ما زالت منطقة إدلب تتعرض منذ أكثر من شهر لحملة عسكرية شرسة تقودها قوات النظام والقوات الروسية، فيما تبدو آلية التنسيق بين الجانبين الروسي والتركي عاجزة حتى الآن عن بلورة وقف لإطلاق النار.

فلم تلقَ مطالب الرئيس التركي أردوغان خلال اتصاله الهاتفي مع الرئيس بوتين في التاسع والعشرين من مايو/أيار الماضي أية آذانٍ صاغية، بل حتى إن المتحدث باسم الرئاسة الروسية صرّح بأن وقف إطلاق النار "مسؤولية الجانب التركي".

الاشتباكات الأطول والأعنف التي تشهدها منطقة إدلب منذ قرابة سنة ونصف تشير إلى أن اتفاقية خفض التصعيد قد أصبحت خلف ظهور اللاعبين كافة، وعلى رأسهم اللاعب الروسي، الفاعل الحقيقي وراء الهجوم الأخير. ولعل المفارقة الأبرز هي أن الاشتباكات المستمرة منذ أكثر من شهر تحدث في ما يُعرف باسم "المنطقة منزوعة السلاح"، التي تم تشكيلها كثمرة لتفاهمات تثبيت خفض التصعيد بين تركيا وروسيا.

الاشتباكات الأطول والأعنف التي تشهدها منطقة إدلب منذ قرابة سنة ونصف تشير إلى أن اتفاقية خفض التصعيد قد أصبحت خلف ظهور اللاعبين كافة وعلى رأسهم اللاعب الروسي.

بلال سلايمة

إن فشل مسار أستانا وآليات خفض التصعيد في التحول لمسار سياسي يمثّل مخرجاً للأزمة السورية، وحالة الجمود أو التجميد التي يعيشها مسار جنيف الذي فرغه المبعوث الأممي السابق ستيفان دي مستورا من معانيه السياسية، قد أعادت الكرة من جديد إلى الميدان الذي تتخاطب فيه الأطراف من خلال لغة السلاح. وكانعكاس أوّليّ لمرحلة ما بعد أستانا، عادت الأطراف المعنية في إدلب لاستخدام أدواتها القديمة، أدوات ما قبل أستانا.

العودة إلى سياسات ما قبل أستانا

فمن جهتها عادت روسيا لقصفها العنيف وسياستها في الأرض المحروقة، فيما عاد النظام السوري لاستخدام أسلحته الغبية وعلى رأسها البراميل المتفجرة. لكن اللافت هذه المرة أن العودة إلى سياسات ما قبل خفض التصعيد لم تقتصر على روسيا والنظام السوري فحسب، بل إن اللاعب التركي قد عاد من جديد لسياسته ما قبل اتفاقيات خفض التصعيد في دعم المعارضة عسكرياً.

وبهذا وعلى غير المتوقع عادت قوات المعارضة لاستخدام الصواريخ الموجهة المضادة للدروع وعلى رأسها صواريخ "التاو". أما إيران، الضلع الثالث لمسار أستانا، فقد بدت غائبة هي ومليشياتها عن ساحة المعركة، الأمر الذي انعكس بشكلٍ مباشر على توازن القوى الميداني.

كانت مهمة اتفاقية خفض التصعيد بالنسبة إلى الجانب الروسي مهمةً وظيفيةً لتعزيز علاقاتها مع تركيا سياسياً من جهة، وتسهيل مهمة سيطرة النظام على جيوب المعارضة ميدانياً من جهة أخرى.

لكن مع رغبة روسيا بإرسال رسائل تحذيرية لتركيا حول حجم الثمن الذي قد يُدفع إن حاولت تركيا التلكؤ في شراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي إس 400، ومع عدم رضاها عن الأداء التركي في تسهيل إدماج منطقة إدلب في مناطق النظام عبر تفعيل خطَّي حلب-دمشق وحلب-اللاذقية الدوليين، فقد قررت روسيا التنكر لخفض التصعيد والعودة لسياستها في القصف العنيف والأرض المحروقة، وهو ما زال متبعاً بتفاوتٍ منذ نهاية شهر أبريل/نيسان الماضي.

