رسمة متخيلة ومتداوله تعبّر عن حادثة المروحة كما وصفها بعض المراجع (مواقع التواصل)

قبل نحو 194 عاماً وفي يوم 29 أبريل/نيسان من عام 1827 تحديداً وقعت حادثة خلّدها التاريخ بوصفها الحادثة التي تسببت بالاحتلال الفرنسي للجزائر، على الرغم من توافر عدد من الإثباتات والأدلة التي تشير إلى أنّ فكرة الاحتلال كانت قد اتُّخذت مسبقاً.

واشتهرت الحادثة بـ"حادثة المروحة"، ويقصد بذلك مروحة اليد التابعة للداي حسين الحاكم العثماني للجزائر.

أزمة الديون والخيانة

وحسب كتب التأريخ تعود الجذور التاريخية لحادثة المروحة في الأساس إلى أزمة الديون التي نشبت بين الجزائر في العهد العثماني والحكومة الفرنسية، إذ دعمت الجزائر فرنسا بالحبوب بخاصة بعد العزلة التي فرضت عليها أوروبياً بسبب إعلانها لمبادئ الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان، ومحاولتها الضرب بيد من حديد على الأنظمة الملكية الرجعية، فكانت بذلك الجزائر خير صديق وحليف لفرنسا باعتراف حكامها أنفسهم.

وتتضارب الأحاديث المتناقلة حول "حادثة المروحة"، وسعت جهات مختلفة للزيادة عليها أو التنقيص منها لخدمة أجندتها وروايتها التاريخية، ففي حين ترى فرنسا أن ما جرى من إهانة لقنصلها في الجزائر كان سبباً منطقياً لاستعمار البلاد وقتل سكانها، تشير المراجع التاريخية الغربية والعربية إلى أن الحادثة قد اختُلقت على يد الفرنسيين لتبرير هذا الاستعمار.

في كتابه "تاريخ الجزائر في القديم والحديث" يقول الباحث الجزائري محمد بن مبارك الميلي إن "الديون التي في ذمّة فرنسا لصالح شركة بوخريص وبوشناق وهما رجلا أعمال يهوديان جزائريان تضخمت إلى درجة دفعت أصحاب الشركة إلى التلويح للوزير الفرنسي ذي النفوذ موريس تاليران والقنصل الفرنسي في الجزائر بيار دوفال بإعطائهما نصيباً من الديون إن نجحا في حمل الحكومة الفرنسية على تسديدها".

ويضيف: "تدخَّل تاليران فعلاً في هذه القضية وحمل الحكومة الفرنسية على تسديد الديون، لكن فرنسا دفعت عدّة أقساط لبوشناق وبوخريص من دون أن تدفع شيئاً للخزينة الجزائرية وأبقت نصيباً من الديون تحت الرهن في حالة ما إذا كان لأشخاص أو شركات دين على بوشناق وبوخريص".

ويشرح أن "هذا الإجراء الذي عمدت إليه فرنسا كان من الممكن أن يكون إجراءً عادياً لو أنّ الأمر تعلق بدين عادي، لكن الأمر خلاف ذلك لأنّه يتعلق بدين بين دولتين، لأنّ المبالغ التي أقرضت إلى فرنسا ونصيباً هاماً من القموح التي دفعت لها، دفعت من خزينة الدولة الجزائرية، ويضاف إلى ذلن أن كلاً من بوخريص وبوشناق كان عليه ديون لخزينة الدولة، فالإجراء الطبيعي في هذه الحالة أن تصفى الديون في الجزائر وأن تعطي فرنسا ما عليها للداي مباشرة لا بواسطة ولا في فرنسا كما حدث".

ويقول الباحث: "ليس خافياً أن الطريقة التي دفعت بها المبالغ لبوشناق وبوخريص كانت تهدف إلى تهريبهما من دفع ما عليهما للخزينة الجزائرية، وباختصار توجد مبالغ ترجع قانوناً وواقعاً إلى الخزينة الجزائرية لكن فرنسا دفعتها لعائلات، وقد فر بوشناق بعد تسلُّمه المبلغ إلى ليفورون بإيطاليا بينما تجنس بوخريص بالجنسية الفرنسية ولم يرجع".

خيوط المؤامرة

ويشير الميلي إلى أن المؤامرة اتضحت للداي حسين "وعرف أنها خيطها في الجزائر هو القنصل بيار دوفال ورأسها في باريس هو الوزير تاليران وأدرك أن الاتصال بالحكومة الفرنسية عن طريق قنصلها لن يؤدي إلى أي نتيجة ما دام القنصل طرفاً في القضية".

ولم يتردد الداي حسين باتهام القنصل العام الفرنسي بالتواطؤ مع اليهوديين اللذين خانا الداي والخزينة الجزائرية واستحوذا لأنفسنها على المبالغ التي هي من حق الخزينة العامة، ولذلك طلب من فرنسا سحب قنصلها وإعادة اليهوديين إلى الجزائر لأنهما لم يكونا سوى وسيطين بين الدولة الجزائرية والفرنسية.

وحسب الباحث "صادف في هذا الوقت أن كانت أحسن البواخر الحربية الجزائرية في المشرق، فأرادت فرنسا أن تستغل الفرصة وأن تنفذ خطتها لاحتلال الجزائر في هذا الوقت فأرسلت قنصلها تأمره بأن يستغل كل فرصة ممكنة لاستفزاز الداي حسين وافتعال حادث يكون مبرراً لقطع العلاقات وإعلان الحرب".

ويشير إلى أنّ فرنسا "كانت حريصة على افتعال حادث مع الجزائر في هذا الوقت بالذات لأنها كانت تعرف أن الإنجليز كانوا يعدون العدة لاحتلال الجزائر".

حادثة المروحة

ويوضح الكتاب أن القنصل دوفال "اتصل بهذه التعليمات قبل عيد الفطر، وفي العيد ذهب إلى تهنئة الداي حسين كما جرت التقاليد، وكان دوفال يتقن اللغة التركية لأنه نشأ في القسطنطينية فكان تبعاً لذلك يتحدث مع الداي بلا مترجم".

وبعد أن قدّم القنصل دوفال التهاني للداي حسين، يضيف الكتاب، "أثار الداي مسألة التحصينات التي أجرتها فرنسا في مدينة القالة الساحلية الجزائرية التي يدور حولها الشك بأنها تهدف إلى إعداد نقطة لاحتلال الجزائر".

ووجه الداي سؤالاً للقنصل الفرنسي عمّا إذا كان تلقى جواباً على الرسالة التي أرسلها الداي إلى حكومة فرنسا حول بوشناق وبوخريص، فما كانت من القنصل الذي كان واقفاً على بعد مسافة إلا أن أجاب مستفزاً بالقول إن "ملك فرنسا لا يتنازل لمراسلة داي الجزائر".

يقول الميلي إن "الداي كان جالساً والقنصل ديفال واقفاً على بعد مسافة، فصرخ الداي في وجهه قائلاً (اخرج أيها الرومي)، ثم تحرك الداي حركة غضب وحرك مروحة يده فلمست ريشة في طرف المروحة القنصل الذي اغتنم الفرصة وانسحب وهو يهدد بأنه سيبلغ كل شيء لحكومة بلاده".

الداي العثماني حسين أدرك في الوقت ذاته الفخ الذي تنصبه فرنسا، وقال لمحيطه: "ماذا فعلت له؟ لقد لمسته ريشة فقط"، ثم استدعى بعض الفرنسيين الموجودين في الجزائر وقال لهم إنه لم ينوِ إهانة فرنسا وأكد أنهم بأمان في بلاده وأن المحادثة كانت عادية.

اختلاق الحروب

يوضح الباحث محمد بن مبارك الميلي في كتابه أنه "كان واضحاً أن الاستفزاز مقصود"، لكن فرنسا استغلت الحادثة وطالبت الداي بالاعتذار العلني.

ويشير إلى أنه وبعد أيام من الحادثة وصل الكومندان كولي إلى الجزائر ووجه إلى الداي حسين إنذاراً قال فيه: "يجب أن يتوجه الداي إلى الباخرة الفرنسية ويقدم وكيل الحرج علانية وباسم الداي اعتذاراته إلى القنصل العام، وبعد هذه الإجراءات التي لا تقبل أي تعديل في عباراتها ولا أشخاصها يرفع علم فرنسا فوق حصون مدينة الجزائر ثم توجه إليه التحية بمئة طلقة مدفعية جزائرية".

وأضاف كولي: "إذا لم تستجب هذه المطالب خلال يوم تبدأ الحرب ضد الجزائر".

وحسب المؤرخ فقد رفض الداي حسين هذه المطالب "المستحيلة" ثم بدأت فرنسا في 16 يونيو/حزيران عام 1827 فرض الحصار على الشواطئ الجزائرية.

ويشار إلى أن مؤرخين يتهمون القنصل الفرنسي العام في الجزائر بأنه افتعل حادثة المروحة وأنه اختلقها وأن الداي حسين لم يمسه أبداً، وقال المؤرخ الفرنسي تشارلي أندري جوليان إن "القنصل دوفال كان يعتبر ليس في الجزائر إنما في كل مواني البحر المتوسط رجلاً مشبوهاً".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً