيفة "ميدوزا" الروسية عن المصادر فإن بوتين مستعد للإعلان عن تعبئة أخرى إذا ما كانت ضرورية، فضلاً عن تحويل الاقتصاد إلى مستوى أبعد نحو الحرب.

ويعد الكرملين الاستيلاء على خاركيف "هدفاً واقعياً"، وبعد ذلك يمكن أن تنتهي الحرب تدريجياً. وقبل ذلك، قال بوتين مراراً إنه من أجل وقف القصف المنتظم لمنطقة بيلغورود، من الضروري إنشاء "منطقة صحية" حولها.

وتقع خاركيف، ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا، على بُعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود الروسية، التي تمكنت من صد هجوم موسكو سابقاً، وكانت واحدة من أكثر المدن تضرراً من القصف منذ بدء الحرب الروسية-الأوكرانية في فبراير/شباط 2022.

TRT عربي