أشاع انتشار فيروس كورونا الخوف في كثير من مناطق العالم فيما يتعلق بمخزون الغذاء خصوصاً مع ذهاب الكثير من الناس نحو تخزين الطعام خوفاً من نفاذه من الأسواق. في تركيا، بدا الأمر مطمئناً مع تأكيدات الحكومة على جاهزيتها التامّة بهذا الخصوص.

أحد الأسواق الشعبية في مدينة اسطنبول 
أحد الأسواق الشعبية في مدينة اسطنبول  (Reuters)

بينما تتسابق دول العالم إلى إعلان مخزوناتها من السلع المختلفة، لا سيما السلع الغذائية، لبث الطمأنينة في مواطنيها، تجني تركيا ثمار خمسة عشر عاماً من سياسات الإصلاح للقطاعات الاقتصادية المختلفة، بخاصة في المجال الزراعي، إذ تتوفر السلع كافة وباحتياطيات كافية لعدة أشهر قادمة.

وعلى الرغم من صعوبات التوريد والنقل الذي تسببت فيها محاربة انتشار فيروس كورونا، وعلى الرغم من إقبال المواطنين والمقيمين غير المسبوق على شراء السلع وتخزينها تحسباً لإجراءات محتملة أكثر قسوة في مواجهة الفيروس خلال الفترة القادمة، فإن الأسواق التركية لم تشهد نقصاً يذكر في كل أنواع السلع بخاصة الغذائية.

وعلى عكس الدول الأوروبية لم تشهد أرفف المحلات التجارية شحاً يدفع المشترين نحو الشجار، بل ظلت السلع متوافرة بكمياتها المعهودة.

ومؤخراً، طمأن وزير الزراعة والغابات التركي بكر باكديميرلي الشعب التركي حول احتياطيات السلع الأولية والغذائية قائلاً: "نحن بلد مكتفٍ ذاتياً، والعزلة الاجتماعية المفروضة في العديد من البلدان أثرت بشكل كبير على المنتجات، الآن الكثير من البلدان لا يملك مواد مثل الأسماك، أما نحن فلدينا المزيد في الطماطم، لدينا المزيد في الأسماك، لدينا المزيد في كل المواد الأخرى، لا مشاكل مع الإمدادات الغذائية في تركيا".

وحول احتياطي تركيا من المواد الأولية وخصوصاً تلك التي تدخل في صناعة المنتجات المرحلية المتعلقة بالتعقيم والتطهير في ظل تفشي وباء كورونا في تركيا، أكد الوزير أن "تركيا تملك مخزوناً من الكحول الإيثيلي يكفي لإنتاج الكولونيا ومواد التعقيم الأخرى لمدة 5 أشهر، موضحاً أنه على الرغم من ارتفاع الطلب على مواد التعقيم بنسبة 1000%، ولكن لا تزال السوق قادرة على الإنتاج نظراً إلى توفر المواد الأولية المستخدمة في العملية بكثرة".

تأتي هذه الوفرة في الإنتاج السلعي التركي كنتيجة منطقية للسياسات الاقتصادية المتبعة منذ بداية الألفية الحالية، إذ كان لتضافر جهود القطاعين الخاص والعام الأثر الواضح في تنويع القاعدة الاقتصادية ودفع عملية التنمية، كما كان للجهود الحكومية التنظيمية دور بارز في دفع عجلة النمو الاقتصادي وزيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية وتدفق النقد الأجنبي ونقل التكنولوجيا.

أثمرت هذه السياسات زيادة الناتج المحلي الإجمالي التركي من 236 مليار دولار أمريكي في عام 2002 إلى 800 مليار دولار أمريكي في عام 2019.

كما حققت الصادرات التركية معدل نمو ملحوظ خلال تلك الفترة، بلغ متوسطه السنوي 10.3% في الصادرات، وزادت قيمة الصادرات التركية من 36 مليار دولار عام 2002 إلى 180 مليار دولار عام 2019. وازدادت حصة تركيا في الصادرات العالمية من أقل من 0.6% في عام 2002 إلى ما يقرُب من 1% عام 2017.

وكنتيجة للدعم الحكومي المتواصل للقطاع الزراعي الذي بلغ 137.7 مليار ليرة تركية عام 2019، حدثت طفرة كبيرة في الإنتاج الزراعي التركي وتزايدت قيمته من أقل من 40 مليار دولار عام 2002 إلى ما يقارب 60 مليار دولار بنهاية عام 2019، وهو ما أدى إلى زيادة الصادرات الزراعية التركية من 3.7 مليار دولار إلى 17.7 مليار دولار خلال نفس الفترة.

وبذلك أصبحت تركيا سابع أكبر بلد في العالم للإنتاج الزراعي بشكل عام، ومن أكبر الدول المصدرة للمنتجات الزراعية في أوروبا الشرقية ومنطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا.

وقامت تركيا على الصعيد العالمي بتصدير 1781 نوعاً من المنتجات الزراعية إلى أكثر من 190 دولة في عام 2019، وبالإضافة إلى ذلك تنتج تركيا حوالي 11000 نوع من النباتات، في حين أن العدد الكلي لأنواع النباتات في أوروبا هو 11500.

وطبقاً لموقع وزارة الاستثمار التركية أنتجت تركيا 18.5 مليون طن من الحليب في عام 2018، مما يجعلها البلد الرائدة في منطقتها الجغرافية في إنتاج الحليب ومنتجات الألبان. كما أنتجت كذلك 35.3 مليون طن من محاصيل الحبوب، و30.3 مليون طن من الخضار، و18.9 مليون طن من الفواكه، و1.9 مليون طن من الدواجن، و1.2 مليون طن من اللحوم الحمراء.

وعلى الرغم من تلك القفزات المتتالية لقطاع الزراعة التركي خلال الفترة الماضية، فإن تركيا تمتلك خططاً أكثر طموحاً للقطاع، إذ تهدف بحلول عام 2023 إلى أن تكون من بين أكبر خمسة بلدان إنتاجاً زراعياً على مستوى العالم، وذلك بالوصول بقيمة الناتج الزراعي المحلي إلى 150 مليار دولار، ومضاعفة الصادرات الزراعية إلى 40 مليار دولار، وزيادة الرقعة الزراعية إلى 8.5 مليون هكتار مقارنة بحوالي 5.4 مليون هكتار، واحتلال المرتبة الأولى في تصنيف مصائد الأسماك بالمقارنة مع الاتحاد الأوروبي.

ولا شك في أن هذا الإنتاج الزراعي الوفير والناتج عن خطط اقتصادية واعية ودعم متواصل للاستثمار الزراعي، هو حائط الأمان الذي ترتكن إليه الدولة حالياً في مواجهة الأزمات المحتملة لتداعيات انتشار فيروس كورونا على سلاسل الإمداد والتوريد في أنحاء العالم كافة، علاوة على الفوائض التي يمكن أن تصدّر إلى دول العالم المختلفة لمواجهة تداعيات الأزمة.

بينما انساقت البرامج التنموية للكثير من الدول إلى الاهتمام بنمو القطاع الصناعي على حساب باقي القطاعات، واعتبار ذلك المؤشر الأهم للتنمية الاقتصادية، وتجاهل كبير للقطاع الزراعي، والأمن الغذائي، على أساس أن الصادرات الزراعية ستوفر الدخل الكافي لشراء ما يلزم من منتجات زراعية، جاءت أزمة كورونا لتكشف وهن هذا الطرح وتعيد القطاع الزراعي إلى مكانته المنطقية، وإبراز دوره في توفير احتياجات الإنسان والحيوان والصناعة.

وأحسنت الدولة التركية بسعيها نحو النمو المتوازن بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، وإعطائها أهمية كبرى للقطاع الزراعي وتنميته، وهي في ظل الأزمة الحالية تجني ثمار تلك السياسات ليس فقط على مستوى توافر السلع الغذائية بما يكفي المواطنين والمقيمين على الأراضي التركية، بل وكذلك بما يسد احتياجات العديد من الدول التي تنكّرت لسنوات طوال للقطاع الزراعي واعتبرت الاعتماد عليه ضرباً من التخلف الاقتصادي.

المصدر: TRT عربي