جنود أمريكان مع آخرين من القوات الأفغانية قبل انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان (Others)
تابعنا

استرجعت الشاشات الغربية في صيف 2022 مشاهد مأساوية انتهى إليها الوجود العسكري الغربي في أفغانستان، في ذكرى الانسحاب الفوضوي. تتركّز المشاهد ضمن نطاق مطار كابول الذي انتشر فيه مصوّرو الصحافة وحاملو الهواتف التي نقلت الوقائع قبل سنة من ذلك، وفيها يظهر -مثلاً- رضيع يرفعه والداه عالياً من بين حشود مكتظّة حول أسوار المطار المحصّن فيلتقطه جنود أمريكيون كي يُحمَل على متن طائرة عسكرية صوب وجهة ما، وقد يكون سبباً في التحاق والديْه به من بعد.

لم تستغنِ الشاشات في استرجاعها المصوَّر عن مشهد استثنائي تراكضت فيه حشود بشرية لتلحق بطائرة عسكرية أمريكية تهمّ بالإقلاع إلى غير رجعة، فتَمكَّن بعضهم من التشبّث بها وهي تنطلق على مدرج المطار، وقيل إنّ بعضهم هوى بعد تحليقها.

هكذا استقرّ مطار كابول في ذاكرة القرن الحادي والعشرين المصوَّرة شاهداً على نهاية مُخزِية آلت إليها عشرون سنة من الغزو والاحتلال بعد أن ظلّت بلاد الهندوكوش محجوبة عن الوعي الجماهيري المصوّر عبر عقدَي الحرب، فحُرِمَت جماهير الديمقراطيات الغربية من إدراك واقعها وتوقّع صدماتها.

لم تكفّ الحكومات الغربية عن جهودها الدؤوبة في مجال العلاقات العامّة الحديثة، بمعيّة جيوش الغزو التي قدّمت ذاتها أحياناً كأنها منظمات إغاثة، فكان لهذا النهج أثره على مدار عشرين سنة في تشكيل انطباعات غير أمينة عن طبيعة المهامّ وواقع الميدان في أفغانستان.

كانت أفغانستان غارقة على مدار عشرين سنة من الاحتلال الغربي في الفوضى والإخفاقات وإنتاج المخدرات، ودفعت بأبنائها وبناتها القانطين صوب وجهات اللجوء حول العالم. لكنّ جماهير الديمقراطيات الغربية التي لم تُسأل أساساً عن موقفها من الغزو والاحتلال طوال هذا العهد المديد ولم تصارَح بحقيقة ما يجري، بقيت بمنأى عن إدراك هذا الواقع تقريباً.

لم يَحظَ غزو أفغانستان واحتلالها بأيّ نقاشات برلمانية أو مدنية جادّة في أمم دفعت بقوّاتها إلى هناك، مع استثناءات محدودة كما جرى في البرلمان الألماني بعد اقتراف مجزرة مأساوية بحق المدنيين في قندوز سنة 2009 ثم بعد الانسحاب الفوضوي المتأخِّر سنة 2021.

سمح انقطاع الوعي المصوّر وتواطؤات التجاهُل المركّب بأن تمتدّ حرب أفغانستان (2001-2021) على نحو تجاوز أمد حرب فيتنام (1955-1973) والغزو السوفييتي لأفغانستان (1979-1988)، فحرّرت شهادة إخفاق للديمقراطيات الغربية رغم برلماناتها وصحافتها ومجتمعها المدني.

منح الكونغرس الأمريكي صقور الإدارة صكّ الغزو بعبارة مقتضبة تقضي بمطاردة المسؤولين عن هجمات سبتمبر/أيلول 2001، ثمّ تجاهل القابعون في تلّة الكابيتول حرباً استهلكت أكثر من تريليون دولار، ومعها نشأ جيل كامل من الأفغان لم يحظوا بالاكتراث أساساً قبل الحرب وفي أثنائها إلاّ في استدعاءات انتقائية خدمت دعاية الحرب والتحيّزات الثقافية غالباً.

صوّرت دعاية الحرب "المُنقِذ الأبيض" الذي ينهمك في مهامّ إنسانية. شوهد جنود أمريكيون وأوروبيون وهم يقومون بتأمين حياة الأهالي بإخلاص وتفقُّد أحوالهم بودّ، فظهروا في المشاهد المنتقاة بعناية وهم يُلاطِفون الأطفال ويُشرفون على توزيع مساعدات للنساء وتأهيل قوات محلية انهارت في ساعة الحقيقة. طوّرت حصص المُشاهدة المقررة خبرة التلفيق المصوَّر الذي دأبت عليه دعاية الجيش الأمريكي منذ الحرب الكورية (1950-1953).

استثارت تجربة أفغانستان حساسية خاصَّة في ألمانيا، التي حاولت الانعتاق من شرنقة احتوتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حجزتها عن المهامّ الحربية في الخارج، وإذ بها تتورّط مع أوّل ملحمة تخوضها في حرب استنزاف بلا أفق.

انكشفت الورطة بعد سنوات عدّة، عندما علقت القوات الألمانية المرابطة في قندوز في مأزق متفاقم سنة 2009 مع تزايد الكمائن المنصوبة لها التي فتكت بعشرات من جنودها. جاء الألمان باسم "مهمة إنسانية" ثمّ خاطروا بأرواح المدنيين كما تَجلَّى في قصف نفّذته قواتهم في قندوز يوم 4 سبتمبر 2009 أوقع إحدى وتسعين ضحية على الأقلّ، دفعة واحدة، معظمهم مدنيّون.

لم تفلح الصدمات في إيقاظ جماهير الديمقراطيات الغربية على واقع حرب غير مرئية، فظلّ الأمريكيون وحلفاؤهم يطاردون الوهم في أفغانستان سنوات مديدة من بعد، رغم أنّ الرئيس الأسبق باراك أوباما اعترف في بداية ولايته الأولى بأنّ النصر فيها غير ممكن، كما قال لـ"نيويورك تايمز" يوم 8 مارس/آذار 2009.

كان لاحتجاب الوقائع اليومية المفزعة عن رؤية الأمريكيين والأوروبيين مفعوله في استمرار الاستنزاف اثنتي عشرة سنة من بعد، لتنتهي الملحمة المأساوية بطوفان من المشاهد المذهلة المحمولة من مطار كابول، اختزلت الواقع المخزي الذي ظلّ يُكنَس تحت بساط التجاهل منذ بداية الغزو سنة 2001.

حملت القوات الغربية متاعها على عجل وأحدثت فوضى مُريعة في المطار، فخاطرت بأرواح حشود الأفغان الذين فتك هجوم تفجيري مزدوج بعشرات منهم دفعة واحدة يوم 26 أغسطس/آب 2021 رغم الإنذارات المسبقة عن هجوم وشيك لم تنشغل قوات الغزو المنهارة بدرئه.

بين طول أمد حرب ما ووقوعها خارج الإدراك الجماهيري المصوّر علاقة يمكن افتراضها. تنتصب حرب أفغانستان مثالاً شاخصاً على الحروب غير المرئية، التي تسمح لقوات الغزو والاحتلال بهوامش أوسع للتصرُّف واقتراف انتهاكات ترقى إلى مصافّ جرائم الحرب، بمعزل عن ضغوط الشعوب وتأنيب الجماهير، رغم الاستنزاف البشري والمادي والأخلاقي الهائل الذي يترتّب على بعضها.

جسّدت أفغانستان مفارقة استثنائية، فالحرب الغربية التي استغرقت عشرين سنة ظلّت غير مرئية تقريباً، فيما حرصت الدعاية الغربية على وضع الغزو السوفييتي لهذا البلد في صميم الاهتمام الجماهيري المعولم، إلى درجة استنفرت هوليوود التي كرّست أحد أفلام "رامبو" الخارق للميدان الأفغاني (1988).

من نافلة القول أنّ القوات الفرنسية التي تتدخّل في دول الساحل والصحراء تنعم بامتياز احتجاب الميدان عن نطاق الرؤية الجماهيري، فما يجري في صحراء مالي مثلاً لا تتأتّى لجماهير فرنسا أو غيرها أي فرصة لمواكبته وإدراك ملابساته بصفة مستقلّة عن الرواية المعتمدة في باريس، المشفوعة بمشاهد نمطية تطلّ على الواقع من منظور أحادي.

وفي النهاية يحسّ الفرنسيون بما يفعله الغزاة الروس في أوكرانيا ويستغرقون في عزلتهم الوجدانية عمّا تقوم به قواتهم في تدخّلاتها الإفريقية المتعاقبة.

جدير بالنظر إنّ أحد مآزق الاحتلال الإسرائيلي المتفاقمة أنّ حروبه العدوانية التي يشنّها على الشعب الفلسطيني تقع في نطاق الرؤية الجماهيرية المعولمة، فتستنفر فظائعُها المصوَّرة عبر البثّ المباشر وحشود الكاميرات والمواكبة الشبكية تفاعلاً عالمياً يفرض، مع عوامل أخرى، اختزال أمد الحرب إلى أيّام معدودات.

تحاول الجيوش الحديثة الاستحواذ على فرص الإدراك المُصوّر بشأن وقائع الميدان، فتنعم أحياناً بصعوبة المواكبة المصوّرة لما تقوم به في البيئات المعزولة، وتلجأ إلى تعميم مواد مصوّرة لخدمة أولويّاتها الدعائية أو تستصحب مصوِّري صحافة طيِّعين بصفة انتقائية خلال مهامّ محدّدة وقد تستهدف صحفيين آخرين بالقصف كما فعل الجيش الأمريكي قُبيل سقوط بغداد سنة 2003.

تنشر الجيوش الحديثة مشاهد قصف جوي على طريقة ألعاب الفيديو، تمنح الانطباع بنجاعة "العملية الجراحية" ودقّة الاستهداف، فيما تقطع وشائج التعاطف المحتملة مع ضحايا لا تُرَى وجوهُهم وأبدانهم من المنظور الشاهق. لكنّ دعاية الحرب غير المرئية تتزعزع كلّما تعاقبت مشاهد النعوش المحمولة من الميادين القاصية، فتندفع التساؤلات النقدية المتأخِّرة التي تضع صانع القرار أمام استحقاق القرارات المؤلمة التي تضع حدّاً للحرب ودعايتها، وقد تغسل مشاهد النهايات مساحيق التجميل المتراكمة كما وقع في مطار كابول.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي