يشكّك مراقبون ومحللون اقتصاديون في حجم الآثار الإيجابية التي يمكن أن تنعكس على الاقتصاد السوداني المتأزم، عقب القرار الأمريكي برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مقابل دفع تعويضات مالية وإعلان إقامة علاقات بين الخرطوم وتل أبيب.

السوادن يواجه تحديات اقتصادية ضخمة كانت سبباً أساسياً في اندلاع الانتفاضة التي أطاحت بنظام البشير
السوادن يواجه تحديات اقتصادية ضخمة كانت سبباً أساسياً في اندلاع الانتفاضة التي أطاحت بنظام البشير (AP)

في الوقت الذي رُفعَ فيه اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، مقابل دفع تعويضات مالية لـ"ضحايا الإرهاب" الأمريكيين، وإعلان إقامة علاقات مع إسرائيل، يتشكك مراقبون إن كان الأمر سينعكس إيجاباً على وضع السودان الاقتصادي المتأزم، والذي ربما كان الدافع الأساسي لاندلاع الانتفاضة التي أدّت إلى إزاحة نظام عمر البشير عن السلطة.

تحديات كبيرة

على مدار سنوات، يعيش السودان أزمة خانقة تنعكس في عدم امتلاكه احتياطيات من النقد الأجنبي، تمكِّنه من استيراد السلع الرئيسية (القمح والمحروقات والأدوية)، وارتفاع مديونيته الخارجية، وانهيار سعر صرف عملته المحلية (الجنيه).

وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، انهار سعر صرف الجنيه السوداني من متوسط 40 مقابل الدولار الواحد إلى 260 جنيهاً الأسبوع الماضي، قبل أن يتحسن قليلاً ليصل إلى متوسط 230 جنيهاً بعد إعلان رفع اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

في المقابل تجاوزت نسبة التضخم في السوق المحلية 212% خلال سبتمبر/أيلول الماضي، مع عدم وفرة السلع من جهة وانهيار أسعار الصرف من جهة ثانية، وارتفاع قيمة الدولار لغرض الاستيراد من الخارج من جهة ثالثة.

كنا نتوقع أن تفرغ الحكومة من إعادة هيكلة القطاع المصرفي قبل صدور قرار الإزالة من قائمة الإرهاب، بخاصة في ما يختص برفع رأسمال المصارف السودانية.. معظم المصارف رأسمالها أقل من مليون دولار، مما يجعل سقوفها الائتمانية ضعيفة

محمد الناير - محلل اقتصادي

وعلى الرغم من أن قرار رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية لرعاة الإرهاب، قد يمثل أملاً بتحسن الأوضاع الاقتصادية، فقد أقرّت الأمينة العامة المكلفة للجهاز القومي للاستثمار (حكومي) حنان مسند، بوجود تحديات تجابه الاستفادة من قرار الإزالة، ولا سيما في القطاع الاستثماري بالبلاد.

وأكّدت مسند في تصريحات لوكالة الأناضول، عدم التفات الحكومة الانتقالية إلى تهيئة البيئة المواتية للاستثمار في مجال القوانين والتشريعات، وكشفت عن عدم إجازة مشروع قانون الاستثمار لعام 2020.

وأوضحت أن الوثيقة الدستورية لم تحدّد مستويات الحكم بصورة واضحة، بمعنى هل ستظل البلاد مؤلفة من ولايات أم ستكون أقاليم، لتحديد العلاقة بين الاستثمار في المركز والولايات، مضيفة: "في البنى التحتية أيضاً إشكاليات، مثل الكهرباء والطرق وتوفير الوقود والنقل بكل أنواعه.. يضاف إلى ذلك، موقع السودان المتأخر في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال الصادر سنوياً عن البنك الدولي".

واحتل السودان المرتبة رقم 171 في تقرير مؤشرات تحسين أداء الأعمال لعام 2020، الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2019.

التطبيع.. التجارة والهجرة

وفي ما يتعلق بإقامة علاقات مباشرة بين الخرطوم وتل أبيب، الخطوة التي يراها مراقبون عاملاً أساسياً في قرار الإزالة الأمريكي، يتصدّر ملفَّا الهجرة والتجارة قائمة الآثار المحتملة لتطبيع العلاقات أخيراً بين البلدين.

في هذا الصدد أعلنت وزارة الخارجية السودانية الأحد، أن مسؤولين سودانيين وإسرائيليين من المقرر أن يعقدوا اجتماعات خلال الأسابيع المقبلة، لمناقشة حزمة من اتفاقيات التعاون "لتحقيق المصالح المشتركة للشعبين".

وفي تغريدة على له على تويتر، ذكر أوفير غندلمان المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن إسرائيل "سترسل قمحاً بقيمة 5 ملايين دولار على الفور إلى أصدقائنا الجدد" في السودان.

بالإضافة إلى ذلك أعلنت وزارة الخارجية السودانية الأحد، أن الولايات المتحدة ستعمل أيضاً مع شركائها الدوليين لتخفيف الدين الخارجي للسودان، الذي يتجاوز 60 مليار دولار، لافتةً إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستساعدان السودان على "توطيد ديمقراطيته وتعزيز الأمن الغذائي، ومحاربة الإرهاب".

"أثمان بخسة"

على صعيدٍ موازٍ، قال مسؤول أمريكي الأسبوع الماضي، إن السودان وافق على تصنيف حزب الله اللبناني تنظيماً إرهابياً، الأمر الذي طالما سعت إليه إسرائيل لدى جيرانها وغيرهم في المجتمع الدولي.

وندّد حزب الله في بيان الأحد باتفاق السودان مع إسرائيل، قائلاً إنه أُبرِم "بأثمان بخسة وتافهة"، وسيؤدي إلى سقوط الحكومة الانتقالية.

ووعدت الحكومة الانتقالية في السودان بإجراء انتخابات في أقرب وقت ممكن بحلول عام 2022. ومع ذلك أعرب بعض الفصائل داخل التحالف السياسي الداعم للحكومة عن معارضة تطبيعها مع إسرائيل، بما في ذلك رئيس الوزراء السوداني السابق الصادق المهدي الذي يرأس أكبر حزب سياسي في البلاد

في السياق نفسه انتقد صديق تاور عضو مجلس السيادة المكوَّن من 11 عضواً، التطبيع مع إسرائيل، في تعليقات بثتها قناة "الجزيرة" الإخبارية. وقال تاور إن "المشير عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك اتخذا قرار التطبيع دون مشاورات داخل مجلس السيادة ولا مجلس الوزراء".

صعوبات مصرفية

يرى المحلل الاقتصادي محمد الناير، أن القطاع المصرفي السوداني لم يستعدّ بعد بالصورة المطلوبة، لاستقبال قرار إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للبلاد.

وقال: "كنا نتوقع أن تفرغ الحكومة من إعادة هيكلة القطاع المصرفي قبل صدور القرار، بخاصة في ما يختصّ برفع رأسمال المصارف السودانية. معظم المصارف رأسماله أقل من مليون دولار، بما يجعل سقوفها الائتمانية ضعيفة".

واعتبر الناير أن الحكومة الانتقالية لم تكن مستعدة بما يكفي لقرار الإزالة كما يجب في قضية الديون الخارجية، التي تتطلب تصنيفها وفق للجهات الدائنة والاستعداد للمطالبة بالإعفاء وفقاً لمبادرة "الهيبيك".

وشدّد على أهمية أن تعمل الحكومة الانتقالية على الحصول على تمويلات ميسَّرة من الصناديق الدولية دون اشتراطات مسبقة، كما كان يحدث في السابق.

والأسبوع الماضي كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على تويتر: "أخبار عظيمة، وافقت حكومة السودان الجديدة التي تحرز تقدماً عظيماً، على دفع 335 مليون دولار لضحايا الإرهاب الأمريكيين وعائلاتهم".

وتُمثِّل التسوية دفع مطالبات أسر ضحايا تفجيرات السفارتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، والمدمرة "يو إس كول" قرب شواطئ اليمن، عام 2000، التي تتهم واشنطن نظام الرئيس السوداني المعزول عمر البشير بالضلوع فيها.

ومنذ عام 1993، تُدرِج الولايات المتحدة السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، لاستضافته آنذاك الزعيم الراحل لتنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

وكان وزير الخارجية السوداني المكلَّف عمر قمر الدين أعلن الجمعة، أن الحكومة الانتقالية وافقت على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وسط رفض بأوساط سودانية وعربية، ليصبح السودان بذلك الدولة العربية الخامسة التي توافق على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بعد مصر (1979)، والأردن (1994)، والإمارات والبحرين (2020).

المصدر: TRT عربي - وكالات