اتفاقية مونترو هي اتفاقية دولية تحدد آلية مرور السفن في مضايق تركيا البحرية وعلى رأسها مضيقا البوسفور والدردنيل (AA)

شهدت تركياً خلال الأيام الأخيرة، جدلاً حول "اتفاقية مونترو" المتعلقة بالمضايق البحرية التركية، والتي أبرمتها أنقرة عام 1936، بعد بيان وقّعه جنرالات متقاعدون بالبحرية التركية وحذّروا فيه بلهجة لم تخلُ من التهديد، من تنفيذ مشروع "قناة إسطنبول" لما قد يكون له من عواقب "تتمثل في خروج تركيا من الاتفاقية"، حسب تحذيراتهم.

البيان قوبل بحسم شديد من قِبل الجهات القضائية والتنفيذية وعلى رأسها الرئيس رجب طيب أردوغان، بسبب ما تضمّنه من عبارات تهديدية تذكّر بـ"البيانات التي سبقت الانقلابات العسكرية التي عانت منها تركيا" لعقود طويلة، حسب تعبير أردوغان.

الرئيس التركي أيضاً أكّد أن مشروع "قناة إسطنبول" الذي أعلنت عنه الحكومة التركية قبل أعوام بوصفه أحد المشروعات القومية الكبرى وتستعد للمضي قُدماً في أولى الخطوات العملية في تنفيذه قريباً، لا علاقة له باتفاقية مونترو التي لا تنوي أنقرة مراجعتها أو الخروج منها في الوقت الراهن.

فما اتفاقية مونترو؟ وعلام تنص؟

اتفاقية مونترو هي اتفاقية دولية وُقِّعت في سويسرا عام 1936، من قبل حكومات تركيا وبريطانيا وفرنسا واليونان والاتحاد السوفيتي وبلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا واليابان وأستراليا، لتنظيم حركة مرور السفن عبر مضيقي البوسفور والدردانيل التركيين، وتشتمل على 29 بنداً و4 ملحقات وبروتوكول واحد.

وأعطت الاتفاقية أنقرة الحق في السيطرة على المضايق البحرية الواقعة في نطاق سيادتها وتسليحها، على أن تكفل حرية المرور التامة للسفن التجارية التابعة لكل بلدان العالم في أوقات السلم والحرب، وأن يُسمح بمرور السفن الحربية للدول المطلة على البحر الأسود دون أي قيود.

بالإضافة إلى ذلك، تحدد الاتفاقية رسوماً منخفضة نسبياً يمكن لتركيا تحصيلها من السفن التي تمر في مضايقها وأهمها البوسفور والدردنيل، وهنا تأتي أهمية "قناة إسطنبول" التي تعتزم أنقرة شقّها لتكون قناة موازية لمضيق البوسفور الرابط بين البحر الأسود وبحر مرمرة.

"لا علاقة لها بالاتفاقية"

وبالإضافة إلى أن القناة المزمع شقّها ستخفف الضغط كثيراً على البوسفور، فإنها لن تكون مشمولة في اتفاقية مونترو، وبالتالي يمكن لأنقرة تحديد الرسوم بحرية أكبر، على السفن التي تود المرور من القناة الجديدة.

وتذهب بعض التقديرات إلى أن "قناة إسطنبول" يمكن أن تجلب إلى تركيا عوائد تصل قيمتها إلى 8 مليارات دولار، حال مرور ما يقرب من 185 سفينة يومياً منها حسب الخطط والتوقعات الحكومية، وهو مبلغ ضخم من شأنه تعويض تركيا عن ما تخسره بسبب الرسوم المنخفضة لعبور السفن من "البوسفور"، وفقاً لاتفاقية مونترو.

انطلاقاً من ذلك، أكّد أردوغان أن ربط "قناة إسطنبول" باتفاقية مونترو لا أساس له من الصحة، وأوضح: "ربط قناة إسطنبول البحرية باتفاقية مونترو خطأ كبير، فالقناة ستخفف العبء عن المضايق، وستتيح لتركيا بدائل سيادية أخرى بمعزل عن القيود التي فرضتها اتفاقية مونترو".

أردوغان لفت أيضاً إلى أن بلاده ليست لديها أي نوايا في الوقت الراهن، للخروج من الاتفاقية، بل تحدّث بإيجابية عن أهمية المكتسبات التي حققتها تركيا من اتفاقية مونترو التي "ستواصل أنقرة التزامها" طالما كان في ذلك تحقيق لمصالحها.

أسباب الغضب

على الرغم من إيضاح المسؤولين الأتراك وعلى رأسهم أعلى هرم السلطة، عن عدم وجود نوايا للخروج من الاتفاقية، فقد قوبِل بيان الجنرالات المتقاعدين بغضب رسمي وشعبي بالغ.

كما أوقف الأمن التركي 10 مشتبه بهم في إطار تحقيقات النيابة العامة على خلفية البيان الذي وقّعه 103 جنرالات بحريين سابقين برتبة "أدميرال"، وذكرت النيابة العامة في بيان أنها فتحت تحقيقاً بخصوص البيان المنشور تحت عنوان "بيان مونترو من 103 أدميرالات" على بعض المواقع الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، بتهمة "الاتفاق على ارتكاب جرائم ضد أمن الدولة والنظام الدستوري" بموجب المادة 316/1 من قانون العقوبات التركي.

فما الأسباب الحقيقية للغضب إذن؟

الأمر في الحقيقة لا يتعلق بمضمون البيان الذي يمكن أن يكون موضوعاً للنقاش الفني حول أهمية كل من اتفاقية مونترو وقناة إسطنبول، بقدر ما هو مرتبط بآلية الطرح الذي خرج في صيغة بيان موقّع من قادة عسكريين سابقين بلهجة تهديدية، وهو ما يعيد إلى الأذهان التاريخ السيئ لتدخل العسكريين في الحياة السياسية التركية والانقلابات التي ذاقت الجمهورية ويلاتها على مدار عقود.

تلك النقطة عبّر عنها الرئيس التركي بوضوح في كلمة ألقاها ردّاً على البيان الذي اعتبره "يتضمن تلميحات انقلابية.. وناجماً عن نيات سيئة" لموقّعيه.

وأضاف أردوغان أن مثل هذه الخطوات وإن كانت صادرة عن ضباط متقاعدين، تعد "إساءة كبيرة للقوات المسلحة التركية"، مشيراً إلى أن "جميع الهجمات التي استهدفت الديمقراطية في تركيا جاءت عقب مثل هذه البيانات".

على نحو أوضح، نوّه الرئيس التركي إلى أن بعض الضباط الموقعين على البيان، أدلوا بتصريحات مشابهة منذ فترة طويلة عبر وسائل الإعلام، ولم يتعرضوا لأي مضايقات من قِبل الدولة، إذ إن تلك التصريحات تندرج تحت بند حرية التعبير "أمّا إصدار بيان في منتصف الليل فهو سلوك يعبر عن نيات سيئة".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً