بينما تسعى تركيا من خلال عملية نبع السلام العسكرية التي أطلقتها شرق الفرات لتطهير المنطقة من الإرهابيين الذين يمعنون في إذلال المدنيين السوريين وتهجيرهم وهدم منازلهم، تنتقد بعض الدول العملية متجاهلة ما تقوم به هي من جرائم في دول أخرى وقتلٍ للأبرياء.

وزير الدفاع التركي: هذه العملية ومثلما جرى في السابق، لن تمس المدنييين والأبرياء والمعالم الأثرية والمباني الثقافية والدينية والبيئة
وزير الدفاع التركي: هذه العملية ومثلما جرى في السابق، لن تمس المدنييين والأبرياء والمعالم الأثرية والمباني الثقافية والدينية والبيئة (Reuters)

على الرغم من المسوغات والأهداف التي أظهرتها تركيا لتوضيح الهدف الحقيقي من وراء البدء بتنفيذ عملية نبع السلام شرقي الفرات، إلا أن العملية لاقت انتقادات غير منطقية تجاهلت الجرائم الذي ترتكبها التنظيمات الإرهابية بحق الأمن التركي، والمدنيين الأبرياء الذين عانوا من بطشها على مدار سنوات، وفقاً لما أوردته تقارير لمنظمات حقوقية دولية.

وكشف تقرير لمنظمة العفو الدولية أدلة على أن "الجماعة المسلحة المعروفة باسم YPG أجبرت العرب والتركمان في شمال سوريا على ترك منازلهم بعد هدمها، وفي بعض الحالات جرّفوا قُرىً بأكملها وأحرقوها، وشرّدوا سكانها"، وتمكنت المنظمة من العثور على أدلّة لقرى لم يكن سكانها المحليون قد نزحوا فقط، ولكن منازلهم دُمّرت أيضاً، إذ أظهرت صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها المنظمة 225 مبنىً واقفاً في قرى الحسينية بالقرب من تل حميس في يونيو 2014".

وأوضح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الهدف من العملية بعد إعلانه الأربعاء 9 أكتوبر/تشرين الأول 2019، عن بدئها، قائلاً في تغريدة له على تويتر "تهدف العملية لتطهير منطقة شرق الفرات من تنظيميYPG/PKK وداعش الإرهابيين، والقضاء على الممر الإرهابي الذي تَشكَّل على الحدود التركية".

دول تعارض وتركيا ترد

رد وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو على إدانة المملكة العربية السعودية للعملية العسكرية "نبع السلام" التي أعلنت عنها أنقرة في شمال سوريا، ملقياً الضوء على نتائج العمليات التي تقودها المملكة في اليمن ضمن تحالف "دعم الشرعية" ضد جماعة الحوثي.

وقال جاوش أوغلو تعقيباً على البيان السعودي: "لقد قتلتم الكثير من الناس في اليمن وتركتم أشخاصاً جياعاً والآن بأي وجه تعارضون عملية نبع السلام".

وأضاف "سنتدبر أمورنا بأنفسنا وسننهي بنجاح عملية نبع السلام التي لها أهمية كبيرة بالنسبة لنا، ومشكلتنا مع الإرهابيين ولا ينبغي لأحد أن يعارض العملية من خلال الاحتماء وراء قضايا أخرى".

وأشار الوزير التركي إلى أن عملية نبع السلام "مسألة أمن قومي بالنسبة لنا، عمليتنا هذه انطلقت في إطار حقوقنا النابعة من القانون الدولي".

وشدد جاوش أوغلو على أن الهدف من العملية هو القضاء على الإرهاب، وليس أكثر من ذلك، معرباً عن استنكاره الشديد للانتقادات الموجهة لهذه العملية تحت ذريعة أنها ستعرقل عملية مكافحة تنظيم داعش الإرهابي، وأنها ستؤدي إلى حدوث أزمات إنسانية، مضيفًا للرد عليهم "لقد تعبنا من ضرب المنافقين في وجوههم، فهؤلاء لم يتعبوا أو يملوا من النفاق مع الأسف، لكننا سنواصل ضربهم في وجوههم".

كما شدد الوزير على أن بلاده تعتبر أكثر دولة لديها حساسية مفرطة تجاه المدنيين وكيفية حمايتهم، مضيفًا "ولقد وضح هذا بشكل جلي للعالم بأسره في عمليتي غصن الزيتون ودرع الفرات".

