استمر الجزائريون في الاحتجاج، الجمعة، حتى بعد استقالة بوتفليقة، داعين إلى استقالة كل رموز النظام السابق. في الآن ذاته، سعى الجيش إلى احتواء جهاز المخابرات بإقالة قائده، في الوقت الذي لا تزال فيه المرحلة الانتقالية تسيطر عليها الضبابية.

ردّد المتظاهرون شعارات ترفض تولي المقربين السابقين من بوتفليقة إدارة المرحلة الانتقالية
ردّد المتظاهرون شعارات ترفض تولي المقربين السابقين من بوتفليقة إدارة المرحلة الانتقالية (Reuters)

خرجت أعداد كبيرة من المتظاهرين وسط العاصمة الجزائرية، وفي أنحاء عدة من البلاد، في أول يوم جمعة بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

وردد المتظاهرون شعارات رافضة لتولي المقربين السابقين من بوتفليقة إدارة المرحلة الانتقالية.

رحيل "الباءات الثلاث"

يصرّ الجزائريون على إسقاط "النظام" بكل مكوناته، وهو الهدف من خروجهم للتظاهر بكثافة في يوم الجمعة السابع على التوالي، تحت شعار "الشعب يريد.. ينتحاو ڤاع" وتعني "الشعب يريد أن يتنحّوا جميعاً".

وشهدت مدينتا وهران وقسنطينة، ثاني وثالث أهم مدن البلاد، وكذلك مدينة باتنة (300 كلم جنوب شرق الجزائر) مسيرات حاشدة، كما نقلت وسائل إعلام جزائرية.

وذكرت وكالة الأنباء الرسمية أن التظاهرات شملت 14 ولاية من أصل 48، في تغطية غير مسبوقة نشرت خلالها كل الشعارات المعارضة للسلطة.

وردّد المتظاهرون شعار "لن نسامح لن نسامح" رداً على اعتذار الرئيس المستقيل، وطلبه الصفح عن "كل تقصير ارتكبته في حقكم بكلمة أو بفعل".

وكتبت صحيفة الخبر "رغم خروج الآلاف للاحتفال ليل الثلاثاء إلى الأربعاء" باستقالة بوتفليقة، "غير أنّ مظاهر الفرح لا يُمكنها أن تكتمل عند الجزائريين إلاّ برحيل العصابة".

وأضافت الصحيفة أن "العصابة" المقصودة هي تلك التي تحدثت عنها قيادة الجيش "من سياسيين ورجال أعمال مُتهمين بنهب أموال الخزينة العامة بطريقة أو بأخرى".

ومنذ الثلاثاء، تعددت، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الدعوات للتظاهر مجدداً الجمعة، بغية إزاحة "الباءات الثلاث"، أي عبد القادر بن صالح والطيب بلعيز ونور الدين بدوي، الذين يعتبرون شخصيات محورية ضمن البنية التي أسس لها بوتفليقة، وينص الدستور على توليهم قيادة المرحلة الانتقالية.

وبات عبد القادر بن صالح الذي يرأس مجلس الأمة منذ 16 عاماً بدعم من بوتفليقة، مكلفاً بأن يحلّ مكان الرئيس لمدة ثلاثة أشهر، يجري خلالها التحضير لانتخابات رئاسية.

لا نعرف الكثير عن نوايا الجيش في ما يتعلق بإدارة مرحلة ما بعد بوتفليقة

حسني عبيدي - مدير مركز الدراسات والبحوث في العالم العربي والمتوسط

أما الطيب بلعيز الذي ظل وزيراً لمدة 16 عاماً شبه متواصلة، فيرأس للمرة الثانية في مسيرته، المجلس الدستوري المكلف بالتأكد من نزاهة الانتخابات.

من جانبه، كان رئيس الحكومة نور الدين بدوي الذي تولى مهامه في 11 مارس/آذار، وزير داخلية، وقد وصفته صحيفة الوطن الجزائرية، الخميس، بأنّه "مهندس التزوير الانتخابي وعدو الحريات".

