المستشار الألماني أولاف شولتز (إلى اليسار) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضران مؤتمرا صحفيا عقب اجتماعهما حول الأمن الأوكراني في الكرملين ، موسكو ، 15 فبراير 2022 (AFP)
تابعنا

العلاقة الخاصة بين الطرفين كانت قد بنيت في سياق القرب الجيوسياسي والتشابك الاقتصادي، بخاصة في مجال الطاقة. وعلى الرغم من أن العدوان الروسي على أوكرانيا رفع من العبء السياسي لهذه العلاقة الخاصة، فإن برلين لا تزال تحتفظ بتمايزها عن المعسكر الغربي أو بالأخص الأنجلوسكسوني في سياساته تجاه روسيا.

العلاقة بين روسيا وألمانيا كقوتين متجاورتين مثلت تاريخياً ولا تزال أهم ركائز المنظومة الأمنية الأوروبية. لكن سير هذه العلاقة لم يكن باتجاه واحد، بل تذبذبت تبعاً للتطورات الداخلية في البلدين وتبعاً لاصطفافات ألمانيا الدولية. فعلى الرغم من أن ألمانيا كانت اتخذت موقفاً متناغماً مع الغرب ومعادياً للاتحاد السوفييتي بعيد الحرب العالمية الثانية، فإن هذه السياسة التي تبنّاها المستشار الألماني الأول كونراد أدناور ما لبثت أن تعدلت تدريجياً لتصبح أكثر تصالحاً مع "الشرق"، وصولاً إلى بناء "علاقة خاصة" بين برلين وموسكو وصولاً إلى إنشاء خط نقل الغاز الاستراتيجي "نورد ستريم 2". هذه العلاقة الألمانية الخاصة مع موسكو منحت برلين أسعاراً مخفضة للطاقة المستوردة من روسيا خلال العقدين الأخيرين.

التوجه الألماني إلى روسيا جاء مدفوعاً بالأولويات الاقتصادية وحاجة العجلة الاقتصادية الألمانية إلى مصادر الطاقة الروسية. إذ تمثل إمدادات الطاقة الروسية من غاز ونفط وفحم الشريان الرئيسي الرافد للصناعات الألمانية، فضلاً عن تدفئة منازل المواطنين الألمان.

وفي حين يمثل الغاز الروسي المستورد 50% من احتياج ألمانيا، تشكل السوق الألمانية 20% من صادرات روسيا من الغاز. هذه العلاقة الاقتصادية المتشابكة بين الطرفين تستند إلى 50 سنة من التعاون المضطرد في هذا المجال، وفيما عرف في حينها باسم تفاهمات "الغاز مقابل الأنابيب"، والمبنية على تبادل أنابيب الغاز الألمانية بالغاز الروسي.

هذا البعد الجيواقتصادي في العلاقة بين البلدين ما لبث أن تداخل مع البعد الجيوسياسي. فبعد سياسة التوجه غرباً بعيد الحرب العالمية الثانية تبنت ألمانيا ما عرف بسياسة الشرق Ostpolitik للانفتاح على دول أوروبا الشرقية. ثم ما لبثت ألمانيا أن أصبحت أكثر المدافعين والدافعين باتجاه سياسة توسع الاتحاد الأوروبي شرقاً وتبني سياسة أكثر تعاوناً مع روسيا.

التداخل الجيوسياسي الاقتصادي يتقاطع أيضاً مع العملية المستمرة لإعادة تشكيل الهوية الألمانية، والتي يراها العديد من التيارات الصاعدة في ألمانيا بوصفها مضادة لعملية "الأمركة" نسبةً إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا التوجه الألماني للانخراط أكثر مع روسيا في سياق القرب الجغرافي والاحتياج الاقتصادي كان ذا وقع مختلف على الطرف الآخر من الأطلسي. الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تفرض عقوبات على تصدير أنابيب الغاز إلى الاتحاد السوفييتي لم تكن من المرحبين بهذا الانفتاح، فإدارة الرئيس الأمريكي ريغان على سبيل المثال حاولت مراراً دفع برلين وبقية العواصم الأوروبية إلى تخفيض استيرادها من الغاز الروسي. هذا الاختلاف بالقراءة الجيوسياسية للعلاقة مع موسكو بين ضفتَي الأطلسي ظل عامل زعزعة للعلاقات بين موسكو وبرلين التي بقيت تسعى جاهدة لتحقيق التوازن بين انفتاحها شرقاً والتزاماتها غرباً.

هذا التمايز في العلاقات الروسية-الألمانية ووزن ألمانيا الاقتصادي والسياسي كقائدة للاتحاد الأوروبي هو ما ساهم في زيادة حدة الانتقادات بعيد بدء العدوان الروسي على أوكرانيا، التي بلغت مداها مع إشارة الرئيس الأوكراني زيلينكسي لألمانيا ضمنياً بالقول بوجود "إذن لروسيا بقتل الأوكرانيين" في سياق انتقاده لتلكؤ برلين في تزويد ألمانيا بأسلحة ثقيلة.

وفي مواجهة هذه الانتقادات والاختلاف الداخلي الذي يعيشه التحالف الحاكم في ألمانيا قال المستشار الألماني أولاف تشولتز إن الجيش الألماني لم يكن لديه الكثير ليقدمه لأوكرانيا، إلا أنه أضاف أن حكومته تعمل على دعم قطاع التصنيع العسكري مالياً.

التوجه الألماني لدعم التصنيع العسكري يأتي بعد إعلان المستشار الألماني عن رفع بلاده حجم الإنفاق العسكري بما يقارب 100 مليار يورو، ليصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، النسبة التي ينبغي على دول حلف الناتو تبنيها، وذلك بعد أيام من العدوان الروسي على أوكرانيا. القرار الذي جاء مفاجئاً للعديد من المراقبين مثَّل نقطة تحول هامة في سياسة ألمانيا، البلد الذي يتمتع فيه ملف التسليح والإنفاق العسكري بحساسية عالية وترقب حذر من بقية الدول، الحلفاء منهم قبل الخصوم، وهو ما كان يبرر سابقاً تجنب رفع ألمانيا لحجم انفاقها العسكري لنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي.

وعلى الرغم من أن برلين تبدي الآن حرصاً على أن تكون متسقةً مع المعسكر الغربي الهادف إلى إخضاع موسكو بعيد العدوان الأخير، فإنها تعمل على إبقاء تمايزها عن بقية دول المعسكر، بخاصة في اتباع العقوبات المتعلقة باستيراد الغاز الروسي.

وفي مقابل تصريح وزيرة الخارجية بأن برلين ستتوقف عن استيراد الغاز الروسي مع نهاية العام الجاري، فإن وزير المالية طالب بالتحلي بالصبر وقال إن برلين تفضل العقوبات التي تؤذي "بوتين" شخصياً. فيما تلوّح مصادر ألمانية بأن مقاطعة الغاز الروسي قد تؤدي إلى أزمة اقتصادية عميقة في السوق الأوروبية.

تجد برلين نفسها اليوم أمام تحدٍّ حقيقي بين الضغوطات السياسية والمطالبات الأخلاقية من جهة ومصالحها الاقتصادية ومساعيها المستمرة للتمايز سياسياً وهوياتياً من جهة أخرى. وفي ظل غياب بديل فعلي عن الغاز الروسي في المدى المنظور ستعمل برلين على المراوغة بين الانسياق مع سياسات الغرب التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية واحتياجاتها الذاتية المرتبطة بروسيا. أما على المدى البعيد فقد تجد برلين المخرج من هذا التحدي المستمر والمرتبط بتجاذب العلاقات والتصور الجيوسياسي على طرفي الأطلسي متمثلاً في الاستثمار أكثر في قدراتها العسكرية الذاتية، ما يغذي سعيها الدائم لإعادة تشكيل هويتها المشتتة.

TRT عربي