يبدأ ولي العهد السعودي جولته الآسيوية من باكستان، ضمن مساعٍ لفك العزلة عن الرياض، والتي ازدادت بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول. ويرى محللون أن الجولة جاءت للتأكيد على أنه مازال لاعباً سياسياً مهماً على الساحة الدبلوماسية.

ولي العهد السعودي يزور باكستان لأول مرة منذ توليه منصبه سنة 2017
ولي العهد السعودي يزور باكستان لأول مرة منذ توليه منصبه سنة 2017 (AFP)

ما المهم: يبدأ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الأحد، من باكستان جولة آسيوية تشمل ثلاث دول، وذلك بعد تأخير الجولة ليوم واحد وتأجيل رحلته إلى كل من إندونيسيا وماليزيا لأجل غير مسمى، فيما يزور في هذه الجولة الصين والهند بعد باكستان.

وتعد هذه الزيارة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية مهمة، خاصة في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الباكستاني من حالة انكماش؛ حيث تعوّل باكستان على السعودية لإنقاذ اقتصادها مقابل اتفاقيات وعقود مهمة.

وتكمن أهمية الزيارة أيضاً في أنها الجولة الثانية لولي العهد السعودي منذ مقتل الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول، أي أنها، وحسب وكالة الصحافة الفرنسية، محاولة جديدة لفك العزلة الدولية والإقليمية التي تشهدها السعودية منذ 5 أشهر.

من ناحية أخرى، نقلت الوكالة عن مصادر من حركة طالبان قولها إن ملف المصالحة الأفغانية سيكون في أجندات بن سلمان، ويرى محللون أن هذه الجولة جاءت للتأكيد على أنه مازال لاعباً سياسياً مهماً على الساحة الدبلوماسية إقليمياً ودولياً.

المشهد:يتوجه محمد بن سلمان إلى الدول الآسيوية التي يزورها حاملاً مفاتيح اقتصادية، وذلك في ظل توتر العلاقات مع بعض الدول الغربية بسبب أزمة مقتل خاشقجي، إلى جانب وضع المفوضية الأوروبية للمملكة العربية السعودية قبل أيام ضمن قائمة سوداء أولية للدول التي تتهم بغسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وإلى جانب باكستان، التي تعيش أزمة اقتصادية، كان من المقرر أن يزور ولي العهد السعودي، ماليزيا وإندونيسيا والهند والصين إلا أن زيارته ستقتصر فقط على باكستان والهند والصين، بعد اتخاذه قراراً بتأجيل زيارة ماليزيا وإندونيسيا.

ولم تعلن المملكة حتى الآن عن تفاصيل الجولة المرتقبة باستثناء تفويض الثلاثاء الماضي في جلسة مجلس الوزراء لولي العهد ووزراء سعوديين بعقد اتفاقيات مع الدول التي سيزورها، دون تحديد موعد إتمامها.

وقال وزير الإعلام الباكستاني شودري فؤاد حسين، إن نحو 8 اتفاقيات سيتم التوقيع عليها بين باكستان والسعودية خلال زيارة بن سلمان، وأضاف أن "المملكة مستعدة للاستثمار بقيمة 8 مليارات دولار في مدينة جوادر الباكستانية الساحلية".

ومن المتوقع أن تتزامن زيارة بن سلمان مع محادثات جديدة ممكنة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان حول أفغانستان، في إسلام آباد؛ حيث أعلنت الحركة عن جولة جديدة من المفاوضات ولقاء مع رئيس الحكومة الباكستانية عمران خان في العاصمة.

وقالت مصادر لوكالة الصحافة الفرنسية إنه من الممكن أن يشارك ولي العهد السعودي في المفاوضات المحتمل إجراؤها الإثنين، حيث تعتبر السعودية أحد أهم اللاعبين الإقليميين في المفاوضات الطويلة لإنهاء النزاع في أفغانستان.

ويصل بن سلمان إلى باكستان في أجواء من التوتر الإقليمي الشديد بعد اتهام الهند وإيران المتجاورتين لإسلام أباد بالتورط في هجومين انتحاريين أسفرا عن سقوط قتلى خلال الأسبوع الجاري على أراضي الدولتين.

وكان الحرس الثوري الإيراني قد اتهم كلاً من باكستان والسعودية والإمارات، بدعم الهجوم الانتحاري، الذي وقع بمحافظة سيستان-بلوشستان المتاخمة للحدود الباكستانية، والذي أسفر عن عشرات القتلى في صفوفه.

من ناحيتها وجهت الهند أصابع الاتهام لباكستان على خلفية مقتل 44 من قوات الشرطة الاحتياطية المركزية الهندية في إقليم كشمير المتنازع عليه. وكانت وزارة الخارجية الهندية، قد استدعت سفير باكستان لدى نيودلهي، سهيل محمود، احتجاجا على الهجوم.

بين السطور: في الشهور الأخيرة ساندت السعودية الاقتصاد الباكستاني بتدعيم الاحتياطيات الأجنبية المتناقصة بسرعة بقرض قيمته 6 مليارات دولار، الأمر الذي أتاح لإسلام أباد فرصة لالتقاط الأنفاس في مفاوضاتها على خطة إنقاذ مع صندوق النقد الدولي.

وقال محللون لوكالة رويترز إن إسلام أباد تتعامل مع زيارة محمد بن سلمان باعتبارها أكبر زيارة منذ زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ في 2015 في أعقاب إعلان بكين خططاً لاستثمار عشرات المليارات من الدولارات في البنية التحتية في باكستان في إطار مبادرة الحزام والطريق العالمية الصينية.

وحسب الوكالة، تمثل الزيارة تعميقاً للعلاقات بين البلدين الحليفين اللذين تركزت علاقاتهما سابقاً على دعم السعودية للاقتصاد الباكستاني في فترات الشدة "مقابل دعم الجيش الباكستاني القوي للسعودية والأسرة الحاكمة".

وبفضل وصاية الأسرة الحاكمة في السعودية على أهم الأماكن المقدسة في الإسلام فإن لها نفوذاً دينياً واسعاً في باكستان التي يمثل المسلمون أغلبية بين سكانها البالغ عددهم 208 ملايين نسمة.

وقال مشرف زيدي الزميل الباحث في مركز تبادلاب الباكستاني المتخصص في دراسات السياسات العامة العالمية والمحلية إن "ما يحدث في هذه العلاقة هو تجديد لالتزام باكستان بالمساعدة في حماية النظام القائم في السعودية".

وأضاف "في الجانب الآخر هناك تطمين بأن السعودية لن تواصل فحسب العمل كصديق إستراتيجي يساعد في دعم الوضع المالي في باكستان عند الضرورة، بل ستصبح مشاركة في الاستثمار على نطاق أوسع في باكستان".

ورأى جيمس دورسي الباحث المحلق في معهد راجاراتنام للدراسات الدولية في سنغافورة أن ولي العهد "يريد أن يظهر أنه ليس منبوذا على الصعيد الدولي".

وأضاف لوكالة الصحافة الفرنسية إنه يريد أن يبرهن على أنه ما زال قادراً على "العمل على الساحة الدولية بصفته أعلى ممثل للسعودية بعد الملك".

وقال إن جولة ولي العهد تتضمن شقاً اقتصادياً أيضاً، وأشار إلى أن "الصين هي "الزبون" الرئيسي للخام السعودي وكل الزبائن الرئيسيين الآخرين آسيوين، مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية".

من جانبه، قال لي غووفو الخبير في شؤون الشرق الأوسط في معهد الصين للدراسات الدولية إن "قضية خاشقجي ما ذلك تثير جدلاً في البلدان الغربية إلى درجة جعلت من غير المريح إطلاقاً لولي العهد أن يتوجه إلى الغرب".

وأضاف أن "عدم الذهاب إلى الغرب لا يعني أنه لا يستطيع القدوم إلى الشرق"، مشيراً إلى أن المملكة "تقوم بعمليات تصحيح إستراتيجية والدبلوماسية السعودية تلتفت حالياً باتجاه آسيا".

المصدر: TRT عربي