يبدي الإسرائيليون اعتقادهم بأن ترامب ونتنياهو عملا على تضخيم أبعاد الاتفاق مع الإمارات، لأن نتنياهو يعرف كمعظم الإسرائيليين، أن كل مقارنة لهذا الاتفاق باتفاقات السلام التي وقعتها إسرائيل مع جاراتها في مصر والأردن، هي تضخيم مفتعل وغير واقعي!

فور الإعلان الأمريكي عن توصل إسرائيل والإمارات إلى اتفاق سلام كامل، وترسيم شامل لعلاقاتهما السياسية والدبلوماسية، وصولاً إلى تبادل السفراء وإقامة السفارات، بدأت تخرج المواقف الإسرائيلية والفلسطينية، بين ترحيب إسرائيلي وصدمة فلسطينية.

اهتمت وسائل الإعلام والأوساط السياسية الإسرائيلية بالحديث عن اتفاق التطبيع بين تل أبيب وأبو ظبي، لكنها أخذت زاوية مهمة في الاتفاق، تتعلق باستمتاع محمد بن زايد وبنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة المتهم بالفساد، بهذا الحدث السياسي المثير للانطباع، رغم توفر قناعات إسرائيلية مفادها أنه عندما يطبخ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "طبخة ما"، نكون واثقين أن التضخيم سيدفن الحقائق، والمناورة ستطمس الوقائع، والتفاصيل الصغيرة والقاتمة خلف الصفقة ستظهر هذه التصريحات المنمقة بصورة سخيفة حول انفراج وتحول تاريخي.

يبدي الإسرائيليون اعتقادهم بأن ترامب ونتنياهو عملا على تضخيم أبعاد الوهم الذي تبدى كما لو كان وقائع باهتة، ممثلاً بالاتفاق مع الإمارات، لأن نتنياهو يعرف كمعظم الإسرائيليين، أن كل مقارنة لهذا الاتفاق باتفاقات السلام التي وقعتها إسرائيل مع جاراتها في مصر والأردن، هي تضخيم متوحش ومفتعل وغير واقعي!

نتنياهو من جهته عمل على تسويق الاتفاق مع الإمارات، وكأنه يؤمن علاقات دبلوماسية كاملة بما في ذلك تبادل السفراء، وعلى الفور أعلن البيت الأبيض أن الأمر يتعلق فعلياً بعملية تدريجية ومشروطة، رغم رفض نتنياهو بشدة الادعاء بأن الاتفاق تم التوصل إليه بفضل تأجيل عملية الضم، وليس بإلغائها!

أما اليساريون الإسرائيليون فعبروا عن الأسف لدفع الفلسطينيين إلى الهامش، رغم المواقف الإسرائيلية التي تؤكد أن أصدقاء ترامب وشركاءه في الإمارات والبحرين والسعودية، هبوا لمساعدته وهو الذي يعاني من أوضاع صعبة، أما نتنياهو، ومع انعدام الخيارات أمامه، وفقدان قدرته على أن يرفض طلب صديقه ترامب، فقد دفع نفسه إلى زاوية يصعب الخروج منها.

صحيح أن إقامة علاقات رسمية مع إمارة خليجية ستسر معظم الإسرائيليين، لكن الأمر يتعلق بإنجاز متواضع، لا يحتل العناوين لفترة طويلة، ولن يدفع إلى الهامش المشاكل المشتعلة ضد نتنياهو: كورونا، والأزمة الاقتصادية، والفساد الشخصي، لأنه من المشكوك فيه أن نتنياهو نفسه يؤمن بالأوهام التي نثرها، فبعض رؤساء المستوطنين عبروا عن غضبهم بشأن خطوته، وخيبة أملهم من خرق وعوده لهم بإعلان الضم في الأسابيع الماضية.

اقرأ أيضاً:

اتفاق العار.. أو الطعنة من الخلف؟

في الوقت ذاته يمكن النظر إلى الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي على أنه بشرى إسرائيلية سارة لسبب رئيسي يكمن في أنه اتفاق التطبيع الثالث مع دولة عربية، والأول مع دولة خليجية، رغم أن هذا السلام خاص بنتنياهو، "فإذا تطور وازدهر فهو له، وإذا تشوش وألغي فهو له"، ويبقى السؤال: هل سيقف نتنياهو وترامب عند كلمتهما؟ وهل أعطيا بن زايد تعهداً خطياً بشأن سياسة إسرائيل في الضفة الغربية، أم كله كلام في كلام؟

لا ينفي الاتفاق حقيقة أن التطبيع الجزئي كان قبل ذلك بكثير، بل إن علاقات تل أبيب وأبو ظبي توقفت أن تكون سرية منذ زمن بعيد، حيث تحتفظ إسرائيل هناك بممثلية، وتجري اتصالات دبلوماسية وأمنية، ورئيس جهاز الموساد ضيف مرغوب فيه هناك، وعندما تورط الموساد في تصفية القيادي في حماس محمود المبحوح بإمارة دبي في 2010، لم يبد رئيسه مائير داغان التأثر والقلق، لأنه عرف كيف يتدبر أمره مع قادة الإمارات.

لكن في الوقت نفسه، فإن إقامة علاقات دبلوماسية إسرائيلية كاملة مع الإمارات، تفتح الباب لإقامة علاقات كاملة مع دول أخرى مثل: البحرين، وعمان، والسعودية، والمغرب، وربما السودان، مع أن اتفاق السلام الثالث الذي توقعه إسرائيل مع دولة عربية بعد مصر (1979) والأردن (1994)، هو عكس ما اعتادت عليه على مدى السنين، حين كان يتطلب منها أن تتنازل عن أراضٍ تسيطر عليها كي تحقق اتفاقات سلام مع العرب، وباتت الصيغة الجديدة "السلام مقابل السلام"، بدلاً من "الأرض مقابل السلام".

في الوقت ذاته بدا لافتاً الهجوم الذي شنه ناشطون إسرائيليون وصحفيون يهود مناهضون للاحتلال على تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، في إطار ما وصف بـ"اتفاقية سلام" بين الجانبين، بوساطة أمريكية، وبرروا رفضهم لهذا الاتفاق بالإشارة إلى أنه يأتي في إطار مساعي تلميع الاحتلال وممارساته في الأراضي الفلسطينية، والإمارات وانتهاكاتها باليمن.

من هذه المواقف ما أصدرته مجموعة "كود بينك" للسلام، بقول مديرتها أريئيل غولد: إننا "لا ننخدع بهذه الدبلوماسية الزائفة، وهي وسيلة للحفاظ على الوضع الراهن لإسرائيل المتمثل بممارسة سرقة الأراضي وهدم المنازل والقتل التعسفي خارج نطاق القانون والفصل العنصري، فضلاً عن انتهاكات أخرى لحقوق الفلسطينيين، فالضم واقع يومي على الأرض، ومن خلال تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون أي مكاسب للفلسطينيين، تتعهد الإمارات بالتواطؤ مع انتهاكاتها للقانون الدولي وحقوق الإنسان الفلسطيني".

اقرأ أيضاً: العلاقات مع إسرائيل بين تركيا والإمارات.. ليس هناك وجه للمقارنة

كما يأتي الاتفاق في إطار سلسلة ممتدة من الممارسات الأمريكية، وأبرزها نقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، وإعلان صفقة القرن دون مشاركة فلسطينية، ولا تنفصل الخطوات الإماراتية عن مشاركتها مع السعودية في حرب اليمن "الوحشية".

أكثر من ذلك فإن أوساطاً إسرائيلية تعتقد أن الصفقة التاريخية بين الإمارات والاحتلال لا تقرب الشرق الأوسط من السلام، بالعكس فإنها تعزز التحالف الإسرائيلي الأمريكي الخليجي ضد إيران، ممَّا سيزيد من تأجيج التوترات، ويسبب الموت والمعاناة، والحفاظ على وضع إسرائيل القائم على الاحتلال والفصل العنصري.

