يواصل النظام السوري هجماته على إدلب لتسجل هذه المدينة أسوأ موجة نزوح في تاريخ الأمة، في ظل مساعي تركية لحل الأزمة يواجهها حراك روسي يحاول الاستفادة من تلك الأزمة.

النظام السوري يواصل هجماته على إدلب لتسجل هذه المدينة أسوأ موجة نزوح في تاريخ الأمة
النظام السوري يواصل هجماته على إدلب لتسجل هذه المدينة أسوأ موجة نزوح في تاريخ الأمة (AA)

في ظل تردّي الأوضاع الإنسانية والسياسية شمالي سوريا جرّاء مواصلة النظام السوري وداعميه لهجماته على المدنيين هناك، تتجه الأنظار نحو القمة الرباعية التي ستعقد في أنقرة بمشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 5 مارس/آذار المقبل، مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ونظيريه الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي إيمانويل ماكرون.

ويأتي ذلك في ظل إصرار أنقرة على عدم التراجع خطوة واحدة في إدلب وإخراج النظام السوري إلى خلف نقاط المراقبة التركية وإتاحة الفرصة لعودة النازحين إلى ديارهم. فيما يعتقد الرئيس التركي أن "عدم استخدام بلاده للمجال الجوي فوق إدلب هو أكبر عائق، مشيراً إلى أنهم يعملون على حله.

ومن المقرر أن يصل الوفد الروسي الأربعاء، إلى أنقرة ويبدأ اجتماعاته هذا المساء مع الجانب التركي، حسب تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، فيما أفادت وكالة الإعلام الروسية، أن وزارة الخارجية تقول إن موسكو تتوقع نتائج إيجابية للمحادثات مع تركيا بشأن إدلب السورية.

وعلى الرغم من هذا التفاؤل الحذر فإن الولايات المتحدة الأمريكية ترى أن "نظام الأسد والروس والإيرانيين قوضوا جميع جهود وقف إطلاق النار في إدلب"، وهو ما صرح به وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو.

وأضاف: "الولايات المتحدة تعمل مع تركيا لرؤية ما يمكنها فعله حيال تدهور الأوضاع في إدلب".

وتواصل المعارضة السورية قتالها في جبهات عدة في معركة غير متكافئة، لكنها ترفض الاستسلام، وهو ما يطيل من أمد المعركة التي بدأها نظام الأسد.

وأفاد المتحدث باسم الجبهة الوطنية للتحرير النقيب ناجي مصطفى لـTRT عربي، بأن "امتلاك المعارضة زمام المبادرة معركة فاصلة بعد هجوم معاكس قامت به الفصائل الثورية على إثر معركة عنيفة بقيت أكثر من 10 ساعات، وسيكون انعكاس إيجابي لهذا التقدم على كل الجبهات".

وقال القيادي في الجيش الوطني السوري والخبير العسكري زياد حاج عبيد لـTRT عربي، إن “النظام السوري والمليشيات الروسية لديها قدرة كاملة على المناورة بالقوات، وبخاصة نقل المعركة من هدف إلى هدف استراتيجي أكثر".

وأضاف: "بعد الخسائر الكبيرة التي منيت بها قوات النظام والمليشيات الإيرانية والروسية في النيرب والتقدم الكبير الذي أحرزه الثوار الذين نجحوا في استعادة السيطرة على قرى غرب سراقب والوصول إلى بوابتها وخسارة النظام أعداداً كبيرة من مجنّديه، سعى النظام لتشتيت هذا الهجوم ففتح معركة جديدة على محور جبل الزاوية وتوجه إلى بلدة كفرنبل التي تشرف على الطريق الدولي ونقل القصف العنيف إليها وجزءاً كبيراً من قواته واستطاع التقدم بسرعة للسيطرة عليها".

وتابع: “نعوّل على الجانب التركي لمنع تحليق طائرات النظام والتشويش عليها لإعطاء الفرصة لفصائل الجيش الوطني لصد هجوم مليشيات النظام والقوات الروسية“.

روسيا تعرقل الحلول

وتحاول روسيا استغلال الوقت والاستفادة من المناورات السياسية والمواقف الدولية لقضم أكبر مساحة ممكنة من منطقة الشمال السوري، حسب ما قاله الباحث السياسي سعد الشارع لـTRT عربي.

وأضاف: "القضية المحورية في الشمال السوري بين تركيا وروسيا التي تحاول الوصول إلى تفاهم معين معها، لكن العنجهية الروسية والنظام والمليشيات الإيرانية لا تهتم لتلك التفاهمات".

وقال الباحث والإعلامي السوري أسامة محمود آغي في مقال له نُشر على موقع TRT عربي، إن "أردوغان لم يكن غامض التوجُّه حيال مصير إدلب، فقد حدّد بدقة ماذا يريد الأتراك أن يحدث في هذه المنطقة، وهو جعل إدلب منطقة آمنة لأربعة ملايين سوري من سكانها ومن النازحين إليها من مناطق أخرى، هُجّروا منها بالقوة، وعلى أرضية التغيير الديمغرافي في البلاد".

وأضاف: "هذا الحل لا يتناسب مع مطامع روسيا لفرض أجندة حلها على السوريين، من خلال إعادة تأهيل نظام الاستبداد الذي تحميه في دمشق. لا، بل إن الأمر يصل إلى حدود التناقض بين الرؤيتين التركية والروسية، وهو ما يجعل الروس يدفعون الأمور إلى مستوى متقدم من تأزيم الصراع، وهو أمر ينقل هذا الصراع إلى عتبات أوسع، ويسمح بتوسُّعه دولياً".

ليلة دامية في إدلب

ووسط هذه التحركات السياسية، يزيد النظام من شراسة هجماته، إذ ارتفع الثلاثاء، عدد القتلى المدنيين في إدلب إلى 17 قتيلاً، جرّاء قصف بالقنابل العنقودية نفّذته قوات نظام بشار الأسد على المدارس والأحياء السكنية.

وأوضحت مصادر في الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) للأناضول أن 6 مدنيين قُتلوا في القصف بينهم معلِّمان وتلميذ في مركز مدينة إدلب. وأضافت أن القصف في ساعات المساء أسفر عن مقتل 10 في بلدة معرة مصرين ومقتل شخص في بلدة بنش.

وفي وقت سابق الثلاثاء، أعلنت مصادر الدفاع المدني السوري مقتل 4 مدنيين في القصف، قبل الإعلان عن الحصيلة الجديدة.

وقال الصحفي أنس تريسي لـTRT عربي، إن تقدماً لقوات النظام في الجنوب وباتجاه كفرنبل، فيما تقدمت فصائل المعارضة شرقي إدلب، وسط قصف عنيف من قبل طيران النظام والطيران الروسي.

من جانبه، قال أحمد سعيد مراسل TRT عربي في هاطاي، إن إدلب شهدت يوماً دامياً بسبب تركيز القصف على بلدات عدة، سقط على إثرها عشرات الضحايا بين قتلى وجرحى، من بينهم نساء وأطفال.

وأضاف: "استطاعت قوات المعارضة السيطرة على النيرب وبدأت السيطرة على بلدات أخرى، وفي حال إكمال المعارضة السيطرة عليها ستكون أبواب سراقب مفتوحة وبالتالي فك حصار عن اثنتين من نقاط المراقبة التركية".

كارثة إنسانية

وعلى الصعيد الإنساني، يمتد بحر من الخيام على عشرات الكيلومترات المربعة في إدلب قرب الحدود التركية، وتستمر مئات آلاف العائلات بالمخيمات المكتظة بالنازحين هرباً من آلة النظام العسكرية.

ويخشى المدنيون من أعمال انتقامية يقوم بها النظام وليس فقط من القصف المستمر، وهو ما قاله النازح السوري إسماعيل شاهين لـTRT عربي، الذي أشار إلى أنهم نزحوا بسبب تقدم النظام من جميع الجهات، فيما قال النازح السوري أحمد محمود إن اللاجئين يعانون أوضاعاً صعبة، من بينها نقص في الخدمات الأساسية مثل الحمامات والعيادات الصحية في ظل البرد الشديد.

وقالت الأمم المتحدة إن سوريا تشهد أكبر موجة نزوح في تاريخ الأمة، ما يدعو إلى رفع حجم المساعدات ونوعيتها، وهي التي بالكاد تكفي لتلبية بعض الأساسيات.

من جانبه، أشار المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة استيفان دوغريك للصحفيين بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، إلى أنه "لا تزال الأمم المتحدة تشعر بالقلق إزاء سلامة أكثر من 3 ملايين مدني في إدلب والمناطق المحيطة بها، مع استمرار ورود تقارير عن الغارات الجوية والقصف على السكان المدنيين".

المصدر: TRT عربي - وكالات