لا بدَّ أن نعي بأن دولاً لا تمتلك بترولًا ولا ذهباً ولا فضة تتفوق علينا في سلم التنمية الإنسانية لأنها ببساطة قطعت مع ثقافة الحداد والشكوى واستثمرت بشكل بناء في الإنسان  

كثيراً ما نُمعن في جلد الذات، ربما التذاذاً أوانتقاماً من سوء أحوال، و"لا معنى" حال أو مآل، هكذا "نحن" من  الماء إلى الماء، ننتصر لثقافة الحداد ضداً على الفرح والاحتفاء، نبكي كثيراً، وما إن تنتابنا نوبة ضحك هيسترية، حتى نغلق الباب سريعاً، ونتمنى أن تكون عاقبة ضحكنا خيراً. لقد جبلنا على الحزن، ولا غرابة في ذلك، فنحن نعتصر الألم باستمرار، ونتجرع مرارة النكسة تلو النكسة، نبحث عن كوة ضوء في مشهدنا العربي الهادر، فلا نجد إلا أخبار الموت والألم والضياع.

لكن لنطرح السؤال بغير قليل من البراءة، ألسنا مجتمعا شَكَّاءً؟ يشكو كثيراً، وبغير مناسبة، يستحب المظلومية ويفسر كل شيء بنظرية المؤامرة، ألسنا كذلك بالفعل وبالقوة، نرى في الآخر، مسؤولاً عن كل الخيبات، وننزه الذات عن كل الخسارات؟ نعتقد أنفسنا قادمين من زمن ملائكي، فيما المختلفون عنا هم سبب كل هذا الدمار، الذي يسيج حيواتنا؟

نحن مجتمع يشكو كثيراً؛ يستحب المظلومية ويفسر كل شيء بنظرية المؤامرة.

عبد الرحيم العطري

لنفكر بصوت عالٍ، وببرود تام، إذ يفترض فينا أن نشتغل على مواضيع ساخنة بمناهج باردة، يفترض فينا أيضاً أن نسائل الذات بمزيد من الصرامة والموضوعية، حتى نصل إلى أحواز الحقيقة ونكتشف المعنى المخبوء خلف الظاهر. لنفكر بصوت عالٍ، وببرود تام، لنقول بأننا ظاهرة صوتية كما قال القذافي يوماً، وأننا مجتمع حكاء يميل إلى الحكي المتواتر، يبحث عن السُرود ويحتفي بها، ويحقق احتمالاته من خلال أبطالها وملاحمها، ذلكم هو العربي، من المحيط إلى الخليج، يأسره الحكي، ويحقق به انوجاده الممكن في مختلف تمظهراته الثقافية والسياسة والاجتماعية.

لقد غدت مواقع التواصل الاجتماعي، منصات رقمية لبث الشكوى و"تحيينها" وجلب "اللايكات" لها من كل حدب وصوب.

عبد الرحيم العطري

من هنا كان للحكواتي دور بالغ في التنشئة الاجتماعية للأفراد والجماعات، وكانت لِحكايات الجدة الفاعلية الأساس في بناء الأخيلة وإعادة ترتيب الشخوص والمواقف والتمثلات، بل وتحديد أنماط العيش و"النظرة إلى الكون" بتعبير ماكس فيبر. نحكي لِنُعلن عن وجودنا المفترض، نحكي لنصنع "وجاهتنا" في سوق التبادلات الرمزية، ونؤكد للعالم، وبقوة الأشياء، نحن هنا والآن.

على درب الحكي تنبجس الشكوى ونتبادل الهموم والآمال، ولا نَمَلُّ من التكرارية، ففي الشكوى تفريغ وتجاوز وانتصار، بالرغم من كوننا تعلمنا منذ الصغر بأن "الشكوى لغير الله مذلة". لا نجد حرجاً في بث شكوانا إلى الشبيه والنقيض، طلباً لمعونة رمزية تتمثل في التواطؤ أو التضامن، وأملاً في التخلص من أهوال تدمي الخافق وتصنع المعاناة.

لهذا كانت لقاءات أمهاتنا في الحمامات والمخابز والآبار، فرصاً لتبادل الشكاوى وتفريغ الذوات من "كسر الخاطر"،مثلما كانت فضاءات المقاهي والحارات أشبه ما تكون بديوان مظالم يفيد منه آباؤنا في التفريغ وإعادة ترميم الذات.