سياسة الأرض المحروقة

الغطاء الناري الكثيف الذي وفّرَته الطائرات الحربية الروسية وبراميل النظام المتفجرة مهّد الطريق لمليشيات النظام الذي لم يتخلَّ يوماً عن رؤيته في "الحل العسكري"، وللمليشيات المختلطة الولاء بين النظام السوري والقوات الروسية مثل الفيلق الخامس، للتقدم في مناطق شمالي حماه وجنوب غرب إدلب.

هذا التقدم لم يكُن نتيجةً لمواجهة عسكرية مع قوات المعارضة، بل جاء بفضل التفوق النيراني والغطاء الجوي الذي أخلى المنطقة من سكانها، ما دفع أكثر من 300 ألف شخص إلى النزوح باتجاه الحدود التركية، فيما أدَّى إلى مقتل أكثر من 400 شخص حتى الآن.

وعلى عكس موقف روسيا والنظام السوري اللذين ما لبثا أن أخلَّا باتفاقية خفض التصعيد أصلاً، لم يكُن متوقعاً من تركيا أن تعود للغة السلاح من جديد. لكن الموقف الميداني التركي خالف توقعات العديد من المتابعين.

جدار الصد التركي

فقد قامت تركيا بتدعيم نقاط مراقبتها الاثنتي عشرة في الشمال السوري بدل الانسحاب منها، وذلك رغم الاستهداف المتكرر من قبل قوات النظام. كما قامت تركيا بدعم المعارضة لوجستياً وعسكرياً، وسمحت لفصائل درع الفرات بالتوجه إلى خط الجبهة جنوبي إدلب، وعملت على تسهيل وصول مدرعات عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ وصواريخ المضادة للدروع وعلى رأسها صواريخ "التاو" لقوات المعارضة. الرسالة التركية كانت واضحة بأن روسيا إذا أرادت التصعيد فإن تركيا ستذهب للتصعيد أيضاً، ما قد يؤدِّي بالعلاقات بين الطرفين في هذا الوقت الحساس إلى حافة الهاوية.

الرسالة التركية أعطت المعارضة السورية دفعة معنوية مهمة بخاصة في ظل الاخفاقات المتتالية التي عاشتها قوات المعارضة نتيجة اختلال ميزان القوى على الساحة منذ التدخل الروسي.

بلال سلايمة

الرسالة التركية أعطت المعارضة السورية دفعة معنوية مهمة، بخاصة في ظل الاخفاقات المتتالية التي عاشتها قوات المعارضة نتيجة اختلال ميزان القوى على الساحة منذ التدخل الروسي، والتي أدّت إلى تَشكُّل قناعة بأن المنحنى البياني للمعارضة يتناهى بثباتٍ إلى الصفر.

هذا الشعور بالخيبة أثقله على الأرض عمليات التهجير المتتالية إلى مناطق إدلب وبشكل محدود لمناطق درع الفرات وغضن الزيتون. ومع تبعثر التمثيل السياسي للمعارضة وانسداد أفق العملية السياسية، وتغول هيئة تحرير الشام على بقية الفصائل على الأرض تبلورت قناعةٌ لدى العديد من الأوساط السياسية والمتابِعة بأن ورقة المعارضة العسكرية قد انتهت وأن الرهان على قدرتها الميدانية هو رهانٌ خاسر. لكن التطورات الأخيرة أثبتت أن هذه التقديرات تحتاج إلى مراجعةٍ من جديد.

فعلى الرغم من قدرات قوات النظام الميدانية على التقدم بفضل القصف الروسي العنيف، وصولاً لسيطرتها على بلدة كفر نبودة وقلعة المضيق، فإنه بدا واضحاً أن هذا التقدُّم ليس ثابتاً، بل هو عُرضة للتقهقر وبخسائر كبير في أي لحظة.

كما بدا أن قوات المعارضة ما زالت تتمتع بالطاقة الكامنة إذا ما حُفّزت من جديد، ففي الثاني والعشرين من مايو/أيار الماضي على سبيل المثال وبعد أيام من سيطرة النظام على عدة نقاط منها بلدة كفر نبودة، استطاعت قوات المعارضة استعادة السيطرة عليها. وكان اللافت أن الهجوم المعاكس لقوات المعارضة قد تم خلال ساعات الليل، في ظلّ الحديث عن حصول المعارضة على مناظير ليلية خوّلت إليها القيام بمثل هذه المهمة.

وبالإضافة إلى الدعم التركي لمقاتلي المعارضة مادياً ومعنوياً، فإن استشعار حجم الخطر وبأن المسألة تتعدى احتماليات التهجير لتكون مسألة بقاءٍ أو فناء، قد عزّز تراصَّ صفوف مقاتلي المعارضة ورفع لديهم مستوى الروح القتالية. هذا إلى جانب أن قوات النظام ومليشياته، التي يُشكِّل ما يُعرف باسم "مقاتلي المصالحات" الجزء الأعم منها، بدت عاجزةً عن التقدم على حساب المعارضة على الرغم من التفوق النيراني.

وبعد مضيّ أكثر من شهر على الاشتباكات بدا من الواضح أن توازن القوى على الأرض يكاد يكون متوازناً حتى الآن بين قوات النظام التي تتمتع بتفوُّق نيراني كثيف وبغطاء جوي روسي من جهة، وبين قوات المعارضة المدعومة لوجستياً من قبل تركيا من جهة أخرى.

إيران اللاعب الغائب

لكن لا بد من الإشارة إلى أن هذه المعادلة الميدانية تفتقر إلى أحد أهمّ العناصر في المواجهة، وهي المليشيات المرتبطة بإيران، التي لم يسجَّل لها نشاط مهمّ في الاشتباكات الأخيرة.

تعكس الاشتباكات الأخيرة على الأرض في جبهة إدلب تجاوُز مختلف الأطراف لتفاهمات أستانا وعودة لغة الميدان من جديد لتكون هي الحكم.

بلال سلايمة

هامشية دور المليشيات الإيرانية تعود إلى عدة عوامل، فقد تركزت الاشتباكات في منطقة شمالي حماة وجنوب غربي إدلب، التي تحظى فيها مليشيات إيران بوجود محدود، إذ شهدت المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري في الضفة المقابلة من الجبهة منذ عدة أشهر اشتباكات بين القوات الموالية لروسيا وعلى رأسها الفيلق الخامس والمليشيات الموالية لإيران انتهت وقتها بإخراج المليشيات الإيرانية من المنطقة.

كما أن الحملة الموجهة ضد إيران قد ألقت بظلالها على فاعلية المليشيات المرتبطة بها في سوريا، حيث تتحدث التقارير عن أن مقاتلي المليشيات لم يتلقوا مخصصاتهم الشهرية منذ أشهر، فضلاً عن توجُّه اهتمام الحرس الثوري في سوريا في الفترة الأخيرة إلى خطّ البوكمال-دير الزور في الشرق السوري على حساب المناطق الأخرى. وبالمحصلة فقد كانت مليشيات إيران خارج معادلة المواجهات الأخيرة.

تعكس الاشتباكات الأخيرة على الأرض في جبهة إدلب تجاوُز مختلف الأطراف لتفاهمات أستانا، وعودة لغة الميدان من جديد لتكون هي الحكم.

وقد أظهرت التوازنات الميدانية لمرحلة ما بعد أستانا لحد الآن تساوياً نسبيّاً بين كفَّتَي الصراع في إدلب. ويُتوقع أن تستمر حالة التوازن الميداني بين الطرفين على المدى القريب، بما يعني استمرار حالة الاشتباك المتقطع الذي يرافقه قصف روسي ومن قبل النظام للمدنيين خلف خطوط المواجهة، فلا مليشيات النظام المتهالكة قادرة على التقدم رغم الدعم الروسي، بخاصة في ظل انكفاء المليشيات الإيرانية، ولا تركيا مستعدة لتحمُّل عواقب تخلِّيها عن المعارضة العسكرية وورقة إدلب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي