يبدو أنّ الرئيس السوداني لم يُقنع معارضيه بخطابه الذي أقر خلاله بوجود أزمة اقتصادية، لكنه أشار في ذات الخطاب إلى وجود "مندسين وسفارات" يقفون خلف ما يجري، ليعيد إلى الأذهان ممارسات رؤساء عرب سعوا لمواجهة أزماتهم بامتصاص غضب الشعب بمثل هذه الخطابات.

الرئيس البشير يلقي كلمة في القصر الرئاسي في الخرطوم
الرئيس البشير يلقي كلمة في القصر الرئاسي في الخرطوم (AFP)

ما المهم: في ظل تواصل المظاهرات الاحتجاجية في السودان، خرج الرئيس عمر البشير بخطاب تبريري، دون أن يطرح أفقاً لحل الأزمة التي أقرّ بوجودها. وكشف أنه تلقى نصائح بتطبيع العلاقات مع إسرائيل لكي تهدأ الأحوال في بلاده، بدون أن يسمي الجهات التي قدّمت له هذا العرض.

وقال البشير في كلمة ألقاها الخميس، لدى استقباله مشايخ الطرق الصوفية: "نصحونا بالتطبيع مع إسرائيل لتنفرج عليكم، ولكننا نقول الأزراق بيد الله وليست بيد أحد". واعتبر أن ما يحدث في بلاده موجهاً بتعليمات من مخابرات وسفارات، وأضاف أنّ "من يتحدثون عن أنّ السفينة ستغرق والحكومة سقطت، نقول لهم: نحن نريد من يقف ويركز معنا".

"نصحونا بالتطبيع مع إسرائيل لتنفرج عليكم، ولكننا نقول الأزراق بيد الله وليست بيد أحد"

الرئيس السوداني عمر البشير

المشهد: أقر عمر البشير، الخميس، في خطاب آخر بمناسبة احتفالات البلاد بأعياد الاستقلال الـ63، بوجود ضائقة اقتصادية، ورأى أنّ السودان كان على رأس قائمة من سبع دول عربية يتم السعي لتدميرها. كما تعهد بالعمل على توفير الخدمات لأسر العاملين، وحل مشاكل المتقاعدين بتوفير احتياجاتهم الأساسية.

وعن أعداد القتلى الذين سقطوا في الاحتجاجات، والذين قالت الحكومة الأسبوع الماضي إنّ عددهم بلغ19، قال: "نحن لا نقتل الناس تشفياً، نحن أتينا لنوفر الأمن للناس والعيش الكريم والرفاهية، لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح". وأضاف أنّ "المظاهرات خرجت لوجود أزمة، ودخل مندسون لحرق المؤسسات وممتلكات المواطنين وهجموا مباشرة على مواقع الشرطة والأمن".

في غضون ذلك، وبينما كان البشير يلقي تصريحاته، كانت المظاهرات الاحتجاجية تتجدد في مدينة بورتسودان، شرقي البلاد. ونقلت وكالة الأناضول عن شهود عيان أنّ "القوات الأمنية فرّقت مئات المحتجين بالهراوات والغاز المسيل للدموع".

وفي آخر التطورات، أصدرت شبكة الصحفيين السودانيين، بياناً، أدانت فيه "الحملة المسعورة والممنهجة التي تستهدف الصحف والصحفيين منذ بداية الحراك الشعبي"، وقال البيان إنّ "جهاز الأمن يحاول بتلك الإجراءات منع النشر وعدم تداول أخبار الاحتجاجات التي تنقلها الفضائيات والصحافة العالمية دون توقف، في حين تخضع الصحف المحلية للرقابة القبلية من المطابع والمنع قبل الطبع والمُصادرة بعد الطبع".

*شبكة الصحفيين السودانيين* *بيانٌ مُهمٌ* *تُدين شبكة الصحفيين السودانين، الحملة المسعورة والممنهجة التي تستهدف الصحف...

Posted by ‎شبكة الصحفيين السودانيين‎ on Friday, 4 January 2019

الخلفيات والدوافع: انطلقت المظاهرات في السودان في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي، احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع أسعار مواد استهلاكية أساسية مثل الخبز والوقود. وفي الـ25 من الشهر ذاته، طالب تجمّع المهنيين السودانيين برحيل الرئيس عمر البشير.

وفي مقالة أخيرة للصحافي السوداني السر سيد أحمد، أشار إلى أنّ "النقطة الأكثر أهمية كانت في بدء المظاهرات من المناطق الشمالية والشرقية في السودان، وهي المناطق التي ينحدر منها معظم قادة النظام بمن فيهم البشير نفسه".

واندلعت المظاهرات بعد ثلاثة أيام من زيارة مفاجئة للرئيس السوداني إلى دمشق، حيث التقى رئيس النظام السوري بشار الأسد. وسبق للمحلل السياسي السوداني فيصل محمد صالح، أن أدرج تلك الزيارة، خلال حديثه لـTRT عربي، في خانة "محاولة الرئيس البشير البحث عن مخارج لأزمات التدهور الاقتصادي المستمرة، وهذا هو السبب الذي يقف خلف صورة السياسات الخارجية التي تبدو مرتبكة ومتخبطة".

أتوقع خروج المزيد من المظاهرات والتصعيد مع ازدياد انحياز القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني لصالح الحراك الجماهيري

عثمان ميرغني ــ كاتب سوداني

بين السطور: يرى السر سيد أحمد في مقالته المنشورة في بداية الشهر الجاري، أنّ "النظام يجد نفسه وحيداً في مواجهة أزمات مستديمة، وقد خلى جيبه من أي حلول، كما يقف الحراك المناوئ وحيداً من دون دعم يذكر حتى ولو على المستوى المعنوي".

ويضيف أنّ "حالة توازن الضعف هذه يمكن أن تستمر بما يضع مستقبل البلاد في دائرة الخطر، ما لم يتم التوافق على تسوية كبرى تفتح الباب أمام تغيير سياسي جذري".

ما التالي: يشير الكاتب السوداني عثمان ميرغني إلى أنّ خطاب البشير الأخير "قديم متجدد، وهو مرتبط بالأزمات لتعليقها في رقبة مؤامرة أجنبية". ويرى في حديث لـTRT عربي، بأنّ "الخطاب نفسه يعتبر إقراراً بأنّ الحراك الجماهيري بلغ النصاب القانوني لإحداث التغيير، ومن الواضح أنّ البشير ينازع الرمق الأخير من نظام حكمه".

ويتوقع ميرغني خروج "مزيد من المظاهرات، والتصعيد مع ازدياد انحياز القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني لصالح الحراك الجماهيري"، قائلاً "أتوقع في النهاية تحرّك القوات المسلحة لحسم الأمر".

وفي حديث لوكالة رويترز، الخميس، يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم الطيب زين العابدين، إنّ "الأزمة الاقتصادية والسخط الشعبي يقللان من فرص الرئيس عمر البشير للترشح لانتخابات 2020، والأفضل للحزب الحاكم أن يبحث عن مرشح آخر وأن يقوم بتسوية سياسية مع المعارضة".

المصدر: TRT عربي - وكالات