قد تتجه الأزمة الفنزويلية إلى مسار جديد، من شأنه أن يصل بها إلى حوار مباشر بين الرئيس نيكولاس مادورو والإدارة الأمريكية. وهناك عدّة مؤشرات تلقي الضوء على ذلك، غير أنّ هذه القراءة تبقى حذرة وتضع تلك المفاوضات في خانة الاحتمال.

مادورو أعلن عن استعداده للقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب
مادورو أعلن عن استعداده للقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (AP)

ما المهم: بعد يومين من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أنّه يدرس كل الخيارات بشأن التعامل مع الأزمة الفنزويلية، قال نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو، إنّ مبعوثين من قِبله التقوا مسؤولين أمريكيين سراً في مدينة نيويورك، بناءً على طلب أمريكي.

وألمح الرئيس الفنزويلي، في المقابلة التي أجرتها معه وكالة أسوشيتد برس الأمريكية، ونُشرت فجر الجمعة، إلى استعداده للقاء مسؤولين في الإدارة الأمريكية، بما يشمل الرئيس دونالد ترمب.

ترافقت هذه التصريحات مع إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات جديدة على الدائرة القريبة من مادورو، واصفةً إياه بـ"رئيس فنزويلا السابق وغير الشرعي". بيد أنها تكتسب أهميتها من ناحية أنها قد تمثل مؤشراً إلى فتح أبواب تفاوض مباشر بين كراكاس وواشنطن.

المشهد: كشف الرئيس نيكولاس مادورو، في مقابلته مع وكالة أسوشيتد برس، أن حكومته أجرت محادثات سرية مع إدارة دونالد ترمب. وأشار إلى أنه خلال الاجتماعين السريين في نيويورك، دعا وزير خارجيته خورخي أريزا، المبعوثَ الأمريكي الخاص لفنزويلا إليوت آبرامز، إلى زيارة البلاد "بصورة شخصية أو علنية أو سرية".

وقال مادورو "إذا كان يريد الاجتماع، عليه فقط أن يبلغني متى وأين وكيف وسأكون هناك". وقال إن الاجتماعين الاثنين في نيويورك استغرقا عدة ساعات.

في السياق، نقلت أسوشيتد برس عن "مسؤولَين فنزويليَّين رفيعَين رفضا الكشف عن هويتهما"، إنّ اللقاءين بين آبرامز ووزير الخارجية خورخي أريزا، جاءا بناءً على طلب من الولايات المتحدة.

ووفقاً للوكالة الأمريكية، شرح المسؤولان أن "اللقاء الأول كان يوم 26 يناير/كانون الثاني، وكان عدائياً؛ حيث هدد المبعوث الأمريكي فنزويلا بنشر قوات، ووبّخ حكومة كراكاس لتناغمها مع كوبا وروسيا وحزب الله اللبناني".

وقالت الوكالة إنّ اللقاء الثاني "جرى هذا الأسبوع في 11 فبراير/شباط، وكانت الأجواء أقل توتراً، على الرغم من أنّه جاء بعد أربعة أيام من تصريح آبرامز بأنّ وقت الحوار مع مادورو قد مضى منذ فترة طويلة". وأضافت الوكالة أنه "خلال هذا الاجتماع، أصرّ آبرامز على أن العقوبات الأمريكية الصارمة ستؤدي إلى رحيل مادورو حتى لو وقف الجيش الفنزويلي إلى جانبه".

أيضاً، نقلت الوكالة عمّن قالت إنّه مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية بواشنطن أنّ "المسؤولين الأمريكيين على استعداد للاجتماع مع المسؤولين السابقين في فنزويلا، بما في ذلك مادورو نفسه"، ولكنّهم حصروا النقاش "بخطط رحيلهم".

والجمعة، ردّ وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، على دعوة مادورو، وقال إنّ طلبه ليس بجديد، ولكنه يعكس، وفقاً له، إدراك الرئيس الفنزويلي بأنّ البلاد ترفض "نموذج حكمه". ولم يقل بومبيو ما إذا كان سيرسل المبعوث إليوت آبرامز لمقابلة مادورو في كراكاس أم لا. من جهة أخرى، وبعد ساعات على هذه المقابلة، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات مالية على خمسة من كبار المسؤولين الفنزويليين المقربين من نيكولاس مادورو، الذي وصفته بأنه "رئيس فنزويلا السابق وغير الشرعي". وشملت العقوبات قادة الاستخبارات والحرس الرئاسي والشرطة وشركة النفط الفنزويلية الذين وصفتهم وزارة الخزانة في بيانها بأنهم "منحازون للرئيس السابق غير الشرعي نيكولاس مادورو الذي يواصل اضطهاد الشعب الفنزويلي".

الخلفيات والدوافع: منذ إعلان رئيس البرلمان المعارض خوان غوايدو، نفسه رئيساً بالوكالة لفنزويلا، في 23 يناير/كانون الثاني الماضي، استعرَت الأزمة السياسية في البلاد، ورفعت واشنطن وعواصم أوروبية مطلباً مباشراً يقضي بتنحي الرئيس نيكولاس مادورو، واعترفت، تباعاً، بغوايدو رئيساً مؤقتاً.

في تلك المرحلة رفضت واشنطن أي تفاوض مع حكومة كراكاس. وفي مقالة لكاتب الرأي في وكالة بلومبرغ، إيلي لايك، تعود إلى الخامس من الشهر الجاري، شرح أن دولاً مثل المكسيك والأورغواي واليونان، عرضت القيام بوساطة سياسية في البلاد، بما قد يشمل الوساطة لدى الإدارة الأمريكية.

غير أن لايك عبّر في مقالته عن الرأي المتشدد في الإدارة الأمريكية الحالية، الذي كان يقول إنّه لا تفاوض إلا على رحيل مادورو عن السلطة. وشرح لايك أن وجهة نظر أخرى تقول إنه بدلاً من المطالبة فقط بتنحي مادورو، "من الأفضل مواصلة الإدارة الأمريكية فرض العقوبات على الرئيس الفنزويلي والدائرة المقرَّبة منه، بينما تعمل بالتوازي مع الشركاء الدوليين لدعم مفاوضات لإقامة حكومة انتقالية وإجراء انتخابات"، ممَّا قد يفسّر قرار العقوبات الجديدة.

هذه الخلفية توضح الموقف الأمريكي، المفتوح على كافة الاحتمالات وفقاً لتصريح أعلنه الرئيس دونالد ترمب الأربعاء. وهذا ما يشرح الطابع الحذر لدعوة مادورو للتفاوض.

بيد أنّ الصحفي المتابع لشؤون أمريكا اللاتينية، علي فرحات، يرى في حديث لـTRT عربي، أن الإعلان الفنزويلي عن اللقاءين يستند أولاً إلى خيبة الأمل التي شعرت بها واشنطن من المعارضة الفنزويلية إثر إخفاقها في اجتذاب المؤسسة العسكرية إلى جانبها، وثانياً إلى الاعتقاد بأنّ الخيار العسكري الذي لوّحت به واشنطن دونه عدة عوائق، أهمها رفض المؤسسات العسكرية لدول الجوار مثل كولومبيا والبرازيل أي مشاركة في عمل عسكري في فنزويلا.

بين السطور: في مقابلة أجراها الرئيس الفنزويلي مع وكالة أنباء روسية، في نهاية الشهر الماضي، أعرب عن استعداده للحديث مع دونالد ترمب، مُبدياً اعتقاده بأنّه "لن يتم السماح بذلك"، في إشارة إلى أنّ مستشار الأمن القومي جون بولتون "منع ترمب من إجراء حوار معي". وقال مادورو إنّه لديه معلومات حول ذلك.

في السياق ذاته، تشرح وكالة أسوشيتد برس، على هامش المقابلة مع مادورو، أنّ "تعيين إليوت آبرامز كمبعوث خاص إلى فنزويلا الشهر الماضي أشار إلى عزم إدارة ترمب اتخاذ موقف أكثر صرامة نحو فنزويلا". ولكنّها تشير أنّه برغم ذلك، فقد "رأى الفنزويليون في اجتماعي نيويورك علامة على أن هناك مجالاً للمناقشة مع الأمريكيين على الرغم من غلظة الخطابات العلنية القادمة من واشنطن".

ما التالي: يعتقد علي فرحات أن "واشنطن تريد إحراز إنجاز في الملف الفنزويلي، حتى لو كان عبر التفاوض مع الحكومة الفنزويلية ورئيسها نيكولاس مادورو الذي امتص صدمة الأسابيع الأولى".

ويرى فرحات أن مادورو يعي بدوره أن "قطع الحوار مع واشنطن سيتسبب بتعقيدات أكثر للوضع الفنزويلي، إيماناً منه بأن واشنطن هي المحرك الأساسي للمعارضة الفنزويلية وهي من تمتلك القرار في إنشاء حوار مع الحكومة والتوصل إلى صيغة تحفظ وجود الطرفين في البلاد".

غير أن الصحفي المتخصص في شؤون أمريكا اللاتينية، يضيف في سياق حديثه لـTRT عربي، أنه "ما زال من المبكر الحديث عن لقاء بين مادورو وترمب؛ إذ إن اللقاءات بين ممثلي الطرفين ما زالت في بدايتها والموقف الأمريكي العلني ما زال صاخباً، فضلاً عن أنه قد تبرز تعقيدات في هذه المفاوضات، أبرزها إصرار مادورو على عدم إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، على الأقل في الفترة القريبة".

وعن احتمالات الحل يرى فرحات أن "الحوار بين الطرفين يشي بأنّ أزمة فنزويلا قد تجد حلاً سياسياً بعد أسابيع من التصعيد، ولكن يبقى هذا الاحتمال مجرد قراءة أولية قد تتداعى بفعل تبدل الظروف والوقائع".

المصدر: TRT عربي - وكالات