على الرغم من إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الدفاع عن قراره سحب القوات الأميركية من سوريا، فإن ضغوطاً جعلته يتراجع عن خطة الانسحاب الفوري خلال 30 يوماً، ويمدّ الفترة إلى 4 أشهر. فهل حدث ذلك بعلم أنقرة التي حذّرت من تراجع أميركا عن انسحابها؟

جندي أميركي في أحد المواقع العسكرية بالقرب من مدينة منبج السورية
جندي أميركي في أحد المواقع العسكرية بالقرب من مدينة منبج السورية (AP)

أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب سحب قوات بلاده من سوريا عديداً من التساؤلات حول موقف المؤسسات الأميركية من الخطوة، وما إذا كانت الولايات المتحدة جادة في سحب قواتها، ومصير العملية العسكرية التي أعلنت تركيا في وقت سابق عزمها إطلاقها، ضدّ تنظيمات مسلحة متحالفة مع واشنطن.

ما المهم: أحدث قرار ترمب الذي أعلنه على نحو مفاجئ في صفحته على تويتر، اضطراباً واسعاً داخل دوائر واشنطن السياسية، إذ تَعرّض الرئيس الأميركي لهجوم واسع شنّه عليه قادة عسكريون وأعضاء في الكونغرس، بسبب ما اعتبروه تعجلاً في خطته لسحب القوات الأميركية من سوريا خلال شهر واحد، فضلاً عن تقديم وزير الدفاع جيمس ماتيس استقالته بعد يوم واحد من الإعلان.

وفي آخر تطور لملابسات وتفاصيل قرار الانسحاب الأميركي من سوريا، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية تقريراً ذكرت فيه التراجع عن خطة الانسحاب الفوري، ليصبح انسحاب القوات البالغ عددها 2000 على الأراضي السورية أكثر تمهلاً وبطئاً، في عملية قد تستغرق أربعة أشهر.

المشهد: استقال جيمس ماتيس فجأة بعد اختلافه مع ترمب في عدة أمور، أهمها قراره المفاجئ سحب كل القوات من سوريا، وبدء التخطيط لتقليص القوات في أفغانستان.

وقال ماتيس في خطاب استقالته، إن الولايات المتحدة عليها أن تحافظ على تحالفاتها "وأن تعامل حلفاءها باحترام"، بما يعني ضمنياً أنه غير راضٍ عمَّا يعتبره تخلياً من واشنطن عن حلفائها.

فقرة من خطاب الاستقالة التي تقدم بها جيمس ماتيس إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب
فقرة من خطاب الاستقالة التي تقدم بها جيمس ماتيس إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب ()

ووجّه جيمس ماتيس، الإثنين، رسالة أخيرة إلى القوات المسلحة، أقرّ فيها بوجود بلبلة سياسية في واشنطن، لكنه دعا الجيش إلى البقاء ثابتاً في مهمة "دعم الدستور والذود عنه وحماية أسلوب حياتنا".

في المقابل، يُصِرّ ترمب على الدفاع عن قراره، ويؤكّد أنه "لو كان أحد غير دونالد ترمب فعل ما فعلته في سوريا، لكُرّم بصفته بطلاً قومياً".

وعلى الرغم من دفاع الرئيس الأميركي عن قراره، فإن تعقيدات الساحة السورية وتَعدذُد لاعبيها وتضارب أو تلاقي مصالحهم، تُضفِي على الموقف الأميركي وما قد يحدث إذا كانت واشنطن عازمة بالفعل على الانسحاب من سوريا، حالة من انعدام اليقين.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن في وقت لاحق من ديسمبر/كانون الأول الماضي، عزم أنقرة على إطلاق حملة عسكرية في مناطق شرق نهر الفرات، بهدف حماية حدود تركيا الجنوبية والتصدي لأخطار تمثلها قواتPYD/YPG، الامتداد السوري لتنظيمPKK المصنف إرهابياً، والمنخرط في صراع مسلَّح مع تركيا على مدار الأربعين سنة الماضية.

وأعلن أردوغان تأجيل العملية العسكرية في ضوء قرار ترمب الأخير، قبل أن يصرِّح الزعيمان بأن سحب القوات الأميركية سيتم "بالتنسيق" بين أنقرة وواشنطن.

ما التالي: أشار الباحث السياسي إبراهيم العلبي إلى أن "أنقرة عندما أجلت عملية شرق الفرات أمهلت واشنطن شهراً واحداً لسحب قواتها من سوريا"، مضيفاً في حديث لـTRT عربي أن "الأتراك لم يستبعدوا أن يكون الإعلان الأميركي عن سحب القوات شكلياً، ولكن في ما بعد، نسّق الجانبان معاً وبدأت الأمور تتضح أكثر".

ورجّح العلبي أن "تمضي أنقرة قدماً في الحملة العسكرية التي أعلنت عنها إذا ما لمست تباطؤاً أو مماطلة من الجانب الأميركي"، واستدرك "أظن، مع ذلك، أن المسؤولين الأتراك مستعدون لإمهال الأميركيين وقتاً كافياً، لأنهم يدركون أن تنفيذ قرار الانسحاب بسرعة ليس أمراً سهلاً، لذلك فإن المسألة سوف تخضع لتقييم المسؤولين الأتراك وطبيعة التنسيق مع المسؤولين الأميركيين".

وفي ما يتعلق بمدى جدية الولايات المتحدة في الانسحاب من سوريا، قال الباحث السياسي إن "قرار واشنطن موزع بين عدة مؤسسات: الخارجية والبنتاغون والبيت الأبيض والكونغرس"، لافتاً إلى أن "ترمب أراد الانسحاب من سوريا منذ فترة طويلة، ولكن الضغوط الداخلية والخارجية التي مورست عليه جعلته يؤجّل القرار".

المصدر: TRT عربي