إن الاتفاق الإماراتي مع إسرائيل ينقلها من دعم الفلسطينيين إلى دعم الاحتلال الإسرائيلي الذي لا ينتهي، ويعزز تحالفها مع إدارة ترامب، ما يتيح لها شراء المزيد الأسلحة التي تستخدم ضد المدنيين في اليمن، كما أن ولي عهدها محمد بن زايد يستخدم موارد بلاده العسكرية والمالية لإحباط التحركات نحو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

لا يتردد الإسرائيليون في الإشارة إلى أن الاتفاق مع الإمارات يتعلق بتحسين صورة نتنياهو، ودعم حملة الرئيس الجمهوري ترامب الانتخابية، بدلاً من إحلال السلام في الشرق الأوسط، كما يظهر مصلحة نتنياهو وبن زايد في إبقاء ترامب في البيت الأبيض، وهكذا فإن تطبيع العلاقات بين أبو ظبي وتل أبيب، الذي سهلته واشنطن، دعم ثلاثة قادة قمعيين: ترامب ونتنياهو وبن زايد، وسيؤدي لمزيد من الضرر للفلسطينيين.

في حين جاء الكاتب الإسرائيلي بين نورتون أكثر قسوة بتوصيف الاتفاق مع الإمارات بقوله: إن "الإمارات دولة استبدادية مطلقة وعميلة للإمبريالية الأمريكية، وإن تطبيع علاقاتها مع نظام الفصل العنصري الإسرائيلي تأكيد إضافي أنها دمية لدى الإمبراطورية".

وقال الصحفي الإسرائيلي دان كوهين: إن "الاحتفالات بما تعتبره تل أبيب وأبو ظبي وواشنطن إنجازاً، سيدشن بقصف إماراتي على غزة، وضربات جوية إسرائيلية على مدارس اليمن"، في اتهام لهما بتبادل الأدوار!

أما محاولة الإمارات الترويج لتطبيعها مع إسرائيل بأنه انتصار للفلسطينيين، الذين يمكنهم أن يطمئنوا لأنهم سيعيشون تحت الاحتلال الدائم، دون ضم أراضيهم مؤقتاً، فيعتبرها بعض الإسرائيليين "سفسطة وقحة"!

على الصعيد الفلسطيني، فقلما توافق الفلسطينيون في السنوات الأخيرة على موقف سياسي بعينه، في ظل حالة الانقسام التي طال أمدها، إلا أن اتفاق الإمارات وإسرائيل بدد معظم خلافاتهم، ولو مؤقتاً، من خلال صدور تصريحات وردود فعل فلسطينية منددة ومستنكرة ورافضة للسلوك الإماراتي، وقد تساوت هذه المواقف بين السلطة الفلسطينية وحماس على حد سواء، وبينهما جميع الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية.

الاستثناء الفلسطيني الوحيد في دعم اتفاق الإمارات وإسرائيل جاء من تيار محمد دحلان الذي يقيم في أبو ظبي، ويعتبر المستشار الأمني لبن زايد، ويجلس بجانب أذنه اليسرى، حيث تسربت معلومات متزامنة مع إعلان الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي مفادها أن هناك خطة كبرى يعدها ترامب ونتنياهو وبن زايد تستهدف الرئيس الفلسطيني محمود عباس وخلفاءه المحتملين.

هؤلاء الثلاثة، وبجانبهم ولي العهد السعودي، وملك البحرين والرئيس المصري، يطبخون جميعاً خطوة الاستبدال في مكتب عباس برام الله، والنية السائدة في هذه العواصم أن ينزلوا دحلان هناك، وبإسناد عربي، وتأييد أمريكي، وغمزة عين إسرائيلية، وهم يتجندون لإجلاسه "زعيماً جديداً على الكرسي الفلسطيني".

كل ما تقدم يشير إلى أن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي يعبد الطريق إلى السلام الإقليمي مع دول الخليج، وهو فكرة توجد على جدول الأعمال الإسرائيلي منذ سنوات عديدة، على أن تكون الترتيبات معاكسة، أولها السلام الإقليمي، وبعد ذلك الفلسطينيون، ممَّا جعل كوشنير يقنع الإمارات، وبالتالي منح هذا الاتفاق انتصاراً لخط نتنياهو!

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي