أثارت المحادثات البحرية التي أجرتها أبو ظبي مع طهران، بعد انقطاع طويل، جدلاً حول تغيّر في موقف الإمارات ومحاولة للنأي عن عباءة السعودية. وفيما أعادت المحادثات تسليط الضوء على ملفات أخرى كالحرب في اليمن، تنفي أبو ظبي أي تغيّر في موقفها.

أبو ظبي وطهران يجريان محادثات مباشرة الأربعاء حول الأمن البحري في الخليج للمرة الأولى منذ 2013
أبو ظبي وطهران يجريان محادثات مباشرة الأربعاء حول الأمن البحري في الخليج للمرة الأولى منذ 2013 (مواقع التواصل الاجتماعي)

ثار مؤخراً جدل حول مواقف الإمارات الأخيرة التي عدّها مراقبون ونشطاء تقارباً مع إيران، وتفلُّتاً من عباءة السعودية التي لا تزال ترى في الجمهورية الإسلامية خصمها الأول في المنطقة، ما دفع مسؤولين إماراتيين وسعوديين إلى التأكيد أن التحالف الاستراتيجي بين الرياض وأبو ظبي لم يتأثر، بل إنه "يترسخ كل يوم على كل المستويات"، على حد تعبير الوزير الإماراتي أنور قرقاش.

محادثات حول الأمن البحري

في خطوة مفاجئة، أعلنت إيران إجراءها مباحثات حول أمن الملاحة البحرية في منطقة الخليج مع الإمارات، إذ اجتمع قائد قوات حرس الحدود الإيراني قاسم رضائي بقائد قوات خفر السواحل الإماراتي محمد علي مصلح الأحبابي في طهران، للمرة الأولى منذ عام 2013.

وعلى الرغم من تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي اعتبرت الخطوة بمثابة تغيّر في نهج الجارة الإمارات، وإعراب أبو ظبي نفسها عن ارتياحها للمباحثات التي جرت بعد طول انقطاع، أشارت وزارة الخارجية الإماراتية، في بيان أوردته وكالة الأنباء الرسمية، إلى أن المباحثات "اقتصرت حسب جدول الأعمال على ما يتصل بشؤون الصيادين المواطنين ووسائل الصيد المملوكة لهم".

وفيما وصف مراقبون ونشطاء، على مواقع التواصل الاجتماعي، موقف الإمارات بأنه رضوخ لإيران وتخلي عن تحالفها مع السعودية.

في المقابل، سارع الكتاب القريبون من السلطة بالتشديد على أن الاجتماع لم يكن سوى "لقاء فني كان مُجدولاً منذ فترة طويلة لمناقشة مواضيع ملاحية روتينية مثل تنظيم حركة مراكب الصيد بين الجانبين"، على حد قول عبد الخالق عبد الله، الأكاديمي الإماراتي القريب من دوائر السلطة في أبو ظبي.

تغيّر في الموقف من اليمن والحظر المالي

لم تكن المحادثات البحرية بين طهران وأبو ظبي المؤشر الوحيد على تغيّر في الموقف الإماراتي المتشدد حيال الجارة إيران، إذ أعادت تلك المباحثات تسليط الضوء مجدداً على قرار اتخذته الإمارات، في وقت سابق من يوليو/تموز الجاري، بالانسحاب جزئياً من ساحة الحرب اليمنية، وأثار حينها شكوكاً حول تخلي أبو ظبي عن الرياض التي تقود تحالفاً عسكرياً في الحرب المستمرة منذ 4 أعوام.

الانطباع الذي تركته أبو ظبي جرّاء خطواتها الأخيرة لم يقتصر على المراقبين العرب فحسب، إذ صرّح رئيس مكتب الرئاسة الإيرانية محمود واعظي، عقب انتهاء المحادثات البحرية الأربعاء، بأن الإمارات "تعيد النظر في نهجها الحاد حيال اليمن"، حسبما نقلت وكالة تسنيم الإماراتية.

في سياقٍ متصل، قال أمين عام هيئة الصرافين في إيران شهاب قرباني إن مصرفين إماراتيين وافقا على إجراء معاملات مالية مع إيران على الرغم من العقوبات الأمريكية الأخيرة وتشدد إدارة الرئيس دونالد ترمب مع كل من يخرقها من دول أو شركات، وفقاً لوكالة أنباء العمال الإيرانية (إيلنا).

وأشار قرباني إلى أن "مصرفين في الإمارات أبديا استعدادهما للتعاون المالي مع إيران"، مضيفاً أن "المباحثات بدأت في هذا الموضوع، ولكن المعاملات لم تجرِ بعد من الناحية التنفيذية".

وأوضح المسؤول الإيراني أن بلاده تواصل المعاملات المصرفية عبر سلطنة عُمان، لكنها وعلى الرغم من زيادة التكلفة، ستفضّل "المصارف الإماراتية لأن العملة العمانية غير مدعومة بالأسواق الدولية".

نفي رسمي واتهامات لقطر

بمجرد ما وُجّهت أصابع الاتهام إلى أبو ظبي بالتخلي عن مواقفها المبدئية المعلنة سابقاً حيال إيران والتحالف القوي مع الرياض، لم يكتفِ المسؤولون الإماراتيون بنفي الاتهامات فحسب، بل حاولوا قلب الطاولة على الدوحة، التي اتهموا قيادتها السياسية بأنها تروّج لتلك "الادعاءات" عبر منصات "إعلامية طائشة يديرها المال والمرتزقة وينأى عنها المواطن القطري ويعاني منها"، كما قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش.

على صعيدٍ آخر، نشر الأمير السعودي سطام بن خالد آل سعود، الأربعاء، تغريدة على تويتر أكّد فيها متانة العلاقات السعودية الإماراتية، بالقول إن "السعودية والإمارات مصير واحد قرار واحد".

وفيما لا يزال الجدل حول الدوافع الإماراتية الحقيقية لتبني مواقف أكثر مرونة عن تلك التي اتخذتها تجاه إيران طوال الأعوام الماضية، بما يتوافق على نحو شبه تام مع المقاربة السعودية الرسمية، يظل التساؤل الأهم، بعيداً عن الاتهامات المتبادلة، هو ما إذا كانت تحوّلات أبو ظبي الأخيرة نابعة من تحركات تحكمها أجنداتها الداخلية وطموحاتها التوسعية، أم أنها نتيجة لتنسيقات مع أطراف مختلفة، ربما تكون واشنطن أحدها، لتخفيف الاحتقان الذي يشهده الشرق الأوسط عموماً، ومنطقة الخليج على وجه التحديد، وهو ما ستنبئنا به الأيام المقبلة.

المصدر: TRT عربي