على وقع الأزمات الاقتصادية المتوالية في العالم تلجأ بعض الحكومات إلى شركات استشارات اقتصادية لتقديم حلول للأزمات، إلا أن بعض هذه الشركات تقوم بدعم أنظمة فاسدة أكثر من تقديم استشارات حقيقية، ومن أبرز هذه الأمثلة شركة ماكينزي الأميركية، فما قصتها؟

شركة الاستشارات الإدارية العالمية ماكينزي
شركة الاستشارات الإدارية العالمية ماكينزي ()

ما المهم: تستعين الحكومات حول العالم بشركات استشارات اقتصادية وسياسية عابرة للقارات لتنفيذ برامج إصلاح اقتصادي أو تطوير خطط مستقبلية، لكن باتت بعض هذه الشركات مؤخراً مصدراً لدعم أنظمة استبدادية ومخططاتها بدلاً من تقديم الاستشارات الفنية فقط، بل وامتد دعمها لمشروعات وأجندات لا تراعي أي بعد حقوقي أو إنساني، ومن ناحية أخرى تتورط في أعمال وشراكات قد تكون ضد مصالح بلادها.

ومن بين الأمثلة الواضحة على هذا النوع من الشركات مؤخراً، شركة McKinsey & Company الأميركية ذائعة الصيت التي تلعب أدواراً متعددة في دعم مشروعات أنظمة ديكتاتورية حول العالم لا تراعي حقوق الإنسان، ومن بينها أنظمة عربية، في ظل شكوك حول مدى جدوى ونجاح الاستشارات التي تقوم بتقديمها، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

المشهد: تُعد شركة ماكينزي إحدى الشركات العاملة في مجال استشارات الأعمال، حيث اشتهرت بتقديم الحلول الاستشارية للشركات والحكومات على حد سواء، ومؤسسها هو أستاذ المحاسبة في جامعة شيكاغو جيمس ماكينزي عام 1926.

انتقلت الشركة بعد ذلك من مجرد مؤسسة استشارات إلى شركة بارزة في الاستشارات الإدارية في الولايات المتحدة، ويعمل فيها أكثر من 9 آلاف مستشار في مختلف المجالات الإدارية.

ظهر اسم ماكينزي مرتبطاً بعدة مشروعات وعقود استشارات في بلدان مختلفة أبرزها الصين وروسيا وسويسرا والسعودية ولبنان، لكن الأمر الأكثر وضوحاً في إستراتيجية عمل الشركة هو عدم وجود أي ضوابط أخلاقية في تقديمها للاستشارات.

يشير تقرير نيويورك تايمز إلى تقديم الشركة استشارات لشركات صينية ومشروعات تدعمها حكومة بكين على بعد أميال قليلة من معسكرات اعتقال عرقية الإيغور المسلمة، هذا التصرف الذي لاقى استهجاناً عالمياً لكنه لم يغير من موقف الشركة.

أحد أبرز عملاء الشركة حالياً النظام السعودي وحكومات ذات معدل فساد عالٍ مثل جنوب إفريقيا، وأوكرانيا وروسيا، دون أي تحفّظ من جانب الشركة.

بين السطور: لم تهتم ماكينزي حتى بمصالح الولايات المتحدة، إذ إن أحد عملاء الشركة ساعد في بناء جزر صناعية في بحر الصين الجنوبي، وهو أمر رئيس في التوتر العسكري مع الولايات المتحدة.

ساعدت الشركة الأميركية البارزة في الدفاع عن حكومات سلطوية وفاسدة في جميع أنحاء العالم.

-في أوكرانيا ساعدت في صقل صورة المرشح الرئاسي الفاسد فيكتور يانوكوفيتش، إلى أن وصل إلى السلطة ببرنامج ماكينزي الاقتصادي ثم قامت عليه ثورة بعد ذلك في 2014 بعد فشل استشارات الشركة.

-عملت ماكينزي مع الشركات المرتبطة بالكرملين والتي وُضعت تحت العقوبات من قبل الحكومات الغربية.

-وفي الصين، قدّمت الشركة استشارات إلى ما لا يقل عن 22 شركة من أكبر 100 شركة مملوكة للدولة -وهي الشركات التي تنفذ أكبر المبادرات الاقتصادية-، وفقاً لمجلة التايمز.

-تعاملت ماكينزي مع شركات متَّهمة من قبل البنك الدولي بالفساد.

-تعاملت مع رئيس الوزراء الماليزي السابق المتهم بالفساد محمد نجيب في مشروع لبناء السكك الحديدية الماليزية.

-السعودية أحد أكبر عملاء الشركة حيث عملت فيما يقارب 600 مشروع في الفترة من 2011 إلى 2016 وحدها في المملكة التي اختارتها للمشاركة في مؤتمر استثماري سعودي كبير في أكتوبر/تشرين الأول، رغم مقاطعة شركات كثيرة للمؤتمر بسبب حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

-تعاقدت لبنان مع الشركة مقابل استشارات بقيمة مليون و400 ألف دولار لإنعاش الاقتصاد.

-رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً التعامل مع الشركة بعدما أثارت جدلاً في الأوساط التركية.

خلفيات: على الرغم من الصيت الذائع للشركة الأميركية فقد عُرف عنها حالات إخفاق وفشل عديدة أبرزها:

-انهيار شركة الخطوط الجوية السويسرية بعد استشارات الشركة بخصوص برنامج التوسع حتى اضطرت إلى إعلان إفلاسها عام 2001.

-انهيار شركة إنرون (إحدى أكبر شركات الطاقة في أميركا) معلنةً أكبر أزمات الإفلاس في التاريخ الأميركي عام 2001 أيضاً.

-خسارة شركة "جنرال إلكتريك" العملاق الاقتصادي الأميركي ما يقارب مليار دولار عام 2007 بعد تجربة مع الشركة.

ما التالي: تحاول ماكينزي حالياً قيادة التحول الاقتصادي السعودي عبر استشاراتها والانتقال إلى مرحلة ما بعد النفط رغم تاريخ خططها غير الناجحة.

وقال الاستشاري الدولي في الاقتصاد وإدارة الأعمال حاتم عزام، في مقابلة سابقة مع صحيفة الشرق القطرية، إن "رؤية الدولة تُعد سراً من أسرارها، ولا يجوز الاطلاع عليها، وهذا ما لم يحدث بين ماكينزي والقيادة السعودية، حكومة السعودية أدرى من أي جهة أخرى بالتفاصيل الدقيقة للمجتمع السعودي، وبالتالي رسم جهة أجنبية سياسات الدولة السعودية يُعد أمراً خطيراً، خصوصاً أن هذا الأمر يحتاج لمعلومات دقيقة، وأسرار مهمة تتعلق بالأمن القومي".

وأضاف عزام: "شركات الإدارة مهما كبر حجمها لا يمكن لها أن تدير دولاً حتى ولو كانت صغيرة جداً، خاصة أن موظفي هذه الشركات يمنحون استشاراتهم في مجال المال والأعمال فقط، وليس لديهم القدرة على معرفة مطالب وتفكير الشعوب والمجتمعات".

المصدر: TRT عربي