أدت خطوة زيادة إنتاج النفط التي أقدمت عليها السعودية مؤخراً إلى تهاوي سعر برميل النفط عالمياً، الأمر الذي شكّل انتكاسة للنمو الاقتصادي العالمي وأثّر بشكل كبير على قطاع الطاقة الأمريكي.

على مدار سنوات، نما نوع من التحالف العميق بين آل ترمب وآل سلمان بن عبد العزيز. فقد عمل الرئيس دونالد ترمب على مباركة تولي محمد بن سلمان مقاليد الحكم في السعودية رغم وجود والده، وقدمه على محمد بن نايف ولي العهد السابق والرجل المفضل لدى واشنطن على مدار سنوات عديدة. لقد صمدت هذه العلاقة المقربة بين العائلتين طيلة السنوات السابقة ولكن مؤخراً تعالت الشكوك حول تماسك هذه العلاقة في ظل إقدام السعودية على ضرب أسعار النفط عالمياً الأمر الذي أضرَّ بالاقتصاد الأمريكي.

فقد اتخذ محمد بن سلمان مؤخراً خطوة مثيرة للجدل وجريئة في الوقت ذاته أدت إلى تهاوي أسعار النفط عالمياً، وذلك من خلال إغراق الأسواق بمزيد من الإنتاج اليومي للنفط، وتقديم تسهيلات في الدفعات النقدية لأبرز عملاء السعودية الدوليين خصوصاً الموجودين في شرق آسيا. لقد وعدت الرياض بزيادة إنتاجها من 9 ملايين برميل يومياً ليصل إلى 12مليوناً.

كان لهذه الخطوة آثارها الكارثية على أسعار النفط؛ فقد انتكس سعر خام برنت بنسبة 3.8٪ إلى 35.79 دولار للبرميل يوم الأربعاء الماضي في حين انخفض خام غرب تكساس الوسيط West Texas Intermediate بنسبة 4٪ إلى 32.98 دولار للبرميل. وانخفض سعر سهم شركة أرامكو السعودية العملاقة للنفط بنسبة 4.7٪ إلى 29.70 ريال يوم الأربعاء وانخفض أكثر بنسبة 10٪ منذ ظهر الخميس الماضي، عندما اتضح أن المحاولات السعودية لإقناع روسيا بالتوصل إلى اتفاق حول تخفيض الإنتاج ستبوء بالفشل.

جاءت هذه الخطوة، التي أقل ما يقال في شأنها أنها غير مفهومة، بعد أن فشل اجتماع مجموعة أوبيك الأخير في فيينا بزعامة السعودية مع منتجي النفط من خارج المجموعة بزعامة روسيا للتوصل إلى اتفاقية لخفض الإنتاج وذلك للحفاظ على أسعار الطلب عالمياً خصوصاً مع تراجعها مؤخراً نظراً لتداعيات انتشار فيروس كورونا، الذي تسبب في خفض عجلة الإنتاج في الكثير من الدول على رأسها الصين وإيطاليا.

كانت السعودية تسعى ومن خلال محاولة عقد تفاهمات مع روسيا إلى تخفيض الإنتاج بحدود 1.2 برميل يومياً، وهو ما رفضته روسيا بشدة رغم كل المحاولات السعودية لثنيها عن ذلك. وعندما فشلت، ذهبت السعودية إلى اتخاذ خطوة أحادية الجانب تقتضي بإغراق الأسواق بمزيد من النفط للإضرار بقطاع الطاقة الروسي الأمر الذي فهمه الخبراء على أنه بداية "حرب أسعار" بين أكبر منتجي النفط عالمياً.

أحدثت هذه الأزمة حالة من الهلع في أسواق المال عالمياً حتى اضطر مؤشر نيويورك إلى الإغلاق نهائياً لمدة تقرب من يوم كامل|، نظراً للخسائر الهائلة التي مُني بها. لقد كان واضحاً أن الاقتصاد الدولي الذي يعاني من صعوبات جمة في الفترة الأخيرة قد مُني بضربتين موجعتين بشكل متزامن تقريباً هما فيروس كورونا وحرب أسعار النفط، الأمر الذي أدخل المستثمرين في حالة من الهستيريا تجلّت في تهافتهم الخاطف على شراء الذهب والسندات.

في خضم حرب الأسعار النفطية هذه يبدو أن الضحية الأبرز هو قطاع النفط الأمريكي؛ فبالنظر إلى تكلفه إنتاج برميل واحد من النفط يتضح أن قطاع النفط الأمريكي ربما يدخل حالة من الموت السريري على المدى القريب والمتوسط؛ فتكلفة إنتاج برميل واحد من النفط في السعودية تقدر بحوالي 10 دولارات، بينما تقدر في روسيا بحوالي 20 دولاراً، لذلك يمكن لهما التعايش لفترة – وإن كانت بسيطة- مع تراجع سعر النفط إلى حدود الـ30 دولاراً. بينما في قطاع كبير من النفط الأمريكي تبلغ تكلفه إنتاج برميل واحد حوالي 30 دولاراً، ولذلك يبدو من الصعب بالنسبة له التعايش مع حالة كهذه.

في الآونة الأخير، ظهرت الولايات المتحدة كواحدة من أبرز منتجي النفط عالمياً، وباتت بذلك تنافس المنتجين التقليديين وعلى رأسهم روسيا خصوصاً في أسواق تعد تاريخياً حكراً على النفط الروسي مثل أوروبا. لقد باتت موسكو تشعر بالقلق مع زيادة الولايات المتحدة صادراتها من النفط الخام من حوالي 490.000 برميل يومياً في يناير/كانون ثاني 2016 إلى3.7 برميل يومياً في ديسمبر/كانون أول 2016.

لقد حاولت روسيا على الدوام إبقاء سعر برميل النفط عالمياً بالحد الذي يحرم قطاع النفط الأمريكي من تحقيق العائدات التي تسمح له بالمنافسة العالمية. ومن هنا جاء رفضها القاطع لأي خفض في الإنتاج مع أوبك مؤخراً. من شأن انهيار الأسعار أن يقضي على قطاع النفط الأمريكي ويؤثر بالمجمل على نمو الاقتصاد الأمريكي ومن خلفه الاقتصاد العالمي الذي بات نموه مؤخراً يعتمد كثيراً على تعافي الاقتصاد الأمريكي من جهة، وسياسة الانفراج الاقتصادية بين أمريكا والصين من جهة ثانية. ولا شك أن روسيا يروق لها أن تؤذي الاقتصاد الأمريكي رداً على العقوبات الاقتصادية التي تعرضت لها منذ أكثر من 4 سنوات.

تهاوت أسعار النفط ليس بسبب رفض موسكو ولكن بسبب تهور الرياض. وبهذه الخطوة المتهورة سيجلب محمد بن سلمان، وهو الرجل المتحكم بمفاصل الدولة في السعودية حالياً، على نفسه سخط قطاع جديد في الولايات المتحدة يضاف إلى السخط الذي جلبه على نفسه من قبل قطاعات أخرى بعد العديد من السياسات المتهورة التي اتخذها منذ توليه منصبه كولي للعهد في السعودية، الأمر الذي يهدد علاقته مع البيت الأبيض الذي بات يستشعر ثقل التستر على الأمير الشاب.

لقد راهن محمد بن سلمان كثيراً على الغطاء الذي يوفره له الرئيس ترمب. فالأخير قام بدعمه في حربه على اليمن التي بات بحق أسوأ مأساة إنسانية، وعارض وقف تصدير الأسلحة إلى السعودية، وعارض بشدة الكشف عن الملفات الاستخباراتية التي تدين تورط ابن سلمان باغتيال الصحافي جمال خاشقجي. كما سكت ووفّر الغطاء الدبلوماسي لحصار السعودية لقطر، ولم يعارض الخطوات الاستفزازية التي يتخذها الأمير ضد أفراد العائلة المالكة، وضد الناشطين السياسيين.

لا شك أن ما يقدمه محمد بن سلمان إلى الرئيس ترمب واللوبي الصهيوني من خلفه لكسب تأييدهم لايزال يساوي ثمن السكوت عنه؛ فالرجل على حد تعبير ترمب "يدفع نقداً"، ويعمل على تمرير السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية بما يعرف "بصفقة القرن"، ولا يمانع من تطبيع العلاقات مع إسرائيل وربما يذهب باتجاه فتح علاقات دبلوماسية رسمية معها قريباً، هذا فضلاً عن محاربة ما يسمى "الإرهاب"، من وجهة نظر تل أبيب طبعاً، فقد اعتقلت الرياض محسوبين على حركة حماس من المقيمين بشكل رسمي على أراضيها وبدأت محاكمتهم مؤخراً الأمر الذي يشكل سابقة خطيرة على المستوى العربي، أن يحاكم من يدعم المقاومة الفلسطينية على أراضٍ عربية بتهم تتعلق بدعم الإرهاب.

ولكن في المحصلة، هل يصمد تحالف آل سلمان مع آل ترمب في أزمة النفط الأخيرة هذه والتي ربما تؤثر على نمو الاقتصاد الأمريكي ككل؟ وهل يستطيع الرئيس ترمب الاستمرار بالسكوت عن ابن سلمان والتستر عليه؟ أم ينهار هذا التحالف تحت وطأة اللوبيات النفطية والحقوقية في الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل الانتخابات الرئاسية وحاجة ترمب إلى كسب تأييد الأمريكيين مع الأخذ بعين الاعتبار بأن الرجل يراهن على الورقة الاقتصادية التي باتت تتزعزع في ظل أزمة أسعار النفط؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام المقبلة، ولكن بالأخير يمكن الحديث عن أن ابن سلمان لا يمر بأفضل أيامه على الإطلاق.

المصدر: TRT عربي