تعثرت مباحثات السلام بين واشنطن وطالبان بسبب إصرار الأخيرة على استبعاد الحكومة الأفغانية المدعومة أميركياً. وتمارس باكستان ضغوطاً على الحركة التي لا تزال تنفذ هجمات في أفغانستان، من أجل إقناعها باستئناف المفاوضات. فما هو مستقبل السلام في أفغانستان؟

أحد عناصر طالبان يحمل علم الحركة في العاصمة الأفغانية كابول
أحد عناصر طالبان يحمل علم الحركة في العاصمة الأفغانية كابول (Reuters)

قال المبعوث الأميركي للسلام في أفغانستان زلماي خليل زاد، الأربعاء، إن "الولايات المتحدة ستقف بجانب القوات الأفغانية إن اختارت حركة طالبان مواصلة القتال"، مشيراً إلى أن "الطريق إلى السلام يحتاج أن تجلس طالبان مع الحكومة الأفغانية على طاولة التفاوض، وأن هناك إجماعاً بين الشركاء الإقليميين حول هذه النقطة".

ما المهم: تأتي تصريحات خليل زاد في وقت تمر فيه المباحثات مع حركة طالبان بمخاض صعب؛ بسبب إصرار الحركة على رفض مشاركة حكومة أشرف غني في المفاوضات ووصفها بأنها دمية في يد قوى أجنبية.

وزار المبعوث الأميركي، الأربعاء، العاصمة الأفغانية كابول، وقال من هناك إن الولايات المتحدة وحلفاءها مستمرون في تقديم الدعم الكامل للحكومة الأفغانية، مؤكداً أهمية "التصدي لمن يرفضون السلام ويسعون إلى تقسيم الدولة الأفغانية".

وكانت طالبان تبنت هجوماً وقع، الإثنين، في كابول وأسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 113 آخرين، وأدان الرئيس الأفغاني أشرف غني الهجوم، ووصفه بأنه "غير إنساني ومعادٍ للإسلام".

في السياق ذاته، ذكرت مصادر صحفية أن باكستان كثّفت جهودها للعب دور الوسيط وإعادة إحياء المفاوضات بين الأميركيين وطالبان. وأكّد مسؤولون باكستانيون أن إسلام آباد لديها من النفوذ ما قد يُمكّنها من إقناع قياديي طالبان بقبول العودة إلى طاولة المفاوضات.

ومن المقرر أن يصل المبعوث الأميركي إلى باكستان، الخميس، بعد اجتماعات مع الرئيس الأفغاني أشرف غني ومسؤولين أفغان آخرين في كابول.

المبعوث الأميركي إلى أفغانستان زلماي خليل زاد متحدثاً إلى الصحفيين من السفارة الأميركية في كابول
المبعوث الأميركي إلى أفغانستان زلماي خليل زاد متحدثاً إلى الصحفيين من السفارة الأميركية في كابول (Reuters)

المشهد: هددت طالبان، الثلاثاء، بالانسحاب من محادثات السلام مع الولايات المتحدة إن حادت الأخيرة عن سحب قواتها من أفغانستان، وهو مطلب رئيس للحركة لإنهاء الحرب المستمرة منذ 17 عاماً.

وجاء تهديد الحركة بعد ساعات من وصول المبعوث الأميركي إلى أفغانستان، بعد اجتماعات مع مسؤولين من الهند والصين والإمارات العربية المتحدة لمناقشة عملية السلام.

وقال البيت الأبيض إن الرئيس دونالد ترمب لم يصدر أوامر إلى وزارة الدفاع الأميركية بسحب القوات من أفغانستان، لكن البيت الأبيض لم ينفِ تقارير تفيد بعزم واشنطن سحب جزء من قواتها المنتشرة حالياً في أفغانستان وقوامها 14 ألف جندي.

وكانت إسلام آباد قد اعتقلت، في وقت سابق من هذا الأسبوع، القيادي في طالبان حافظ محب الله، ولكنها أفرجت عنه الأربعاء، حسب تأكيدات الحركة.

وتواجه باكستان، التي تسعى إلى لعب دور الوساطة من أجل إنجاح المباحثات، اتهامات من قِبل كلٍّ من الحكومة الأفغانية وحركة طالبان؛ فبينما تدعي كابول أن إسلام آباد تقدم الدعم لطالبان، قال قيادي في الحركة "إيران وقطر تدعمان أسلوب طالبان، لكن باكستان تقول ما تريده الحكومة الأفغانية والولايات المتحدة".

وقال رئيس مؤسسة الباب للدراسات الإستراتيجية في باكستان جاسم تقي، إن العلاقات بين الحكومتين الباكستانية والأفغانية تحسنت كثيراً في الفترة الأخيرة.

وأضاف تقي في حديث لـTRT عربي، أن "رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، الذي أطلق عليه البعض طالبان خان، أكّد عدم صحة الاتهامات التي كانت توّجه إليه بالتحيز إلى حركة طالبان، عندما أجرى مؤخراً اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأفغاني أشرف غني، وشدد خلاله على دعم إسلام آباد حكومة كابول".

الخلفيات والدوافع: أجرى خليل زاد في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، محادثات مباشرة مع ممثلين عن طالبان في قطر استمرت ثلاثة أيام.

وخلال الفترة بين 4 و14 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، نفذ مبعوث الولايات المتحدة جولة زيارات شملت أفغانستان وباكستان والإمارات وقطر والسعودية ضمن جهود الدفع بالسلام.

ولخصت الخارجية الأميركية في بيان مهمةَ خليل زاد بـ"تنسيق وتوجيه الجهود الأميركية التي تهدف إلى ضمان جلوس طالبان إلى طاولة المفاوضات".

وتسيطر طالبان على العديد من المناطق في أفغانستان، كما تشكل تهديداً كبيراً لإدارة الرئيس الأفغاني أشرف غني، فيما تعاني بعض المناطق التي تسيطر عليها الحركة مشاكل أمنية كبيرة.

طالبان تعرف جيداً أنها بحاجة إلى باكستان للعب دور الوساطة؛ لأن الحركة تعلم أن إغضاب الجيش الباكستاني لن يصب في مصلحتها، كما أنه لا توجد أطراف إقليمية يمكنها التحدث مع طالبان سوى باكستان وإيران، والأخيرة لا تستطيع التحدث مع الأميركيين

المحلل السياسي جاسم تقي

ما التالي: قال جاسم تقي إنه "من المتوقع أن تظل المباحثات بين واشنطن وحركة طالبان متعثرة، طالما استمرت الحركة في إصرارها على عدم الاعتراف بشرعية حكومة أشرف غني الأفغانية واستبعادها من المفاوضات"، مشيراً إلى أن "الحكومة الأفغانية عرضت على طالبان عقد هدنة لمدة 6 أشهر ولكن الحركة رفضت".

وأضاف تقي أن "موقف طالبان من الحكومة الأفغانية ليس فقط مرفوضاً من قبل الأميركيين، وإنما ترفضه أيضاً الحكومة الباكستانية، التي تعتبر استقرار وأمن أفغانستان شرطاً لاستقرار باكستان".

وفيما يتعلق بحملة الاعتقالات الأخيرة التي شنتها باكستان على قياديين وعناصر في طالبان، قال تقي إن "الحكومة الباكستانية سعت، من خلال هذه الاعتقالات، إلى الضغط على الحركة لقبول الدخول في مباحثات مع الحكومة الأفغانية"، واستدرك تقي بالقول "على الرغم من ذلك، أطلقت إسلام آباد سراح قادة طالبان المعتقلين لديها خوفاً من خروج الأمور عن السيطرة، وقيام الحركة بتنفيذ هجمات على الأراضي الباكستانية".

وتابع المحلل السياسي "طالبان تعرف جيداً أنها بحاجة إلى باكستان للعب دور الوساطة؛ لأن الحركة تعلم أن إغضاب الجيش الباكستاني لن يصب في مصلحتها، كما أنه لا توجد أطراف إقليمية مستعدة للتحاور مع طالبان سوى باكستان وإيران"، مشيراً إلى أن إيران لا تستطيع لعب دور الوساطة مع الأميركيين بسبب توتر العلاقات بين الطرفين.

ورأى تقي أن "طالبان تحاول كسب الوقت والمماطلة في المباحثات؛ أملاً منها أن تسحب القوات الأميركية جزءاً من قواتها، لتشن حينها الحركة هجمات على القوات الأفغانية"، وأضاف "معنويات عناصر طالبان مرتفعة بسبب الانتصارات التي أنجزتها على الأرض ضد القوات الأفغانية؛ فالحركة اليوم تسيطر على أكثر من 50% من مساحة الدولة الأفغانية".

المصدر: TRT عربي