في كلمات معدودة يحكي المثل الشعبي ضميرَ أجيالٍ وشَواهِدَ ماضٍ مُوغِلٍ في القدم، في عبارات آسِرَةٍ موزونة يَنْظُمُ المثل الشعبي تاريخاً من الفعل الاجتماعي، ويُعلن عن عَرَاقَةِ المشترك وقدرته على اختزال القول وتوسيع مدارك المعنى.

فالمثل حكمة تتأسس في البدء والانتهاء على"التقشف" اللغوي والبذخ المجازي. فَوَرَاءَ كل مثل، حكايا وتجارب إنسانية، أثمرت محنة أو منحة، واهتدت بعداً إلى فصل المقال فيما بين الإنسان والواقع من مثال ولسان حال.

إن الأمثال الشعبية، وفي أي مجتمع من المجتمعات، هي بمثابة "المدونة" أو "الدستور الاعتقادي" الذي يحدد أساسيات المعاملات بين الناس ومسلكياتها، وفق منظور تفسيري وتدبيري للواقع، فالمثل يُوجه ويؤطر ويحدد احتمالات الفعل والقول، بناءً على حاصل التجربة أو بنية الرؤية التي أوجدته في زمن فائت، خصوصاً إذا ما أكسبته "التكرارية" و"الاستعمالية" قوة التأثير وصيغ الاستدامة والشيوع.

الأمثال الشعبية في أي مجتمع من المجتمعات هي بمثابة المدونة أو الدستور الاعتقادي الذي يحدد أساسيات المعاملات بين الناس ومسلكياتها.

عبد الرحيم العطري

نقرأ في "مجمع الأمثال" للميداني أنه "يجتمع في المثل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام، وهي إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكناية فهو نهاية البلاغة"، ما يجعل منه قولاً سياراً مأثوراً يتواتر من جيل إلى آخر، بكلمات محدودة واستعارات لانهائية، لِيُسهم بذلك بقسط وافر في التنشئة الاجتماعية، بوصفه "نظرة مجتمعية للكون" تبين المباح والمستحب والمذموم من فعل أو قول.

يلعب المثل الشعبي أكثر من دور في إطار منظوماتنا التداولية، فهو من بين القنوات التواصلية المهمة، التي تُعفي الأفراد من الإطناب أو الترافع والحجاج دفاعاً عن فكرة ما، يكفي أن يستنجد المرء بأمثال من قبيل "سَبَّقْ الميم ترتاح" و"آشْ خَاصَّكْ أ العريان، خاصني خاتم أ مولاي" من السجل المغربي، أو "يا خبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش" أو "يا فرعون من فرعنك، قال ما لقيتش حد يلمني" من السجل المصري، يكفي هذا التوظيف ليتحقق الإقناع وحتى الإفحام، فالمثل متن تواصلي فائق الفاعلية، ينوب عنا في التشوير والاستجماع والتأويل.

مثلما يؤدي المثل الشعبي أدواراً أخرى تنفتح على التربية والتعليم والترفيه، بسبب حمولاته الأخلاقية التي تحدد بوصلة الخير والشر، وكذا بسبب دعاباته وقفشاته المثيرة للابتهاج، ما يجعل منه "خارطة طريق" تساعد المرء على حسن الأداء والتصرف حيال ما يواجهه في حياته من صعاب، أو ما يعترضه من استفهامات بصدد التدبير والتغيير، تماماً كما هو الأمر في هذه النماذج الممهورة بتوقيع لبنان الأرز: "ياللي بدو يلعب مع القط، يتحمل خراميشو" و"شو بيضر السما من عياط الكلاب"، أو القادمة من عراق الرافدين: "المبلل ما يخاف من المطر" و"الما يعرف يرقص يقول الأرض عوجا".

يتحول المثل الشعبي وفي أحايين معدودة إلى سند رئيس لتحقيق النجاعة المهنية وقيادة التغيير في الممارسات الاقتصادية والاحترازات السياسية والقرارات الاجتماعية.

عبد الرحيم العطري

ويمكن أن يتحول المثل الشعبي، وفي أحايين معدودة، إلى سند رئيس لتحقيق النجاعة المهنية وقيادة التغيير، في الممارسات الاقتصادية والاحترازات السياسية والقرارات الاجتماعية، إضافة إلى أنه يتحول إلى آلية نقد واحتجاج على الجور والظلم وغياب العدالة الاجتماعية، فـأمثال من قبيل: "إيلا كان القاضي خصيمك، غير اجمع رسومك" و"حاكمك وظالمك ولمين تشتكي أمرك" و"المحبة تجي بالكيف ما بالسيف" و"اللي ما عندو فلوس كلامو مسوس" و"إذا خضيت المي ما بتطلع زبدة"، كلها تحيل إلى مدونة للخطاب والممارسة، للتعاطي مع الحياة في تخريجاتها المفاجئة والمربكة في كثير من الأحيان.

لا يُفهم من هذا المار ذكره أن المثل الشعبي العربي، يتقدم دوماً بصورة ناصعة خالية من السلبي من إشارات، علينا الاعتراف بأن هناك ما لا يعد من الأمثال المسيئة إلى المرأة تحديداً، فضلاً عن أخرى مُؤَسِّسة لبنية التعجيز والقبول بالأمر الواقع، وثالثةٍ مُبررةٍ للتفاوتات الطبقية ومُحبذةٍ للفقر والاستسلامية والزبونية وما إلى ذلك من موانع الانتقال إلى مجتمع المواطنة ودولة المؤسسات والحق والقانون.

وهكذا نلاحظ أن الذاكرة الشعبية في مستوى تنضيد الأمثال وبنائها تمارس عنفاً رمزياً تجاه المرأة عبر تشبيهها بالأفعى والشيطان، ما يُسهم في بناء صور نمطية سلبية، تتغذى منها التواصلات المجتمعية وتَتَبَلْوَرُ من خلالها التمثلات والمواقف والممارسات، فالرجل الذي يصبح ويمسي على خطاب قائل بأن "كيد النسا غلب كيد الرجال" و"اللي يعمله إبليس في عام، تعمله لَمْرَا في ساعة" و"هم البنات إلى الممات" و"شاور المرأة لا تعمل برأيها" و"الضرسة والمرا ما ينفع معاهم غير الكلاب والبرا" (البرا هنا بمعنى ورقة الطلاق)، لا بد أن يحتقر المرأة ويعنفها، بل ويجد المبرر، داخل المتن الشعبي، لتكرار جُرمه والاعتداد به.

نلاحظ أن جانباً مهماً من الأمثال يقوّي من ثقافة الحذر المبالغ فيه ويحد من المبادرة ويُسيج الفعل بكثير من المحاذير التي تخلق في النهاية شخصيات عاجزة مسلوبة الإرادة.

عبد الرحيم العطري

كما نلاحظ أن جانباً مهماً من الأمثال يقوّي من ثقافة الحذر المبالغ فيه، ويحد من المبادرة ويُسيج الفعل بكثير من المحاذير، التي تخلق في النهاية شخصيات عاجزة مسلوبة الإرادة، تنقاد نحو ما يقرره لها الحكام، وهكذا تتواتر باستمرار أمثال التخويف من سوء المآل، في حال الخروج عن القطيع والسباحة ضد التيار، وذلك من نظير "امش جنب الحيط" و"الحيطان لها ودان" و"اللي ما يسمع ري كبيرو الهم تدبيرو" و"اللي قالها المخزن هي اللي كاينة" و"العين ما تعلاش على الحاجب" و"اللي بيطلع فوق تنكسر رقبتو" و"مد رجلك على قد لحافك" و"الإيد اللي بتضربك بوسها".

إن هذه العينة من الأمثال المترددة في أكثر من قطر عربي، وبفارق بسيط في اللحن أو الكلمة، تشيع فكراً انهزامياً يقبل بواقع لا يرتفع، ولا يرغب أساساً في تغييره، وإن تجذيرها في أبنية التنشئة الاجتماعية، لا بد أن يفسر جزءاً أو كلّاً من حالة "الشلل التغييري" التي أصابت المواطن العربي في مقتل، والتي جعلته يصاب بمتلازمة ستوكهولهم التي تشير، في علم النفس، إلى دفاع الضحية عن جلاده وتماهيه معه. فهذا النوع من المثل الشعبي، ومن فرط تكراريته وقوته التأثيرية، يقتل في الناس كل احتمال للخروج عن طوع السائد والتفكير بطرائق مختلفة، تجعلهم يحلمون بواقع آخر تتساوى فيه الحظوظ وتُقتسم فيه الثروات بشكل عادل. ذلكم ما لا يكون ممكناً بوجود مثل يقول "اللي بِيْبُص لفوق يتعب"، فالمفروض تبعاً لهذا "الأمر" الشعبي أن يكف المرء عن الحلم وأن يكتفي بفقره ويفرح به ولا يتعب نفسه في التغيير، فـ"ابن الوزير وزير وابن الفلاح فلاح".

إن الحالة السياسية العربية الراهنة بانسداداتها وإخفاقاتها، لا يمكن أن تكون نتاجاً خالصاً لأزمة فوقية مرتبطة بالنخب الحاكمةفقط، ففضلاً عن وجاهة هذا العنصر، يمكن الحديث عن بناء ثقافي تحتيٍّ مسنود بأمثال شعبية انهزامية تؤسس للخنوع والانقياد، وهو ما يوجب التفكير في مشروع"ثوري"لغربلة هذه الأمثال السلبية، وإزاحتها من سياقنا التداولي، حتى نتمكن من تشكيل وعي عربي قادر على التحرر والفعل والتغيير، أملاً في أن يصير ابن الفلاح وزيراً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي