تابعنا
ازداد اهتمام العالم بضرورة تأمين إمدادات الغاز بسبب تبعات الحرب الروسية-الأوكرانية، الأمر الذي يجعل قمة الجزائر ذات أهمية في رسم معالم السوق مستقبلاً، والعلاقة التي ستربط بين الفاعلين من منتجين ومستثمرين ومستهلكين.

وضعت قمّة منتدى الدول المصدّرة للغاز، المزمع تنظيمها في الجزائر بين 29 فبراير/شباط إلى 2 مارس/آذار، التوجه نحو ترسيخ العقود الآجلة ودراسة الأسعار والاستثمارات في مورد الطاقة هذا ضمن المواضيع البارزة التي سيناقشها المشاركون بهدف تحقيق استقرار في الأسواق، وسط تساؤلات عن استطاعة المنتدى الخروج بقرارات قادرة على تحقيق هذا الهدف، بما يحقق التوافق بين المنتجين والمستهلكين.

ازداد اهتمام العالم بضرورة تأمين إمدادات الغاز بسبب تبعات الحرب الروسية-الأوكرانية، الأمر الذي يجعل قمة الجزائر ذات أهمية في رسم معالم السوق مستقبلاً، والعلاقة التي ستربط بين الفاعلين من منتجين ومستثمرين ومستهلكين.

أكثر أهمية

وقال وزير الطاقة والمناجم الجزائري محمد عرقاب في مقابلة مع مجلة الجيش إنّ القمة المنتظرة نهاية الشهر الجاري ستشهد إجراء حوارات استراتيجية بناءة من شأنها رسم المسار لمستقبل طاقة مستدام وآمن ومزدهر للدول الأعضاء.

ويسعى المنتدى الذي تأسس عام 2001 إلى أن يكون له تأثير في سوق الغاز مشابهاً لما تقوم به منظمة أوبك عالمياً في سوق النفط، لكن أستاذ الاقتصاد في جامعة تبسة الجزائرية الدكتور عثمان عثمانية يرى أن النفط يظل أكثر أهمية في الوقت الحالي مقارنة بالغاز، لذلك لا يزال ثقل هذا المنتدى لم يصل بعدُ إلى مستوى تأثير مجموعة الدول المصدرة للبترول.

ويضيف عثمانية لـTRT عربي أن هذا لا ينفي أنّ تحكُّم دول المنتدى في إنتاج نسبة كبيرة من صادرات الغاز في العالم يجعلها قادرة على التأثير في استقرار أسعار الغاز، وتحديد سعر عادل للجميع.

ويقول خبير الطاقة البروفيسور عبد الرحمن مبتول، الذي عمل في عملاق النفط الجزائري سوناطراك لسنوات، إنّ أهمية هذا المنتدى تكمن في أن البلدان المنتمية إليه تسيطر على 70% من احتياطيات الغاز العالمية، وتتحكم في 43% من أنابيب الغاز العالمية.

وفي حديثه مع TRT عربي يعرب مبتول عن اعتقاده بأن تأثير المنتدى يزداد عندما ترتفع إمدادات الغاز عبر البواخر إلى 80%، الأمر الذي سينشط بيع مورد الطاقة هذا في الأسواق الحرة، ويرفع إمكانية تأثير المنتجين.

ويتكون المنتدى من 12 عضواً رئيسساً، هم: الجزائر، وبوليفيا، ومصر، وغينيا الاستوائية، وإيران، وليبيا، ونيجيريا، وقطر، وروسيا، وترينيداد وتوباغو، والإمارات، وفنزويلا، إضافةً إلى 8 أعضاء مراقبين متمثلين في أنغولا، وأذربيجان، والعراق، وماليزيا، وموزمبيق، والنرويج، وبيرو، وموريتانيا.

مورد طاقة دائم

مع ظهور النزعة العالمية، وبالخصوص في أوروبا، نحو الطاقات المتجددة في السنوات الأخيرة، تجد الدول المنتجة للغاز نفسها مجبرة على اتخاذ خطوات فعالة من شأنها الحفاظ على الغاز باعتباره مورد طاقة ضرورياً ومطلوباً.

وأكد وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب أن من بين الأهداف الاستراتيجية المنتظرة من قمة الجزائر هي "جعل الغاز مورداً رئيسياً ونظيفاً من أجل مرافقة التنمية الشاملة والمستدامة، كما سيؤكد هذا الاجتماع دعم الحقوق السيادية للدول الأعضاء على مواردها الغازية".

وبيّن عرقاب أن اجتماع الجزائر سيشكل فرصة لرؤساء الدول والحكومات لمناقشة التحديات العالمية في مجال الغاز من خلال استعراض ودراسة التطورات التي تشهدها أسواق الغاز، في ظل التغيرات الجيوسياسية والهيكلية في صناعة الغاز، خصوصاً المتعلقة بإزالة الكربون من الغاز الطبيعي واحتجاز واستعمال وتخزين الكربون.

ويعتقد الدكتور عثمان عثمانية أن "الغاز يظل من مصادر الطاقة عالية الأهمية، بفضل مزايا تميزه عن غيره من مصادر الطاقة الأخرى مثل النفط والفحم. فهو من الأقل تلويثاً للبيئة، ومتوفر بشكل كبير في الطبيعة، وتتعدد استخداماته وإمكانية نقله بالأنابيب، وهو ما يجعله مصدراً أساسياً للطاقة، يتزايد عليه الطلب من سنة إلى أخرى، خصوصاً أن التحول نحو الطاقات البديلة النظيفة يتطلب وقتاً طويلاً".

لكن البروفيسور عبد الرحمن مبتول يرى أن بقاء الغاز مصدرَ طاقة مهماً مرتبطٌ بمدى تكيّف الدول المنتجة مع متطلبات انتقال الطاقة، والتوجه نحو استعمال الطاقات النظيفة، وذلك باستغلال الغاز في هذه الأنواع الجديدة من الطاقة.

ويلفت إلى أن الاتحاد الأوروبي يسعى لخفض انبعاث ثاني أكسيد الكربون بنسبة 90% خلال عام 2040، وهو ما يتطلب اعتماداً أكبرَ على الطاقات المتجددة والنظيفة، مثل الكهرباء والهيدروجين الأخضر والأزرق.

استقرار الأسعار

وكشفت الحرب الروسية-الأوكرانية أنه لا يمكن الوثوق بسوق الغاز بشكلها الحالي، حسب خبراء، الأمر الذي يجعل البحث عن إجراءات من شأنها ضبط أسعار الغاز في مستوى يراعي مصالح المنتجين والمستهلكين من المحاور الرئيسة التي ستبعث بها قمة الجزائر المرتقبة.

ويؤكد عثمانية أن "الحرب الروسية-الأوكرانية أثرت بشدة في أسواق الغاز، خصوصاً بالنسبة إلى أوروبا التي كانت تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي، وهذا ما رفع الأسعار إلى مستويات قياسية في بداية الحرب، لكنها عادت لتستقر في ما بعد لأن الدول الأوروبية اتخذت إجراءات عدّة لتفادي التبعية لروسيا، من أهمها تنويع مصادر الغاز وتعزيز كفاءة الطاقة".

ويردف: "هذا كله يدفع اليوم بالدول المصدرة والمستوردة للغاز إلى ضرورة التوصل إلى توافق حول الأسعار العادلة لكل الأطراف من أجل استقرار الأسواق".

وتظهر أهمية هذه النقطة من خلال تصريح وزير الطاقة محمد عرقاب الذي أشار إلى أن "قمة الجزائر تأتي في ظرف حساس، لذلك ستتناول المواضيع المتعلقة بنمو الاقتصاد العالمي والسوق والتكنولوجيا والاستثمار والتمويل وتحولات الطاقة، كما ستركز على الحوار المتواصل والبناء خدمة للدول المنتجة والمستهلكة والأنشطة متعددة الأطراف، خصوصاً المتعلقة بتغير المناخ وتخفيض البصمة الكربونية".

ويبيّن عثمانية أن خدمة الدول المنتجة والمستهلكة التي تحدث عنها وزير الطاقة الجزائري -الذي تُعَدّ بلاده من أبرز مزودي أوروبا بالغاز- تجعل من "الوصول إلى أسعار منصفة للغاز أمراً أساسياً من أجل استدامة أسواق الغاز، حتى وإنْ كان الإنصاف في الأسعار يختلف بين المنتجين والمستهلكين، فالمستهلكون يبحثون عن أسعار منخفضة من أجل توفير الغاز للعائلات والشركات بأقل التكاليف، فيما يبحث المنتجون عن أسعار أعلى حتى يعوضوا تكاليف استخراج الغاز ونقله، وتغطية تكلفة الاستثمارات".

ويمكن الوصول إلى قرارات تضبط سوق الغاز من خلال عمل المنتدى باعتباره آلية للتنسيق والتعاون بين الأعضاء من أجل تحديد مستويات الإنتاج واستراتيجيات التسويق للتأثير في مستويات المعروض من الغاز وبالتالي أسعاره، حسب عثمانية.

ويرى أستاذ الاقتصاد أن ضبط سوق الغاز مرتبط بـ"التوجه إلى العقود طويلة المدى في إمدادات الغاز، وهذا هام جداً بالنسبة إلى المنتجين"، مستبعداً قدرتهم على فرضه على المستهلكين، رغم أن التحولات الجيوسياسية مؤخراً قد تدفع بالمستهلكين إلى قبول إجراء كهذا.

أما خبير الطاقة عبد الرحمن مبتول فيوضح أن المنتجين يطرحون على الدوام الاتفاق على عقود متوسطة أو طويلة المدى، مع النص في الاتفاقات على رفع الأسعار المتفق عليها في حال عرفت زيادة لافتة في فترة ما في الأسواق، وهو ما يجعل المستهلكين يرفضون ذلك أحياناً.

ويردف: "رغم أن الدول الأعضاء في المنتدى يمتلكون 70% من احتياطات الغاز العالمية، فإنه إذا نظرنا من ناحية الإنتاج فالولايات المتحدة التي تغيب عن القمة هي أول منتج لهذا المورد عالمياً".

وانطلاقاً من هذا المعطى يلفت مبتول إلى أن ضبط سوق الغاز لا يرتبط فقط بقرارات الدول الأعضاء في المنتدى، إنما بتأثير متغيرات أخرى، لذلك ضبط الأسعار يتعلق بمعدل نمو الاقتصاد العالمي، وتطور الاعتماد على الطاقات المتجددة وتغيرات الاستهلاك العالمي، والمجال الجيواستراتيجي الذي يتسبب أحياناً في رفع الأسعار، مثل الأوضاع في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

ومهما كانت التحديات المطروحة فإن الجزائر التي تعدّ عائدات صادرات الغاز من أساسيات تأمين موازنتها السنوية، ستحاول تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في "الخروج بإعلان هام يضمن التزام الدول الأعضاء للتعاون في ما بينها قصد مواجهة التحديات العالمية والتغيرات الجيوسياسية وضمان المصالح المشتركة للدول الأعضاء في مجال صناعة الغاز"، حسب الوزير محمد عرقاب.

TRT عربي