في هذا الصدد، قال المحامي مصطفى بوشاشي، وهو أحد وجوه الحراك، في تسجيل مصوّر، إنّ "انتصارنا جزئي. الجزائريات والجزائريون لا يقبلون بأن يقود رموز النظام مثل عبد القادر بن صالح أو نور الدين بدوي المرحلة الانتقالية، وأن ينظموا الانتخابات المقبلة".

الجيش يتخلص من رموز المخابرات

ذكرت قناة النهار الجزائرية، الجمعة، أن مدير المخابرات الجزائرية عثمان طرطاق الشهير باسم بشير، عُزل من منصبه، وهو لواء جيش متقاعد، كان حليفاً للرئيس بوتفليقة.

ويبدو أن رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، أصبح الرجل القوي في البلاد، بعد خروجه منتصراً من مواجهته مع المحيطين ببوتفليقة، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وتعززت قوة قايد صالح أكثر، باستعادته السيطرة على جهاز الاستخبارات مع إقالة طرطاق منسّق المصالح الأمنية لدى رئيس الجمهورية، وإلحاق مديريات الأمن الداخلي والأمن الخارجي والمديرية التقنية بوزارة الدفاع.

الجزائر دخلت المرحلة الأكثر تعقيداً، على اعتبار أن الشارع والمؤسسات يمكن أن ينقسما

حمزة مدّب - باحث في المركز الجامعي الأوروبي

ولحق ذلك إقالة الجنرال علي بن داود رئيس المديرية العامة للأمن الخارجي، بعد أقل من شهر على تعيينه، حسب ما نقلته وسائل إعلام محلية.

وبشغور منصب وزير الدفاع الذي كان يشغله بوتفليقة المستقيل، أصبحت صلاحيات هذا المنصب في يد نائب وزير الدفاع ورئيس الأركان قايد صالح.

وقال مدير مركز الدراسات والبحوث في العالم العربي والمتوسط في جنيف حسني عبيدي، إن "الشارع الجزائري أصبح اللاعب الجديد في الحياة السياسية الجزائرية"، و"لا نعرف الكثير عن نوايا الجيش في ما يتعلق بإدارة مرحلة ما بعد بوتفليقة".

مرحلة انتقالية معطّلة.. حتى حين

اجتمع البرلمان بغرفتيه، لتنظيم جلسة برلمانية ينص عليها الدستور لتحديد الرئيس المؤقت للبلاد، لكن وبعد مرور 48 ساعة على استقالة بوتفليقة، لم يحدد بعد موعد هذه الجلسة.

وسيتولى نظرياً قيادة الفترة الانتقالية عبد القادر بن صالح لمدة أقصاها 90 يوماً، يتم فيها الإعداد لانتخابات رئاسية.

ويطالب المحتجون بإنشاء مؤسسات انتقالية قادرة على إصلاح البلاد، وتنظيم بنية قضائية من شأنها ضمان انتخابات حرّة.

ولمحاولة إرضاء الشارع، دعت الحكومة الجزائريين إلى إنشاء أحزاب وجمعيات، وأكدت أنها تفتح لهم "كل الأبواب" وتقدم لهم التسهيلات، في حين كانوا يواجهون عراقيل كثيرة في السابق للحصول على التراخيص الضرورية لممارسة أي نشاط.

واعتبر الباحث في المركز الجامعي الأوروبي حمزة مدّب أن "وضع ما بعد بوتفليقة غير واضح"؛ فالشارع وأحزاب المعارضة يطالبون "بدستور جديد وقانون انتخاب جديد أيضاً".

وأوضح مدّب أن الجزائر دخلت "المرحلة الأكثر تعقيداً، على اعتبار أن الشارع والمؤسسات يمكن أن ينقسما".

المصدر: TRT عربي - وكالات