يغض الغرب عينه عن تجارب التحول الديمقراطي في القرن الإفريقي على غرار ما يحصل في السودان والصومال، في المقابل يجري تلميع رئيس وزراء إثيوبيا والدفع به ليكون الشخصية الأبرز في المنطقة.

إن رقصة التانغو كما هو معروف لا يؤديها راقص واحد ولكن في إفريقيا كل شيء ممكن. في نهار 10 أكتوبر/تشرين الأول 2019 أعلنت جائزة نوبل للسلام فوز رئيس الوزراء الأثيوبي وحيداً بجائزتها الرفيعة، على الرغم من أن تحقيق السلام يعني مشاركة طرفين في إقراره. وتعتبر هذه إحدى المؤشرات على سعي الغرب لتلميع الرجل والدفع به ليكون بطلاً إقليمياً.

وتؤكد لجنة نوبل النرويجية المتخصصة في فئة جائزة نوبل للسلام أن "رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد منح جائزة نوبل للسلام لهذا العام لجهوده من أجل تحقيق السلام والتعاون الدولي. بخاصة مبادرته الحاسمة لحل النزاع الحدودي مع إريتريا المجاورة".

وقد تساءل ناشطون أريتيريون لماذا لم يتقاسم الرئيسان الأثيوبي أحمد والأريتيري أسياس أفورقي الجائزة كما حدث عام 1994 إبان توقيع معاهدة السلام بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ونظيره الإسرائيلي إسحاق رابين؟ ولماذا لم يقدم الرئيس الأريتيري أسياس أفورقي التهنئة لآبي أحمد حتى يومنا هذا؟.

لا يمكن فهم ظاهرة آبي أحمد وفوزه بجائزة نوبل دون وضع ذلك في سياقين اثنين: السياق الأول وهو الأهم وهو إقليم شرق أفريقيا. وأما الآخر فهو السياق الإثيوبي المحلي.

قرن أفريقي يبحث عن نفسه

شهدت منطقة القرن الأفريقي حالة من السيولة السياسية والتحولات الجذرية منذ نهاية ثمانينيات القرن العشرين بمجيء الإسلاميين السودانيين إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في الخرطوم في يونيو/حزيران 1989. مع بداية عقد التسعينيات، بدأ ديمنو القرن الأفريقي في الانهيار بعد سقوط نظام الرئيس سياد بري في الصومال عام 1991، ثم سقوط النظام العسكري ذي التوجهات الاشتراكية في إثيوبيا، وذهاب الجنرال مانغستو هايلي مريم، وانتصار المعارضة الأثيوبية المسلحة بقيادة الرئيس الراحل مليس زيناوي.

اختارت إثيوبيا منح إريتيريا حق تقرير المصير، واختار الإريتيريون الانفصال عن إثيوبيا في دول مستقلة تمتد شواطئها على البحر الأحمر شمالاً وجنوباً حتى غدت إثيوبيا دولة حبيسة لا إطلالة لها على البحر الأحمر.

وفي ظل انحباس جغرافي، تمكّن الإسلاميون الصوماليون من فرض سيطرتهم على مقديشو وتأسيس حكومة عرفت بحكومة المحاكم الإسلامية بقيادة شيخ شريف أحمد في 2009، وسرعان ما انتهت حالة الاستقرار المؤقت في الصومال إلى انهيار سياسي بظهور حركة الشباب المجاهدين المؤيدة لتنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن.

اضطرت تلك التحولات إثيوبيا إلى بدء حملة عسكرية انتهت بإعادة الصومال إلى دائرة الفوضى والحرب الأهلية من جديد، لم ينتشلها من الضياع إلا إرادة النخبة الصومالية العائدة من المهجر، والدعم التركي لمؤسسات الدولة الصومالية، ومشاريع البنية التحتية وإعادة بناء المؤسسة العسكرية من جديد.

أثمرت تلك العوامل مجتمعة في استمرار مشروع الدولة الصومالية واستدامة عملية التحول الديمقراطي وتداول السلطة، وقد رأى العالم تعاقب ثلاثة رؤساء على الحكومة. وقد تخلى الرئيس الحالي محمد عبد الله فرماجو عن جنسيته الأمريكية حتى يكون خالص الولاء للصومال.

بذلك انتقلت "الصوملة" من مصطلح وصفي لحالة انهيار الدولة إلى نموذج شرق أفريقي للتحول الديمقراطي على الرغم من مناوشات الجماعات الإرهابية في البلاد، وتملك الصومال موقعاً جيو استراتيجياً وإطلالة ساحلية على المحيط الهندي بطول 3700 كيلومتر.

وتشير مسوحات جيولوجية أجرتها بعض الشركات إلى توافر تلك السواحل على احتياطات نفطية ضخمة. فإذا أخذنا أيضاً الثروة الإنسانية للصوماليين في المهجر، فإن معدلات عالية في حملة الشهادات الدراسية العليا من جامعات عربية وغربية وشرقية يفوق عددهم في الصومال بعض دول الإقليم، ما جعل البروفيسور حسن مكي المدير السابق لجامعة أفريقيا العالمية بالسودان يرجح أن تكون الصومال هي الدولة القائدة للقرن الإفريقي بحلول 2050.

