بتناغم نادر، يقرر مجموعة من الكُتّاب الإسرائليين إنتاج سلسلة كتابات ومقالات ضد الأردن وقيادته ممثلة بالملك عبد الله الثاني، مليئة بالتحريض والكراهية في منابر اليمين الإسرائيلي، وعلى أساس فكرة قوامها تقويض اتفاقية وادي عربة وإلغائها.

يصلي الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن (يمين) وابنه ولي العهد الأمير حسين أثناء جولة في الغمر ، الجيب الذي استأجرته إسرائيل على مدار 25 عامًا.
يصلي الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن (يمين) وابنه ولي العهد الأمير حسين أثناء جولة في الغمر ، الجيب الذي استأجرته إسرائيل على مدار 25 عامًا. (DPA)

يتعرض اليمين الإسرائيلي للملك مباشرة وذلك بسبب دوره في إعاقة مشاريعهم القائمة على شطب الجغرافيا الفلسطينية، وترحيل المشاكل للأردن.

اليمين الصهيوني يستعيد مشاريع قديمة وخطيرة

إسرائيل أنهت توجهها نحو اليمين، شعبياً وحكومياً أي "صناعة القرار"، وهذا يدفع باتجاه إعادة مشاريع كانت في السابق مجرد "هرطقات" غير سياسية.

اليوم، يرى اليمين نفسه حاكماً وأغلبية، وتزداد شراسته وأطماعه بسبب الدعم اللامتناهي القادم من الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب، والتي تتحالف مع يمين إسرائيل سياسياً وأيديولوجياً.

كل ذلك، سمح لحكّام إسرائيل بإخراج الملفات من الأدراج العتيقة، وهذا يفسر الانقضاض اليميني الشرس على القصر الملكي الأردني، ومحاولة التسويق لسيناريو الوطن البديل تحت منطق تقويض وادي عربة.

وادي عربة تحت وطأة الابتزاز الإسرائيلي 

الجديد في حملة اليمين على الأردن والملك أن اتفاقية وادي عربة التي يرفضها الشعب الأردني، لأول مرة، يهدد اليمين بإلغائها وتجاوزها، ومن ثم ترى المقالات المهاجمة للملك أن ذلك خطوة نحو الوطن البديل.

إذن، إسرائيل اليمينية، تعبث بوادي عربة، وتبتز بها عمّان، وتسحبها من تحت بساط الوعيد الأردني، هذا ناهيك عن مهاجمة الملك شخصياً في رسائل خطيرة وثقيلة.

طالما طالب الأردنيون على المستوى الشعبي بإلغاء وادي عربة، وفي الآونة الأخيرة حاول الرسمي الأردني التلويح بمراجعة الاتفاقية، لكن اليمين الإسرائيلي يفاجئنا جميعاً بوضع الاتفاقية على طاولة الإهمال واحتمال الإلغاء.

الهجوم على الملك شخصياً: بروباغندا التخويف

استهدفت حملة كتاب اليمين الإسرائيلي في صحف "معاريف، وإسرائيل اليوم، زمكور ريشان" الملك شخصياً، وشنّت هجوماً عنيفاً عليه. ولم تتردد في دعوتها إلى إسقاط الحكم الهاشمي، باعتبار أن ذلك سيحقق المقولة اليمينية الصهيونية "فلسطين هي الأردن".

وفي ثنايا الحملة الشرسة رسالة للملك، "بأن الوطن البديل قادم لا محالة، وأنك في خيار من أمرك، إما أن تكون ملكاً عليه بإرادتك وتعاونك، أو أنه حاصل بدونك ورغماً عنك".

لم يكتف كتّاب الصحف الإسرائيلية أولئك بالإعلان عن أمنيات أو رغبات، بل قدموا أيضاً تدرجات الخطة التي سيجري اتباعها للوصول إلى هذا الهدف، بدءاً من إعلان ضم غور الأردن وصولاً إلى ضم الضفة الغربية نفسها، وإلغاء اتفاق السلام مع الأردن مما يجعل النظام الأردني هدفاً مشروعاً للإطاحة به.

ما سبب الهستيريا اليمينية؟

هذه الحملة ليست من فراغ، بل هناك أسباب أغاظت اليمين وجعلته يصاب بهستيريا التهديد الذي عايناه في الحملة. ومن أهم هذه الأسباب:

أولاً:استعادة الباقورة والغمر. وإصرار الأردن على عدم التمديد.

ثانياً: الرسائل الخشنة الأخيرة، مثل سحب السفير حتى الإفراج عن موقوفين أردنيين، ومحاكمة متسلل إسرائيلي علانية.

ثالثاً: المناورة العسكرية التي أعلن عنها الجيش الأردني "سيوف الكرامة" والتي كانت بمثابة رسالة واضحة بأن الأردن عند الحدود القصوى يملك جيشاً بندقيته ما زالت تعرف الحدود الغربية.

رابعاً: الصلابة الأردنية في موضوع القدس ورعاية المقدسات. وذهاب الأردن بها إلى أبعد مدى.

خامساً: رفض الأردن فصل المسار الأردني عن المسار الفلسطيني.

سادساً: البرود والامتعاض الأردني من تقارب "تطبيع" بعض العواصم العربية الخليجية مع الحكومة الإسرائيلية.

نهاية الخرافات المتبادلة

التطور الأخير، مع ما تحمله خطة اليمين الإسرائيلي تجاه الأردن، تثبت أن ثمة خرافتين حكمتا العلاقة الأردنية الإسرائيلية بدأت بالتصدع وربما التلاشي.

الخرافة الأولى تتعلق بمقولة "الأردن محمية من إسرائيل" فهذه مقاربة تتصدع بقوة وتتلاشى. فالتحولات الجارية في إسرائيل، و مع استقرار الحكم لليمين الإسرائيلي أكثر، باتت المقاربة الأكثر حضوراً تقول: بأن "الأردن هي فلسطين".

الخرافة الثانية تتعلق بمقولة "أن الأردن يحمي حدود إسرائيل"، قد يكون ذلك صحيحاً عند سكون الاستحقاقات، لكن عندما يتعلق الأمر بفرصة اليمين بإلغاء الجغرافيا الفلسطينية، وإقامة مشروعه واستنطاق مقولاته، فلن تكون للفرضية أي أهمية، وهذا ما عبرت عنه حملة اليمين الأخيرة ضد الأردن وقيادته.

إسرائيل ترى السلام مع عمان "تكتيكياً ومرحلياً" فقط

فائدة الهجوم اليميني الإسرائيلي الأخير على الأردن والملك، أنه يعطينا إشارة واضحة بأن إسرائيل لم تنظر يوماً للسلام مع الأردن على أنه "هدف استراتيجي".

إسرائيل ترى في وادي عربة محطة تكتيكية مرحلية. فالقناعة الراسخة لديهم أن الأردن هدف مشروع، يمكن استخدامه من أجل تفريغ الحقوق الفلسطينية والديموغرافيا الفلسطينية بداخله بهدف شطب فلسطين التاريخية.

على الملك الخروج من معادلة "العلاقة بأسوأ حالاتها" إلى معادلة جديدة عنوانها "إنهم أعداء يريدون شطبنا" وهنا يجب إعادة إنتاج عناصر قوتنا، حتى نواجه معاً "شعبياً ورسمياً" توحش إسرائيل والبيت الأبيض.

الملك يملك خيارات وعناصر قوة

ختاماً، يدرك الملك أن المعادلة معقدة، وأن الانكشاف الإقليمي للأردن وللفلسطينيين كبير وضاغط. لكن هذا لا يعني الاستسلام أو القبول بالأمر الواقع.

ومن هنا نفهم "فلسفة" تلويح الأردن بالخيار العسكري من خلال مناورة سيوف الكرامة، فالمشروع اليميني ليس مجرد تحرش سياسي، بقدر كونه تحدياً وجودياً للملك والأردن.

خيارات الأردن والملك متاحة، أهمها الرهان على الرفض الفلسطيني ودعمه، وتصميغه بما يكفي ليبقى واقفاً، كما أن الأردن يحتاج إلى جبهة داخلية أكثر تصالحاً وتماسكاً.

في الختام، لا تملك عمّان إلا رفض طروحات اليمين، ولا يملك الملك إلا الصلابة لمواجهة كل ذلك، كما أننا بحاجة أكبر لتوسيع مستوى العلاقات بين "تركيا وقطر" بما يضمن توازن الملاذات.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي