هيمن الخلاف الأمريكي الأوروبي حول إيران وقرار ترمب سحب قواته من سوريا على أعمال الدورة الـ55 من مؤتمر ميونيخ للأمن. وكان تراشق التصريحات بين المستشارة الألمانية ونائب الرئيس الأمريكي أبرز معالم المؤتمر الذي انطلق يوم الجمعة ويستمر حتى الأحد.

نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس واجه المستشارة الألمانية بسلسلة من الانتقادات
نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس واجه المستشارة الألمانية بسلسلة من الانتقادات (Reuters)

ما المهم: يبرز مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام كمنصة تحتدم فيها النقاشات حول السياسات الدولية بين قطبي المنظومة الغربية التي تهيمن على العالم منذ نهاية الحرب الباردة على أقل تقدير، الولايات المتحدة الأمريكية ودول القارة الأوروبية.

تتركز هذه النقاشات، التي انطلقت الجمعة وتستمر إلى الأحد، حول التعامل الغربي مع إيران والاتفاق النووي الموقّع معها عام 2015، بعد انسحاب واشنطن منه العام الماضي، كما تتركز حول مجمل السياسة الغربية في ظل السياسات الأحادية للرئيس الأمريكي، وفي ظل صعود القوة الصينية عالمياً خصوصاً على المستوى الاقتصادي، فضلاً عن محاولة روسيا استعادة دورها على الصعيد الدولي عبر الشرق الأوسط.

المشهد: دافعت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في كلمتها بمؤتمر ميونيخ، السبت، بقوة عن قرار القوى الأوروبية الوقوف إلى جانب الاتفاق النووي مع إيران في مواجهة الانتقادات الأمريكية، وحاولت الترويج لنهجها السياسي متعدد الأطراف في الشؤون العالمية، وحثّت الصين على الانضمام إلى جهود نزع السلاح في المستقبل.

وأعلنت ميركل أن الانقسام بشأن إيران يُشعرها بالضيق، لكنها استدركت قائلة "أرى برنامج الصواريخ الباليستية، أرى إيران في اليمن، وقبل كل شيء أرى إيران في سوريا". مضيفة أن "السؤال الوحيد الذي بيننا بشأن هذه المسألة، هل نساعد قضيتنا المشتركة وهدفنا المشترك المتمثل في احتواء تطوير ضار وصعب في إيران، من خلال الانسحاب من الاتفاقية الوحيدة المتبقية؟ أم أننا نساعد أكثر عن طريق الحفاظ على المرساة الصغيرة التي لدينا من أجل، ربما، ممارسة الضغط في مناطق أخرى؟".

كما تساءلت ميركل عمّا إذا كان من الأفضل للولايات المتحدة سحب قواتها بسرعة من سوريا، "أم أن هذا الانسحاب سيعزز من إمكانات إيران وروسيا لبسط نفوذهما هناك؟"

وفيما يتعلق بالتسلح النووي، قالت ميركل إن إعلان الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا الشهر أنها ستنسحب من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، التي أبرِمت عام 1978، كان "لا مفر منه" بسبب الانتهاكات الروسية، ودعت إلى أن تشمل مفاوضات نزع السلاح المقبلة الصين أيضاً.

هل نريد أن نجعل روسيا تعتمد على الصين فقط؟ هل تلك هي مصلحتنا الأوروبية؟

المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل

غير أنّها دافعت بقوة، وفقاً لوكالة رويترز، عن العلاقات التجارية بين بلادها وروسيا. وتساءلت "هل نريد أن نجعل روسيا تعتمد على الصين فقط؟ هل تلك هي مصلحتنا الأوروبية؟".

بعد وقت قليل من كلمة المستشارة الألمانية، واجهها نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، بسلسلة من الانتقادات، موجهاً، في الوقت ذاته، انتقادات إلى الاتحاد الأوروبي على خلفية الموقف من إيران.

وقال بنس، على الاتحاد الأوروبي أن يحذو حذو الولايات المتحدة في الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، واصفاً نتائج رئاسة دونالد ترمب بأنّها "رائعة" و"استثنائية". وأضاف في كلمة خلال المؤتمر أن "أمريكا أقوى من أي وقت سابق وأمريكا تقود الساحة العالمية مجدداً"، مذكّراً في كلمته بـ "النجاحات" التي حققتها واشنطن في مجال السياسة الخارجية من أفغانستان إلى كوريا الشمالية.

الخلفيات والدوافع: طغت الخلافات الأمريكية الأوروبية على مؤتمر وارسو للشرق الأوسط الذي انعقد الخميس، وعلى السياق العام الذي سبق مؤتمر ميونيخ الحالي والذي يشارك فيه أكثر من 30 رئيس دولة وحكومة و80 وزيراً للدفاع والخارجية.

وفي وارسو أيضاً دعا مايك بنس الأوروبيين إلى الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران التي وصفها بأنها "الخطر الأكبر" في الشرق الأوسط، وقال إنها تُعِد "لمحرقة جديدة" بسبب طموحاتها الإقليمية. كما ندد بنس بمبادرة فرنسا وألمانيا وبريطانيا الهادفة إلى السماح للشركات الأوروبية بمواصلة تعاملها مع إيران رغم العقوبات الأمريكية.

من جهة أخرى، فإنّ قضية ثانية كانت تُثار طيلة المرحلة الماضية، تتمثّل في إعلان الرئيس دونالد ترمب، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، نيته الانسحاب من سوريا، الأمر الذي يقول بشأنه المسؤولون الأوروبيون إنه يدعم إيران وروسيا أكثر مما يواجههما.

كيف يمكن للمرء أن يكون حازماً ضد إيران وفي الوقت ذاته يتخلى عن شمال شرق سوريا؟ هذا لغز بالنسبة لي

وزير خارجية فرنسا جان ايف لو دريان

وكان لافتاً، الجمعة، وصف وزير خارجية فرنسا جان ايف لو دريان، السياسة الأمريكية في أعقاب قرار الانسحاب من سوريا بأنها لغز. وقال لودريان، في جلسات مؤتمر ميونيخ، "ثمة شيء واحد لا أفهمه بشأن السياسة الأمريكية في هذه المنطقة، كيف يمكن للمرء أن يكون حازماً ضد إيران وفي الوقت ذاته يتخلى عن شمال شرق سوريا"، وأضاف "هذا لغز بالنسبة لي".

أما الخلفية الأوسع التي ينعقد في ظلها مؤتمر ميونيخ بدأت تتشكل منذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض في نهاية عام 2016. وهذه الخلفية أثّرت أيضاً على مجريات أعمال العام الماضي.

وجدير بالذكر، أن رئيس مؤتمر ميونيخ فولفغانغ إشينغر، افتتح أعمال هذا العام الجمعة، قائلاً إنه بات يتعيّن على أوروبا أن تتحدث وتتصرف من أجل نفسها، وأن تتحدث بصوت موحد أكثر من ذي قبل.

المصدر: TRT عربي