في المقابل، ظلت دولة إثيوبيا دولة مركزية في الوعي الإفريقي، باعتبارها من الدول الإفريقية النادرة التي لم تخضع لاحتلال أوروبي إلا لسنوات قلائل، كما أنها -بجانب إريتيريا المنفصلة عنها- تمثل قلعة مسيحية أخيرة في سواحل البحر الأحمر الذين يكاد يتحول إلى بحيرة إسلامية.

وبقاء هذه القلعة مهم جداً للقوى الغربية في هذه المنطقة الحيوية. وهنا يمكن أن نفهم تسامح الغرب مع نظام أسياس أفورقي الديكتاتوري، وتشدده تجاه السودان الذي فرض عليه نظام الحصار والعقوبات الاقتصادية لأكثر من عشرين عاماً.

عند قراءة هذا الحدث في سياق كلي للتطورات في القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر يمكن أن نفهم لماذا حرص الغرب قصداً على استدامة المشروع الإثيوبي، وبناء صورة الزعيم الخارق على شاكلة السيد آبي أحمد.

لقد انتبه آبي أحمد باكراً إلى أهمية استكمال مشروع مليس زيناوي للنهوض بإثيوبيا، ولا يمكن استكمال هذا المشروع بغير الإطلالة على البحر الأحمر عبر بناء علاقة جديدة مع إريتيريا شمالاً، والتصالح مع الصومال العدو التقليدي لإثيوبيا جنوباً.

وهنا يمكن استيعاب جهود آبي أحمد في ملف المصالحة مع دول الجوار، بغير ذلك سينتهي المشروع الإثيوبي قبل أن يبدأ. فالمشروع الإثيوبي يحظى بدعم غربي أروبي وأمريكي واسع، باعتبار رمزية إثيوبيا كونها آخر الدول غير المسلمة في حوض البحر الأحمر الذي يكاد يكون بحيرة إسلامية خاصة من ناحيتيه الشرقية والغربية.

وهنا عمل الغرب ودول الإقليم التي تدور في فلكه في المنطقة على دعم المشروع الإثيوبي حتى يمكن فرض إثيوبيا كدولة قائدة ومحورية لإقليم شرق ووسط إفريقيا. وهذا الدور لا تقوى عليه كينيا ولا تستطيع احتمال تكاليفه أوغندا، لقلة عدد السكان مقارنة بإثيوبيا من جانب. ولتواضع اقتصادياتها من جانب آخر.

أما محلياً وفيما يخص الشأن الداخلي الإثيوبي، فقد ارتفع صوت القوميات الإثيوبية عقب وفاة الأب الروحي للمشروع الإثيوبي الحديث ميلس زيناوي.

لعقود طويلة أحكمت أقلية التغراي (نحو 6% من مجموع السكان) قبضتها على السلطة في أديس أبابا بينما ظلت قومية الأمهرة والقومية الصومالية وقومية العفر بعيدة عن مقاليد السلطة. وبلغت الأزمة قمتها عامي 2017-2018، ما استدعى استقالة الرئيس الإثيوبي ديسالين وظهور نجم آبي أحمد.

في مارس/آذار من 2018 أعلن الحزب الحاكم أحمد رئيساً للوزراء. وينحدر أحمد من أب مسلم من عرقية أورومو التي تشكل نسبة 34% من السكان، وتدين والدته بالمسيحية. وهي من قومية أمهرة التي تشكل نحو 27% من السكان. وهو بهذا المعني يستجيب لتطلعات القوميتين الكبيرتين في الوصول للسلطة ويحقق التآلف ويبعد عنها التنافس والخلاف.

كما يرسل رسالة إيجابية للمسلمين الإثيوبيين على الرغم من انتماء آبي أحمد إلى المذهب الأنجيليكاني، وهو مذهب حديث في إثيوبيا يصل عدد منتسبيه إلى ستة ملايين فقط. وقد أفلح آبي أحمد في تأكيد هذه المعاني من خلال قراراته الباكرة القاضية بإطلاق سراح المتعقلين السياسيين من قومية الأرومو، وتأكيده المضي قدماً بالمشروع الإثيوبي الكبير "سد النهضة"، وحشد الملايين حال العدوان عليه سواء من مصر أو غيرها. وهو ما دفع المراقبين للنظر إلى الرجل كأنه رجل حرب وليس رجل سلام.

ولكن على الرغم من فوز آبي أحمد بجائزة نوبل للسلام وتحقيقه بعض هذه المنجزات، فعلى صعيد المصالحة الأهلية تنذر الخلافات الداخلية والصراعات خصوصاً في إقليم العفر، وفي مناطق التجراي، وفي إقليم بني شنغول، وفي إقليم أوجادين، ووقوع حوادث اغتيال لشخصيات سياسية ومسؤولين ورجال أعمال، والنهب المسلح هناك للبنوك، بأن الرجل لا يزال يقف على تل من الرمال المتحركة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي