ألقت قوات الأمن العراقية القبض على عدد من الأشخاص التابعين لفصيل مدعوم إيرانياً، في خطوة غير مسبوقة يرى مراقبون أنها قد تكون بداية المواجهة بين حكومة الكاظمي والمليشيات التي تتمتع بسلطة واسعة في البلد الممزق منذ الغزو الأمريكي عام 2003.

حكومة الكاظمي تتعرض لتهديدات من فصائل
حكومة الكاظمي تتعرض لتهديدات من فصائل "الحشد الشعبي" بعد إلقاء الأمن القبض على عدد من عناصرها (Reuters)

في خطوة غير مسبوقة داهمت قوات الأمن العراقية مساء الخميس، مقر حزب الله العراقي، أحد فصائل هيئة الحشد الشعبي المدعومة إيرانياً، جنوبي العاصمة بغداد، وألقت القبض على عدد من الأشخاص، أحدهم يحمل الجنسية الإيرانية، بحسب مصادر في الحكومة العراقية.

وتفيد المصادر بأن المعتقلين كانوا يخططون لقصف مطار بغداد الدولي بالصواريخ، كما تتحدث عن مصادرة منصتي إطلاق صواريخ كانتا جاهزتين لقصف المطار.

ويرى مراقبون أن الواقعة قد تكون نقطة تحول مهمة في علاقة السلطة بالفصائل المسلحة التي تدعمها إيران، لا سيما أنها تأتي بعد أسابيع من تولي رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي منصبه، على خلفية احتجاجات شعبية واسعة تطالب بالحد من سلطة المليشيات ورحيل النخبة الحاكمة، ومحاربة الفساد وإجراء إصلاحات اقتصادية.

بداية المواجهة؟

لم يمر سوى نحو شهر ونصف الشهر على تولي الكاظمي رئاسة الحكومة، حتى بدأت المواجهة مع المليشيات المدعومة إيرانياً والتي تمتعت على مدار سنوات بسلطة واسعة في العراق، رغم التحليلات التي ذهبت إلى أن الرجل القادم من خلفية استخباراتية، أقرب إلى خلق التوازنات بين القوى السياسية والشعبية المختلفة.

ولا يبدو أن تلك التحليلات قد جانبت الصواب تماماً، الأمر الذي تشير إليه الزيارة التي أجراها بعد أيامٍ من توليه المنصب إلى مقر هيئة الحشد الشعبي، وهو يرتدي زيهم الرسمي.

ورغم ذلك يرى مراقبون أن المواجهة كانت أمراً حتمياً، ولكن مداها لا يزال أمراً ستكشف عنه الأيام المقبلة.

في هذا الصدد يقول الخبير الأمني نجم القصاب: إن "الكاظمي كان رئيساً لجهاز المخابرات الوطني، ويمتلك كل المعلومات بخصوص الجهات السياسية وغير السياسية".

ويضيف القصاب في حديث لـTRT عربي أن رئيس الوزراء "كان منزعجاً من استغلال بعض الفصائل المسلحة وغير المسلحة للمنافذ الحدودية وتحصيل أموال تقدّر بين 3 و4 مليارات دولار، عبر تهريب المخدرات والمقاتلين والسيطرة على بعض الأراضي التابعة لمواطنين، لا سيما أن تلك الفصائل لا تدين بالولاء للدولة العراقية".

أمّا بخصوص الطريقة التي سيتعامل بها الكاظمي مع التهديدات التي تتعرض لها حكومته بعد الخطوة الأخيرة، فيرى الخبير الأمني العراقي أن "رئيس الوزراء يجب أن يتعامل في الفترة المقبلة وفقاً للقانون الذي حان الوقت لأن يُطبق على الجميع"، مشيراً إلى أهمية ما حدث "فتلك المرة الأولى التي تلقي فيها السلطات القبض على عناصر تابعة للحشد الشعبي منذ تأسيسه".

ويتابع: "تلك الانطلاقة ستعطي بصيص أمل للمواطنين بإمكانية تطبيق القانون على الجميع".

تهديدات وادعاءات بتحرير المعتقلين

بعد حادثة إلقاء القبض على عناصر "حزب الله العراقي" شهدت المنطقة الخضراء ببغداد، التي تضم مقر رئاسة الحكومة وعدداً من الوزارات والمؤسسات والسفارات الأجنبية، توتراً بين عناصر من الحشد الشعبي تحرّكت فوراً لتطويق المنطقة، وجهاز مكافحة الإرهاب.

ونشر حساب على تويتر منسوب إلى شخصٍ يُدعى أبو علي العسكري ويُعرِّف نفسه متحدثاً باسم كتائب حزب الله العراقي، تغريدة توعّد فيها بالرد على رئيس الحكومة الذي اتهمه بأنه يريد أن "يخلط الأوراق ويضيع قضية مشاركته بجريمة قتل الشهيدين ورفاقهما"، في إشارة إلى العملية التي نفّذها الجيش الأمريكي في يناير/كانون الثاني الماضي، وقتل فيها قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ورئيس كتائب حزب الله العراقي أبو مهدي المهندس.

وزعم الحساب المذكور أن عناصر الحشد الشعبي في "صولة حيدرية حسينية" تمكّنت من تحرير المعتقلين، متعهداً بالرد على الحكومة دائماً والتربص بها.

نفي رسمي

في المقابل نفت القيادة العراقية المشتركة صحة ادعاءات تحرير المعتقلين، موضحة في بيان أن العملية نُفِّذت بعد تكليف جهاز مكافحة الإرهاب بإلقاء القبض على أشخاص توفرّت "معلومات استخباراتية دقيقة" حول ضلوعهم في استهداف "المنطقة الخضراء ومطار بغداد الدولي.. عدة مرات".

وأوضح البيان أنه جرى تشكيل "لجنة تحقيقية خاصة برئاسة وزارة الداخلية وعضوية الأجهزة الأمنية"، وأن المتهمين أودعوا لدى "الجهة الأمنية المختصة حسب العائدية للتحفظ عليهم إلى حين إكمال التحقيق والبت بموضوعهم من قِبل القضاء".

في سياقٍ متصل اتخذ الكاظمي منذ توليه المنصب في 7 مايو/أيار الماضي، عدداً من القرارات التي تخص ملف حقوق الإنسان، بينها الإفراج عن معتقلي المظاهرات، والتحقيق في وجودد سجون سرية البلاد، وذلك وسط ضغط مسبق من الحراك الشعبي المستمر منذ عدة أشهر.

وبالتزامن مع الحملة الأمنية الأخيرة، قال الكاظمي في كلمة وجهها إلى الشعب مساء الخميس، إنه ليس لديه حزب، "والشعب هو حزبي.. ومشروعي الوحيد هو العبور بالدولة وتحقيق مطلب الشعب بانتخابات عادلة"، مؤكداً "لن نسمح لأحد بأن يهدد بهدم الدولة".

بداية الأفول؟

وقالت الكاتبة شيلي كيتليسون في تقرير نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، إن كتائب حزب الله العراقي بعد خمسة أشهر من مقتل قائدها أبو مهدي المهندس في غارة أمريكية قرب مطار بغداد، بدأ نفوذها في العراق بالأُفول.

وذكرت الكاتبة أنّ جهاز مكافحة الإرهاب الذي يدعم المبادرة الرامية إلى ضم كل الكتائب المسلحة تحت قيادة واحدة خاضعة للسلطة المركزية، سيكون في مواجهة مع فصائل الحشد المدعومة من إيران، وهي التي اتهمته طويلاً بخدمة المصالح الأمريكية.

ووفقاً للموقع الرسمي لكتائب "حزب الله"، فإن هدفها هو "تحقيق حاكمية الإسلام، التي تمثل ولاية الفقيه الطريق الأمثل لتحقيقها"، في إشارة إلى مبدأ ولاية الولي الفقيه المعتمد رسمياً في نظام الحكم بإيران.

وتنضوي الكتائب تحت هيئة الحشد الشعبي، التي تأسست بعد أحداث مدينة الموصل شمالي العراق عام 2014، وتضم 72 تشكيلًا مسلحاً ترتبط بمكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، وهو نفسه رئيس الوزراء.

وقوات الحشد الشعبي هي إحدى مؤسسات الدولة الأمنية الرسمية، ولها مخصصات من الموازنة العامة، لكنها تعمل باستقلالية عن وزارتي الدفاع والداخلية.

وتتميز كتائب "حزب الله" عن غيرها من تشكيلات الحشد الشعبي بامتلاكها قدرات قتالية عالية اكتسبتها من عملها المسلح ضد قوات الاحتلال الأمريكي، منذ تأسيسها حتى نهاية 2011، تاريخ الانسحاب الأمريكي من العراق. كما أنها تمتلك قدرات عالية على تطوير وتصنيع واستخدام الصواريخ البالستية، بالتنسيق مع وحدات استخباراتية تابعة لها.

ويعاني العراق مشكلات اقتصادية وسياسية وأمنية منها التفجيرات الإرهابية وتزايد نفوذ المليشيات المسلحة الموالية لإيران وغيرها، منذ الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، واجتياح تنظيم داعش الإرهابي صيف 2014.

وصوّت البرلمان في مطلع مايو/أيار الجاري، بأغلبية الأعضاء الحاضرين، على منح الثقة للكاظمي و15 وزيراً، في حين لم يحظَ 4 مرشحين بالثقة، مع شغور حقيبتَي النفط والخارجية.

وخلفت الحكومة الجديدة حكومة عادل عبد المهدي، الذي قدم استقالته في ديسمبر/كانون الأول 2019، تحت ضغط احتجاجات شعبية مناهضة للحكومة والطبقة السياسية الحاكمة المتهمة بالفساد والتبعية للخارج.

المصدر: TRT عربي