استمر الحريق الهائل نحو 9 ساعات متواصلة قبل أن يتمكن رجال الإطفاء من إخماده بـ"حصيلة مادية مأساوية". بُنيت كاتدرائية نوتردام منذ أكثر من 850 عاماً وصمدت في الحربين العالميتين، كما حفّزت خيال فيكتور هوجو لكتابة روايته "أحدب نوتردام".

أسفر الحريق عن تدمير هيكل سقف الكاتدرائية بالكامل وسقوط السهم المهيب وانهيار جزء من القوس
أسفر الحريق عن تدمير هيكل سقف الكاتدرائية بالكامل وسقوط السهم المهيب وانهيار جزء من القوس (AP)

قبل أن تغرب شمس يوم الإثنين، تفاجأ زوار كاتدرائية نوتردام في العاصمة الفرنسية باريس بإغلاق أبواب الدخول دون تقديم تفسير، قليلاً وبدأت الأدخنة الكثيفة في التصاعد من أعلى السقف التاريخي، ثم تحولت السماء إلى جمرة مشتعلة أمام العيون الذاهلة.

"اندلعت النار العنيفة في السقف الخشبي على مسافة ألف متر مربع تقريباً" كما أوضح غابريال بلوس المتحدث باسم جهاز الإطفاء في باريس، بعد إخماد النار التي استمرت نحو تسع ساعات تقريباً. وعلى الرغم من محاولات أكثر من 400 إطفائي السيطرة على الحريق مجهول الأسباب، إلا أن "الحصيلة المادية مأساوية" وفقاً للفرانس برس.

دمّر الحريق هيكل السقف بالكامل، وانهار جزء من القوس، كما سقط السهم الذي كان يعلو الكاتدرائية بارتفاع 93 متراً في مشهد مهيب، بينما تمكّن رجال الإطفاء من إنقاذ برجي الكاتدرائية الأماميين البالغ ارتفاعها نحو 223 قدماً، والتي سوف تستمر ظلالها في الانعكاس على أسطح البيوت الباريسية على الرغم من الحادث المأساوي.

إنفوجرافيك يوضّح الخسائر المادية جراء حريق الكاتدرائية 
إنفوجرافيك يوضّح الخسائر المادية جراء حريق الكاتدرائية  (TRT Arabi)

خيال العامل وعبقرية الفنان

"نتاج خصب اشتركت فيه كل قوى عصر من العصور، حيث نجد بارزاً فوق كل حجر بمئة طريقة، خيال العامل تُنظّمه عبقرية الفنان" بهذه الكلمات وصف الأديب الفرنسي فيكتور هوجو (1802 - 1885) الكاتدرائية في الفصل الثالث من الرواية الكلاسيكية أحدب نوتردام، وهي الرواية التي حفزت المعماريين بعد نشرها عام 1831 لإعادة ترميم الكاتدرائية التي كانت تضررت وأُهملت تماماً خلال أحداث الثورة الفرنسية.

كاتدرائية نوتردام البالغة من العمر نحو 850 عاماً، والتي تُعدّ جوهرة المعمار القوطي في العصور الوسطى، إذ استغرق بناؤها نحو قرن من الزمان، نجَت من الحربين العالميتين ومن الأضرار التي لحقت بها خلال مراحل حاسمة في التاريخ.

لكن، ليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها الكاتدرائية للاحتراق، فقد اندلعت النيران فيها أثناء عمليات البناء الأولى في القرن الـ13، واستغرق ترميمها نحو 10 سنوات، وفقاً لما ورد في كتاب عمارة الكاتدرائيات في العصور الوسطى.

منحوتات
منحوتات "الجراغول" تراقب المدينة بعيون خاوية  (AP)

أساطير نوتردام: الأيام عمياء والناس حمقى

لقد نجت التماثيل الـ12 التي كانت تحيط بسقف الكاتدرائية بأعجوبة، إذ تم نقلها الأسبوع الماضي إلى مدينة بيريغوه لترميمها، ضمن عمليات الترميم القائمة منذ عدة أشهر.

نُسجت الكثير من الأساطير الممزوجة بالمعاني الدينية حول كاتدرائية نوتردام، ما جعلها أشبه بحلم غامض لا يمكن بلوغ مداه، من بينها أسطورتي الجراغول وحجر الفيلسوف.

تمتلئ الكاتدرائية بنوع من المنحوتات الغريبة ذات الأجنحة، يجلس بعضها مُطلاً على المدينة بعين خاوية، وقد نُحتت بطريقة تبعث الرعب في النفس كي تطرد الأرواح الشريرة أو تُذكّر الأشرار بالأهوال التي تنتظرهم في الجحيم، أو تكشف بذرة الشر الكامنة داخل النفس البشرية.

عُرفت هذه المنحوتات باسم الجراغول، وبجانب رمزيتها الدينية فقد استخدمت كمزاريب حيث تتجمع مياه الأمطار فوق الأسقف مكوّنة أخاديد صغيرة تشق طريقها وصولاً إلى فم المخلوقات الأسطورية، لحماية البناء من الهشاشة التي قد تُسببها الرطوبة، وتعود تسميتها إلى الكلمة الفرنسية gargouiller وتعني غرغرة الماء.

أما أسطورة حجر الفيلسوف، فتقول بأن الأحجار التي بُنيت بها الكاتدرائية تحتوي في بعض المواضع الخفية رسائل سرية تظهر على هيئة رموز غير مفهومة، من يتمكن من فك شفرتها سوف يجد حجر الفيلسوف الذي يمنح صاحبه الخلود ويحوّل المعادن إلى ذهب.

"وعلى صفحة ملكة كاتدرائياتنا القديمة، إلى جانب تخدد صغير، ما نزال نجد ندبة مكتوبة باللاتينية، ومعناها: الأيام عمياء والناس حمقى" كما كتب هوجو منذ أكثر من قرن.

المصدر: TRT عربي