وفي سياق ردود الفعل الدولية على عملية نبع السلام، بدأت العديد من الدول العربية والغربية بانتقاد العملية، في وقت تتورط فيه هذه الدول بقتل المدنيين في دول أخرى، وتدعم آخرين بالسلاح الذي يوجه ضد الأبرياء.

ويظهر الانحياز لطرف دون آخر وضد تركيا من خلال إدانة مصر للعملية عبر بيان لوزارة خارجيتها، وهي ذاتها الدولة المتورطة في دعم مليشيات حفتر في ليبيا التي ساهمت في قتل المدنيين الأبرياء.

كما دعت القاهرة لاجتماع طارئ لجامعة الدول العربية لبحث التطورات الراهنة على الساحة السورية، في الوقت الذي كانت تدعو فيه الولايات المتحدة للتدخل العسكري في سوريا، وتبرر الأمر بأنه من أجل الحفاظ على وحدة الأراضي السورية التي يعمل الإرهابيون على تقسيمها إن لم يضع أحدهم حداً لهم، ليظهر جلياً أن الانتقادات توجه فقط لتركيا التي تدافع عن أمن حدودها وتسعى لحماية المدنيين السوريين.

وقررت جامعة الدول العربية، عقد اجتماع طارئ السبت على مستوى وزراء الخارجية، تلبية لدعوة تقدم بها وزير الخارجية المصري سامح شكري، لبحث العملية.

وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية التركي إن الهدف الرئيس لتنظيمPKK/YPG الإرهابي هو تقسيم سوريا، مشيراً إلى "الجهود التي تبذلها فرنسا على وجه الخصوص من أجل تأسيس دولة منفصلة في هذه المنطقة، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل عناصرYPG في قصر الإليزيه بباريس".

وأعرب جاوش أوغلو كذلك عن رفضه للتصريحات التي أدلت بها فرنسا، وبعض الدول الأخرى بخصوص عدم تقديمهم أي دعم مادي لإنشاء المنطقة الآمنة المخطط لها في الشمال السوري، مضيفًا "سنعتمد على أنفسنا في هذا الأمر وبنجاح كبير سننهي هذه العملية الحيوية بالنسبة لنا".

جاوش أوغلو شدد كذلك على أن تهديد الإرهاب يمثل مشكلة أمنية وقومية لتركيا، وأنهم سيواصلون اتخاذ الخطوات اللازمة للحفاظ مصالحهم القومية، واستقرار المنطقة.

وتطرق الوزير كذلك إلى الاجتماع الذي يعتزم مجلس الأمن الدولي عقده حول الموضوع، وقال في هذا الشأن "نحن نناضل من أجل البقاء، وسنواصل هذا النضال حتى إخراج آخر إرهابي من المنطقة". ولفت إلى أنهم يقومون بتحرك دبلوماسي على نطاق واسع مع الدول الأخرى، وكذلك المؤسسات الدولية لإحاطتها بمجريات الأحداث.

وردًا على الانتقادات التي تقول إن تركيا تستهدف الأكراد بهذه العملية قال جاوش أوغلو "أين كنتم حينما تجمعت الأمهات في ديار بكر للمطالبة بإعادة أبنائهن من صفوف تنظيمPKK الإرهابي؟ أين كانوا ما داموا مهتمين لهذا الحد بشأن الأكراد؟".

لقد قتلتم في اليمن أعداداً هائلة من البشر، وتركتموهم جوعى. ومات الكثير منهم بسبب حصاركم لهم. إذاً بأي وجه تتطاولون علينا بألسنتكم وتعارضون هذه العملية؟!

وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو

وخلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ونظيره التركي، قال بومبيو إن لتركيا مخاوف أمنية، مبرراً سحب ترمب للقوات الأمريكية من شمال سوريا بالتوازي مع عملية نبع السلام "اتخذنا قراراً بإبعاد القوات الأمريكية عن طريق الأذى في سوريا".

إلى ذلك، أقر الناتو بشرعية عملية نبع السلام التركية شمال سوريا وسط قلق أوروبي واستنكار أمريكي. وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، إن تركيا حليف للناتو ولديها مخاوف أمنية مشروعة، وقد عانت من هجمات إرهابية مروعة وتستضيف ملايين اللاجئين السوريين، وقد أبلغت السلطات التركية الناتو بعمليتها في الشمال السوري".

من جانبه قال الرئيس التركي "أدعو الذين اعتادوا على انتقاد تركيا في الوقت الذي يغضون فيه الطرف عمّا يحدث في سوريا، إلى التعقل والأخلاق والوجدان"، كما قال أيضاً "سنقوم بكل ما يلزم في مواجهة داعش شرق سوريا، ولا يمكن لأي تنظيم إرهابي أن يستمر هناك".

وأضاف "بشار الأسد هو المسئول عن قتل الملايين من شعبه وتدمير أراضيه، وإذا ذهب يجب عليكم أن تتركوا المجال للشعب السوري ليقرر مصيره، والشعب السوري بفطنته لن يختار التنظيمات الإرهابية لتحكم الدولة السورية".

ورداً على انتقادات الدول للعملية، قال أردوغان إن "الدول التي تتكلم الآن لا تعلم أنها صدّرت الإرهابيين إلى تنظيم داعش الذي جاء من فرنسا وألمانيا وهولندا، ونحن أرسلنا هؤلاء الإرهابيين إلى الأماكن التي أتوا منها، نحن من يكافح الإرهاب على أرض الواقع وفي الميدان ولا نكتفي بالكلام، والعملية التي بدأناها أمس ستساهم في تأمين الاستقرار لسوريا في فترة صياغة الدستور السوري".

وتابع "على السعودية أن تنظر في المرآة، مَن أوصل اليمن إلى هذه الحال؟ لا يمكن لمن يقتل آلاف اليمنيين أن يندد بعملياتنا".

السلطات في مصر عاجزة عن تحقيق الديمقراطية في بلادها بعد أن أطاحت برئيس منتخب، ووصفها بأنها "قاتلة للديمقراطية"، خاصة بعد الإطاحة بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي.

ووجه أردوغان كلامه للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قائلاً "ليس لك أي تأثير على عملياتنا وأفعالنا".

تطمينات بسلامة المدنيين

طمأن وزير الدفاع التركي خلوصي أقار المدنيين شمالي سوريا، قائلاً إن هذه العملية ومثلما جرى في السابق، لن تمس المدنييين والأبرياء والمعالم الأثرية والمباني الثقافية والدينية والبيئة".

وأضاف "جنودنا سيكونون بجانب أشقائهم السوريين وضد التنظميات الإرهابية في منطقة شرق الفرات أيضاً، ونولي أهمية كبيرة جداً ليس لأمن بلدنا وأمتنا فحسب، بل أيضاً لأمن الجماعات الدينية والإثنية الأخرى التي تعيش في المنطقة".

القوات المسلحة التركية تولي عدم إلحاق الضرر بالمدنيين والأبرياء والبنية التحتية والمرافق الدينية والثقافية في منطقة العمليات اهتماماً بالغاً

بيان وزارة الدفاع التركية

من جانبها، رحبت الحكومة السورية المؤقتة ببدء عملية نبع السلام، قائلة "بدأت اليوم ساعة الحقيقة وانطلق أسود الجيش الوطني لتحرير مناطق شرق الفرات من الإرهابيين الانفصاليين".

ووضحت الحكومة السورية المؤقتة أن "المليشيات الانفصالية شردت أكثر من 350 ألف مواطن من ديارهم وأحرقت القرى والمحاصيل الزراعية لإرهاب سكان المناطق التي سيطروا عليها لتهجيرهم ومتابعة مشروع التغيير الديموغرافي البغيض كخطوة على طريق التقسيم".

وقالت إن الجيش الوطني يتطلع إلى طرد الإرهابيين الانفصاليين من المناطق كافةً التي يسيطرون عليها في تل رفعت وكافة البلدات والقرى والتجمعات.

في السياق ذاته،شددنائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي، على أن "عدم إلحاق الأذى بالمدنيين أولوية قصوى لدى الجيش التركي الذي تواصل قواته تصديها للإرهابيين في إطار العملية".

وأوضح أن هذه العملية تأتي في إطار الحقوق النابعة من القانون الدولي، و"الحق المشروع في الدفاع عن النفس" المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، مشدداً على أن بلاده عازمة على تجفيف مستنقع الإرهاب الذي يهدد حدودها، ويشكل خطراً كبيراً على العالم بأسره.

كما شدد أقطاي على أن تركيا تتطلع إلى أن يكون الرأي العام العالمي على نفس القدر من التصميم بخصوص التصدي للتنظيمات الإرهابية.

المصدر: TRT عربي - وكالات