سيطرت تفاصيل صفقة القرن التي من المقرر أن يعلن عنها الرئيس الأمريكي في خطابه مساء الثلاثاء، على المشهد في فلسطين، وبينما يرفض الفلسطينيون الصفقة ويدعون للتصعيد، تستعد إسرائيل للمواجهة والربح الوفير من الصفقة المتحيزة لها، وسط صمت عربي ودولي.

هدف ترمب من الإعلان عن الخطة بحضور نتنياهو، هو منحه دفعة انتخابية
هدف ترمب من الإعلان عن الخطة بحضور نتنياهو، هو منحه دفعة انتخابية (Reuters)

ساعات قليلة تفصل العالم عن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي سيعلن عن خطة السلام المعروفة باسم "صفقة القرن"، وسط رفض شعبي ورسمي فلسطيني، ورضا إسرائيلي بالصفقة المنحازة لدولة الاحتلال التي ستحقق ما تريده من خلالها، وبمباركة أمريكية وربما عربية.

ولا حيلة للفلسطينيين سوى الغضب في مواجهة الصفقة، ففي الوقت الذي يصطف فيه المجتمع الدولي متفرجاً على الانحياز للاحتلال، يخرج الشارع الفلسطيني غاضباً، وتتأهب إسرائيل لقمع هذا الغضب على طريقتها المعتادة، حيث السلاح والرصاص في مواجهة المظاهرات السلمية.

وتحدث الرئيس الفلسطيني محمود عباس في جلسة مغلقة مع قيادة فتح عن إمكانية التصعيد قائلاً "لن نمنع المتظاهرين من مواجهة الجنود الإسرائيليين في نقاط الاحتكاك في الضفة الغربية"، حسب القناة الإسرائيلية الثانية، كما أبلغت القيادة الفلسطينية مصر أنها ستتيح للفلسطينيين التعبير عن رفضهم لـ"صفقة القرن".

ودعا عباس إلى عقد اجتماع طارئ للقيادة الفلسطينية، مساء الثلاثاء في مقر الرئاسة بمدينة رام الله، فيما أعلن رئيس الوزراء محمد اشتية، رفض الحكومة للصفقة، معتبراً إياها خطة لتصفية القضية الفلسطينية.

ومع إعلان الرئيس الفلسطيني رفضه مهما كان الثمن، وتوحد الصف الفلسطيني من كافة الفصائل على هذا الرفض، كثّفت قوات الاحتلال الإسرائيلي من انتشارها العسكري في جميع مناطق الضفة الغربية، وأفاد شهود عيان لـTRT عربي عن انتشار جنود الاحتلال الإسرائيلي في مناطق التماس وعلى الحواجز، قبيل الإعلان عن الصفقة.

وأضاف الشهود "نصب الاحتلال نقاط مراقبة على رؤوس التلال في جميع أنحاء الضفة الغربية، ووضعت الثكنات العسكرية مقابل مدينة رام الله وبالقرب من حاجزDCO القريب من مستوطنة بيت إيل، حيث من المتوقع أن تشهد تلك المنطقة مواجهات، بالإضافة إلى وضع مكعبات إسمنتية على الحواجز المحيطة بمدينة نابلس شمالي الضفة الغربية وإغلاق بعض الطرقات مثل طريق مستوطنة يتسهار، وسط انتشار كثيف للدوريات".

انحياز دولي ودعم عربي لإسرائيل

وعن انحياز المجتمع الدولي لإسرائيل والسكوت عن هضم الحقوق الفلسطينية في بنود الصفقة، كتبت صحيفة وول ستريت جورنال تحت عنوان "خطة ترمب لصالح الأهداف الإسرائيلية" تقول إن "المسؤولين الذين اطلعوا على صفقة القرن قالوا إن الخطة كانت منحازة لصالح إسرائيل في العديد من القضايا المهمة، بما في ذلك السيادة الإسرائيلية على القدس والمناطق التي يرى الفلسطينيون أنها جزء من عاصمة المستقبل للدولة الفلسطينية".

وأشارت الصحيفة إلى أن المسؤولين كشفوا مسألة نقل بعض أحياء القدس الشرقية إلى السيطرة الفلسطينية، ضمن الصفقة.

وضعت خطة ترمب مخططاً مفصلاً في أكثر من 50 صفحة حددت أفكار إدارته حول كيفية حل القضايا الأساسية المتعلقة بالحدود والأمن والقدس التي أفسدت المفاوضات لعقود من الزمن

صحيفة وول ستريت جورنال

وليس مستغرباً الانحياز الدولي لصالح الاحتلال الإسرائيلي في الصفقة، فقد سبق ومهدت الإدارة الأميركية للصفقة منذ نوفمبر/تشرين الثاني عندما أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن إدارة ترمب لا تعتبر المستوطنات الإسرائيلية مخالفة للقانون الدولي، وهو الأمر الذي تسبب بضجة كبيرة هدأت فيما بعد، وهو ما يثير تساؤلات فيما إذا كان الفلسطينيون سيكتفون بالتصريحات النارية والهبات الشعبية التي تنطفئ بعد أيام، والغضب العارم على مواقع التواصل الاجتماعي.

عربياً، قال مراسل القناة 13 الإسرائيلية في واشنطن، إن مسؤولين عرباً أبلغوه بدعم دول عربية للصفقة، مثل السعودية وعمان وقطر والبحرين والإمارات، متوقعاً عدم معارضة تلك الدول لها، ومعتبرة إياها بداية طيبة.

وأضاف بن رافيد، "أكد مسؤول خليجي أنه على الرغم من الدعم المتوقع من جانب الدول الخليجية، فإنه في حال سمحت الولايات المتحدة لإسرائيل بضم أجزاء من الضفة الغربية بصورة فورية، فإنهم قد يضطرون لتجاهل الصفقة".

من جانبها، كشفت صحيفة "إندبندنت عربية"، أن الخطة "ستتضمن تعديلات وملاحظات جوهرية اقترحتها القاهرة وعواصم عربية أخرى على صيغتها الأساسية لتأخذ في الحسبان الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، لجعلها قابلة للتطبيق على الأرض، باعتبار أن صيغتها الأولى من الصعب التوسط بها لدى الأطراف الفلسطينية لقبولها، لا سيما أنها لم تحافظ على الحدود الدُّنيا لحقوقهم".

وعن التعديلات التي طلبتها عواصم عربية، ذكر مصدر رسمي مصري أن"الخطة تُطالب الفلسطينيين بتقديم تنازلات مُجحفة لمصلحة إسرائيل، وما تطرحه من بدائل وخيارات اقتصادية لن تقود في النهاية إلى إرضاء الفلسطينيين وتحفيزهم على الدخول في مفاوضات سلام على أساس المسعى الأمريكي".

وكشف مصدر رسمي آخر للصحيفة عن طلب العواصم العربية التي لم يكشف عن اسمها، تعديلات وإبدائها ملاحظات، فيما لمحت عواصم عربية باستعدادها لدعم الخطة والضغط على السلطة الفلسطينية لقبولها.

في السياق ذاته، طالب الناطق الرسمي باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة السفراء العرب والمسلمين الذين وجهت لهم دعوات لحضور إعلان صفقة القرن بعدم المشاركة.

علمنا بأن عدداً من سفراء الدول العربية والإسلامية الشقيقة الذين وُجهت لهم دعوات رفضوا المشاركة، الأمر الذي يثمنه الشعب والقيادة الفلسطينية

نبيل أبو ردينة - الناطق الرسمي باسم الرئاسة

الصفقة.. مصعد انتخابي لنتنياهو

من جانب آخر، أصبح الحديث عن صفقة القرن مقترناً بالدعاية الانتخابية التي سيحققها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عند تطبيقها، وهو الأمر الذي ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في تقرير لها، إذ أشارت إلى أن "هدف ترمب من الإعلان عن الخطة بحضور نتنياهو، هو منحه دفعة انتخابية".

وأشار الكاتب في صحيفة "نيويورك تايمز" مارك لاندلر في مقال له، إلى أن "خطة ترمب في الشرق الأوسط تُرى بشكل أساسي كمصعد انتخابي لنتنياهو، حسب ما يتوقعه خبراء، وتحت هذا العنوان قال لاندلر إن "خبراء الشرق الأوسط يتوقعون أن تكون الخطة تعزيزاً لحملة نتنياهو اليائسة للبقاء في السلطة".

ونوه المقال إلى أن نتنياهو سيتعرف خلال اجتماعه مع ترمب الخطةَ التي يقول خبراء إنها "مجرد دفعة لحملة نتنياهو للبقاء في السلطة".

كرس كوشنر وقتاً طويلاً لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي عبر عن رغبته في إقامة علاقات مع إسرائيل، وقال إن من حق الإسرائيليين الوجود على أراضيهم

مارك لاندلر - صحيفة نيويورك تايمز

وتحدث المقال عن جولات كوشنر وغرينبلات في الشرق الأوسط، واللقاءات التي أجرياها مع قادة السعودية ومصر والأردن وبقية الدول بسرية، من أجل الحصول على دعم للخطة والمساهمة في الضغط على السلطة الفلسطينية لقبولها، إلى حين الوصول إلى صفقة لا تتحدث عن دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، ولا عن القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، ولا تعترف بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين أو تعويضهم.

من جانبه، يرى الكاتب الإسرائيلي في صحيفة يدعوت أحرنوتعاموس يادلن، أن خطة ترمب تحافظ على مصلحة إسرائيل لأنها أفضل ما كان يمكن أن تتمناه هذه الدولة مقارنة بالخطط السابقة التي قدمتها إدارات كلينتون وبوش وأوباما.

ويضيف "تهدف خطة ترمب إلى الحفاظ على شخصية إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية آمنة وتزويد إسرائيل بالحلول المناسبة لأربع قضايا رئيسية ، الحدود والقدس واللاجئين الفلسطينيين وأمن الدولة".

ويشير الكاتب إلى أن الصفقة لن تؤدي إلى السلام، بسبب رفض الفلسطينيين لها، وينصح إسرائيل بتبنيها. ويجيب الكاتب على سؤال ماذا بعد؟ قائلا "الحفاظ على الوضع الراهن سيؤدي إلى دولة واحدة لا تكون بالضرورة يهودية ولا ديمقراطية، سيحاول اليمين الاستفادة من الرفض الفلسطيني لخطة ضم غور الأردن والمنطقة "ج" في الضفة الغربية - وهي خطوة خطيرة قد تخاطر باتفاقيات السلام مع الأردن ومصر، وتضع حدّاً للهدوء النسبي في الضفة الغربية، وتتسبب في تصعيد العنف في قطاع غزة وتقود إسرائيل إلى صراع سياسي مع المجتمع الدولي".

أما صحيفة هآرتس الإسرائيليةفقد رأت أن "ضم بيني غانتس في هذه العملية يقوض رسميّاً إلى أن يكون نتنياهو الرجل الذي لا غنى عنه لإسرائيل، منوهة بأن غانتس هو البديل الوحيد المعقول لنتنياهو، فهو أشاد بالصفقة.

وكغيرها، ألقت الصحيفة اللوم على القيادة الفلسطينية التي لم تستغل الفرصة التي قدمها لهم الرئيس السابق باراك أوباما خلال المفاوضات مع إسرائيل، وقالت "الفلسطينيون لطالما اعتقدوا أن الوقت سيكون دائماً إلى جانبهم، تجاهلت السلطة الفلسطينية نافذة الفرصة التي وفرها أوباما".

كيف نتصدى للصفقة؟

وعلق المتحدث باسم المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج زياد العالول في حديث لـTRT عربي قائلاً "الجانب الفلسطيني غائب عن صفقة ترمب التي لا تلبي الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني".

وأضاف "الرئيس الأمريكي يتحدث بالنيابة عن الأمم المتحدة والعالم يعطي لإسرائيل ما تريد على حساب الفلسطينيين الذين يرفضون الصفقة، والمطلوب التصدي للصفقة عبر التخلي عن اتفاقية أوسلو التي وفرت الأمن والخدمات للاحتلال".

ولا تكترث إسرائيل لتصريحات القادة الفلسطينيين، بل لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة المركزية لحركة فتح، ومنظمة التحرير تطالب بالانسحاب من اتفاقية أوسلو ووقف التنسيق الأمني، ومن يخرج عن هذه الاتفاقيات يخرج عن الشرعية الفلسطينية"، حسب العالول.

ورأى العالول أن التصدي للصفقة يكون بتشكيل جبهة فلسطينية داخلية تقاوم الاحتلال وقطع العلاقات معه، مشيراً إلى أن الانسحاب من اتفاقية أوسلو سيمنع ترمب من السير خطوة واحدة تجاه صفقة القرن.

ونوّه العالول إلى أن الحلقة الأقوى في مسألة رفض الصفقة هي القيادة الفلسطينية والأردن، لأن نجاح الصفقة يعني الوطن البديل المتمثل بالأردن.

المصدر: TRT عربي - وكالات