صرنا اليوم أمام "غرافيتيا إلكترونية" تتواصل بكل امتلاء، على جدران الفايسبوك والتويتر والإنستغرام، "جدران مبكى" تشكو سوء الطالع

عبد الرحيم العطري

أما اليوم وقد انسحبت هذه الفضاءات من هذا اليومي المربك للحسابات والوقائع، فقد استعاض العربي عنها بمواقع جديدة وبتكنولوجيا تحديثة، في سياقات "النت" والافتراضي، لقد غدت مواقع التواصل الاجتماعي، منصات رقمية لبث الشكوى و"تحيينها" وجلب "اللايكات" لها من كل حدب وصوب

صرنا اليوم أمام "غرافيتيا إلكترونية" تتواصل بكل امتلاء، على جدران الفايسبوك والتويتر والإنستغرام، "جدران مبكى" تشكو سوء الطالع، تنتحب حزناً على فائت مر، وراهن بئيس وغد مجهول، بتنا نصادق الشكاوى ونطالعها عبر وسائط الميديا، بعد أن كنا نقتسمها مع الشبيه سراً، عفواً لقد انتهى زمن السرية وانبلج فجر العلنية والفضائحية مع بروز وتَغَوُّل الميديا.

في مصر القديمة، وبعيداً عن القلم السلطاني الرسمي، ظهرت وثيقة دالة، من تاريخ المهمشين والمنسيين، إنها بالتحديد: "شكاوى الفلاح الفصيحالتي تعد أول وثيقة في العدالة والبحث عن كرامة الإنسان، ذات الوثيقة الغميسة اشتغل عليها المخرج شادي عبد السلام وحولها إلى فيلم سينمائي . في هذا المتن الرائع نكتشف المرافعات التسع التي تراوحت بين المديح والهجاء، التي تعتمل فيها الشكوى أملاً في استعادة الحق، صُعوداً إلى "شكوى الشكوى" في العتبة التاسعة، حيث يستبد اليأس بالفلاح الفصيح ويتجه صوب أنوبيس الإله الحامي للموتى يشكو حالهويقرر الانتحار.

علينا الاعتراف بأننا نتجاوز الحدود المقبولة في الشكوى، وأننا متفننون في "سحل" الذات وتقديمها "مصلوبة" استدراراً للشفقة والتعاطف

عبد الرحيم العطري
ليس هناك من درس من شكاوى الفلاح الفصيح، سوى أنه في حالة "اللا جواب" الذي تُقابل به شكاوى المواطن العربي، هنا والآن، سوى أنه سيبحث عن "الخلاص"، وسينحت لنفسه طريقاً آخر لمداعبة الجراح ومقاومة الآلام، قد يكون الموت جواباً، قد يكون الانسحاب من الشأن العام جواباً، قد تصير حالة "اللامعنيين" التي تتسع في مشهدنا العام جواباً على عدم تدبير الشكوى بالإنصات والتجاوب.

علينا الاعتراف بأننا نتجاوز الحدود المقبولة في الشكوى، وأننا متفننون في "سحل" الذات وتقديمها "مصلوبة" استدراراً للشفقة والتعاطف، حتى نتحرر من كل المسؤوليات. لا نحضر في الموعد ونلقي باللائمة على القطار أو الحافلة، لا نحضّر جيداً للامتحان، ونقول بأن الأستاذ امتحننا في موضوع لم ندرسه. لم نحقق نهضتنا المجتمعية، ونعتبر أن "الغرب الغاشم" هو الذي أخرنا ومنعنا من التقدم. دائماً الآخر هو الجحيم وأننا نحن القادمون من زمن "الصلاح" والفارقية.

متى انتهينا من بث الشكوى وانطلقنا نحو العمل الجاد، أمكننا آنئذ أن نحقق ثورتنا الثقافية ونتحرر من دياجير التخلف والهوان

عبد الرحيم العطري

عفواً، اعذروني إن كانت كلماتي صادمة وعباراتي قاسية، فنحن بحاجة إلى صدمة تعيدنا إلى "حقيقتنا" لنخرج من العلبة، ونعي جيداً أن دولاً لا تمتلك بترولًا ولا ذهباً ولا فضة، تتفوق علينا في سلم التنمية الإنسانية، تتفوق علينا لأنها تقطع مع ثقافة الحداد والشكوى، تتفوق علينا لأنها تؤمن بالإنسان وتستثمر في الإنسان، تعليماً وصحة وعدلاً، وتجني بذلك نمواً وألقاً في كل المجالات.

متى انتهينا من بث الشكوى وانطلقنا نحو العمل الجاد، أمكننا آنئذ أن نحقق ثورتنا الثقافية ونتحرر من دياجير التخلف والهوان، وما ذلك علينا بعزيز. بدل أن نكون مجتمعاً حكاءً وشكاءً، يتوجب علينا استبدال الحروف والتوصيفات حتى نصير مجتمعاً بَنَّاءً لا غير، ذلكم هو أعزما يطلب اليوم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأيكتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي