بعد حصول السلطة الفلسطينية على تأييد الجامعة العربية لموقفها الرافض لصفقة القرن، لا تزال ضغوطات إسرائيلية ودولية كبيرة تُمارَس عليها من أجل القبول بالصفقة، ليعود الحديث عن إمكانية العودة إلى المبادرة العربية التي ترفضها إسرائيل.

الرئيس الفلسطيني يعلن رفضه لصفقة القرن خلال كلمة له في الجامعة العربية
الرئيس الفلسطيني يعلن رفضه لصفقة القرن خلال كلمة له في الجامعة العربية (AFP)

كانت الجامعة العربية وجهة الفلسطينيين الأولى، للرد على خطة السلام الأمريكية المعروفة باسم "صفقة القرن"، لتتبنى أول رفض رسمي للصفقة، بموجب القرار 8457 الذي تقدم به الفلسطينيون كمشروع قرار لدى مجلس الجامعة التي أعلنت رفض الصفقة ووصفتها بالأمريكية-الإسرائيلية، معتبرة أن ما جاء فيها ينتهك حقوق الفلسطينيين ولا يلبي الحد الأدنى من طموحاتهم، ومحذرة إسرائيل من تطبيقها بقوة.

وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، إن "القرار الخاص برفض الصفقة ممتاز، ويُبنَى عليه لصالح الموقف الفلسطيني".

من جانبه، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس السبت، أمام اجتماع طارئ للجامعة العربية في القاهرة، إنه أبلغ كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية رسمياً بـ"قطع كل العلاقات معهما بما فيها الأمنية". وأضاف عباس أنه طلب من إسرائيل "تحمُّل مسؤولياتها كقوة احتلال" للأراضي الفلسطينية.

وجدد عباس رفضه القاطع لـ"صفقة القرن المزعومة"، مؤكداً أنه لن يقبل أن يسجَّل في تاريخه أنه تنازل عن مدينة القدس المحتلة. وأضاف: "سبق أن قبلنا بإقامة دولة فلسطينية على 22% من فلسطين التاريخية والآن يطالبون بـ30% من هذه المساحة المتبقية".

وتزامنت التحركات السياسية الفلسطينية مع الحراك الشعبي الرافض لصفقة القرن، إذ قال إبراهيم خلف مراسل TRT عربي في الضفة الغربية، إنه بعد وصول الرئيس الفلسطيني إلى القاهرة اتجهت الأنظار إلى محاولات السلطة الفلسطينية أخذ قرار من الجامعة العربية يرفض صفقة القرن.

وأشار المراسل إلى أنه ستكون في بعض الدول الأوروبية جولة للرئيس الفلسطيني ومشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مسعى من السلطة لتأكيد رفض الصفقة على المستويات كافة واستمالة الدول بأن يكون حل الدولتين هو القاعدة التي يستند إليها.

ووضح المراسل أن المستوى الرسمي يحاول عدم قطع العلاقة مع الأنظمة العربية، بعكس الرأي الشعبي الذي ينتقد تصرفات الحكومات العربية.

بدائل الصفقة

وتقدم السلطة الفلسطينية مبادرة السلام العربية التي أقرتها القمة العربية في بيروت عام 2002، لتكون بديلاً واضحاً عن الصفقة وأساساً لأي اتفاق سلام، حسب تصريحات لوزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي.

وتتضمن المبادرة إقامة علاقات طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل، مقابل انسحاب الأخيرة من الأراضي العربية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية، وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين.

وتعتبر هذه المبادرة أولى الخطوات المطروحة من قبل السلطة الفلسطينية لمقاومة خطة ترمب، إلا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة رفضت التعاطي مع هذه المبادرة وطلبت إدخال تعديلات عديدة عليها.

ويعتقد الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي أن الصفقة لن تمر لثلاثة أسباب، وهي وجود إجماع فلسطيني على رفضها، ولأنها لا يمكن أن تجري من طرف واحد، بالإضافة إلى أن الصفقة خروج عن الشرعية الدولية والقانون الدولية، ولن تستطيع أن تمر رغم أنف الشعب الفلسطيني على المدى البعيد.

ويرى البرغوثي أنه "في نهاية المطاف كل ما يمكن فعله هو تكريس لواقع الاحتلال المفروض على الفلسطينيين، وهذا يعطى للشعب الفلسطيني إشارة لتعديل استراتيجيته بشكل كامل، وإيجاد واحدة بديلة ترتكز على تبنّي استراتيجية وطنية بديلة لما فشل، تدرك بأننا لسنا في مرحلة حل بل مرحلة نضال وكفاح".

وأكد البرغوثي في تصريحات لوسائل إعلام فلسطينية محلية أن ما شهدته الأراضي الفلسطينية المحتلة من تظاهرات يشير إلى إمكانية تصاعد المقاومة الشعبية ضد ما سمّاه "سرقة القرن"، منوهاً بأن"تحقيق ذلك يتطلب الإسراع في إنهاء الانقسام الداخلي وتشكيل قيادة وطنية موحدة".

ضغوط على السلطة

ولا تكترث إسرائيل لردة فعل السلطة وتهديداتها بقطع العلاقات الأمنية معها بقدر ما يعنيها تنفيذ الصفقة التي تصب في صالحها، إذ كتبت صحيفة هآرتس الإسرائيليةتقول: "في الوقت الذي تقطع السلطة تعاونها الأمني مع أمريكا وإسرائيل، وتقول الجامعة العربية إنها لن تتعاون مع الولايات المتحدة لتنفيذ الخطة، يأمل المسؤولون الإسرائيليون أن يؤدي الرفض إلى ضوء أخضر أمريكي للضم أحادي الجانب".

وتضيف: "عبّر المسؤولون الإسرائيليون عن أملهم يوم السبت في أن يؤدي رفض الجامعة إلى تقريب الولايات المتحدة من الضم الأحادي الجانب للضفة الغربية".

هآرتس تقول أيضاً في تقرير آخر نقلاً عن مصدر مسؤول في منظمة التحرير، إن عباس مورست ضده خلال الأيام الماضية ضغوطات كبيرة من الأطراف كافة كي لا يصعّد كثيراً، حتى إن أطرافاً فلسطينية داخلية مارست عليه ضغوطاً.

وأشارت الصحيفة إلى أن الإدارة الأمريكية مارست ضغوطات كبيرة جداً على الدول العربية كي لا ترفض الصفقة بالكامل، وعرضها على أنها أساس لمفاوضات سلام مستقبلية.

ورأت الصحيفة أن خطابه كان هجومياً وشديداً بسبب مطالبته باتخاذ خطوات حول علاقته بإسرائيل، وكذلك وقف التنسيق الأمني، وأثار ضجة كبيرة في إسرائيل، بخاصة رفضه الاعتراف بيهودية الدولة وإشارته إلى أن الآلاف من سكانها ليسوا يهوداً وأن الكثير من الذين تستجلبهم من روسيا وإثيوبيا مسلمون ومسيحيون.

وقال نتنياهو رداً على ذلك، إن "يهود روسيا وإثيوبيا يهود أباً عن جد، وإنهم أحفاد الذين حلموا جيلاً بعد جيل بالعودة"، فيما قال بيني غانتس رئيس تحالف أزرق-أبيض إن "أبو مازن لا يضيع أي فرصة من أجل الاستمرار بالرفض، عليه أن يبدأ بالعمل لمصلحة مستقبل الجيل القادم، بدلاً من التمسك بموقفه ومنع المنطقة كلها من العيش في أمل، تصريحاته عن إخوتنا من إثيوبيا الذين هم يهود مثلنا مخيبة للآمال، ليس هكذا يبنى السلام".

في الإطار ذاته، زارت رئيسة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA جينا هاسبل مدينة رام الله في الضفة الغربية سراً، بعد يومين من إعلان الرئيس الأمريكي عن خطته لاستطلاع رد فعل السلطة الفلسطينية على إعلان صفقة القرن، حسب هيئة البث الإسرائيلية نقلاً عن مصادر مطلعة.

واجتمعت هاسبل مع رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية ماجد فرج، الذي أكد بدوره بعد الاجتماع على "استمرارية تواصل الجانب الفلسطيني مع وكالة الاستخبارات المركزية"، فيما قال مسؤول في حركة فتح لقناة "روسيا اليوم" السبت، إن "التنسيق الأمني بين الفلسطينيين وإسرائيل في مناطق الضفة الغربية لن يتوقف، والتنسيق بخصوص الشؤون الحياتية للفلسطينيين سيستمر".

وبدأ الجانب الإسرائيلي باتخاذ إجراءات، فقد منع تصدير المنتجات الزراعية الفلسطينية لإسرائيل، الذي يشكّل عائدات بقيمة 250 مليون دولار، للضغط على السلطة الفلسطينية من أجل قبول صفقة القرن، حسب مراسل TRT عربي في الضفة الغربية.

المصدر: TRT عربي - وكالات