في المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس" في دورته لعام 2020، كان واضحاً الاهتمام الكبير الذي أولاه المشاركون، وهم ثلة من كبار القيادات العالمية في مجالات السياسية والمال والاقتصاد، لقضية الاحتباس الحراري وزيادة حرارة الأرض.

فالعالم الذي "يحترق" على حد قول سيمونيتا سوماروغا رئيسة الاتحاد السويسري، قد فرض نفسه على أجندة المجتمعين، وهو ما يوحي بأن التغير المناخي، وإعادة الاعتبار للتوازن البيئي ومحاربة انبعاث الغازات السامة سيكون عنوان العقد المقبل.

ولكن يبدو أن هذا التفاؤل لا يخلو من سذاجة غير مُدّعاة، فمن بين الحضور كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وفي الوقت الذي ركز فيه أغلب الكلمات، إن لم يكُن كلها، على أهمية مكافحة آفة الاحتباس الحراري، كان الرئيس ترمب كأنه قادم من كوكب آخر، وبدأ كعادته الأثيرة على نفسه بالتغريد خارج السرب.


فبالإضافة إلى حديثة عن عظمة أمريكا وكيف غدت تحت رئاسةٍ أكثر قوة وازدهاراً (وهو أمر محلّ شكّ الكثيرين)، فإنه لم يرفض الاعتراف بكارثة التغيُّر المناخي، بل اعتبر أن الناشطين في مكافحتها ما هم إلا مجرد "أنبياء للهلاك"، داعياً إلى رفض "تنبؤاتهم بنهاية العالم".

لقد وضعَنا ترمب أمام حقيقة مهمة ربما لا تُرى بالعين المجردة مع تلاحق الأحداث من حولنا، لدرجة أن الواحد منا بات يشعر كأنه في دوامة لا نهاية لها. هذه الحقيقية تتعلق بالشرخ الكبير الحاصل بين التوجهات العامة في السياسية الدولية بين تيارات اليمين الشعبوي الصاعدة، والليبراليين الذين يكافحون من أجل الحفاظ على حالة الأمر الواقع. وإذا كانت الأجندة التي سيطرت على المداولات بينهم قد شملت إلى حد كبير قضايا الهجرة والأزمة الاقتصادية على سبيل المثال، فإن التغيُّر المناخي سيكون على رأس تلك الأجندة التي ستشهد احتداماً أكبر بينهم في قابل الأعوام.

لا شكّ أن العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين قد شهدت بشكل لافت صعود تيَّارات اليمين الشعبوي بالقدر الذي أصبح معه من الصعوبة بمكان أن تجد إقليماً من أقاليم العالم يخلُو من صعود واضح ولافت إما لشخصيات وإما لأحزاب شعبوية. فقد شهدنا على سبيل المثال صعود الرئيس ترمب في الولايات المتحدة، والبريكسيت في بريطانيا الذي تكللت مسيرته بفوز جونسون في الانتخابات البريطانية. هذا بالإضافة إلى ظهور حزب البديل في ألمانيا، وهو أول حزب يميني يدخل البرلمان الألماني منذ عقود، وصعود الأحزاب الشعبوية في بلدان مثل النمسا والبرازيل وإيطاليا والهند وإندونيسيا وبولندا. وبحلول عام 2018 كان ما يقرب من 20 من القادة الشعبويين يشغلون مناصب تنفيذية حول العالم.


وقد تنوعت التيارات اليمينية الشعبوية في توجهاتها العامة، فكان منها "الشعبوية الثقافية" التي حاربت التنوع الثقافي والعرقي، ووضعت الهجرة والاختلاف الهوياتي في سلم استهدافاتها. فرأينا على سبيل المثال محاربة ترمب للهجرة من خلال سياسة منع الدخول إلى الولايات المتحدة التي خصّ بها الكثير من البلدان الإسلامية، أو من خلال بناء الجدار العازل على الحدود مع المكسيك. وفي الهند يمارس رئيس الوزراء ناريندرا مودي سياسته العنصرية المتعلقة بتعزيز القومية الهندوسية على حساب باقي العرقيات من خلال مشروعه للجنسية المثير للجدل الذي أثار موجة من الاحتجاجات الكبرى في الهند.

كما كان منها اليمينية المناهضة "للمؤسسة" السياسية، أي للبيروقراطيات التقليدية التي سيطر عليها في الغالب على مدار عقود التيارات الليبرالية أو تيارات الوسط. وقد تَبنَّت هذه التيارات سياسة التحريض على النخب الحاكمة من خلال مخاطبة وإثارة عاطفة الشعوب، مستثمرين بشكل فعَّال وسائل الإعلام الجديد مثل السوشيال ميديا وغيرها، جنباً إلى جنب مع حالة السخط التي تلت الأزمة المالية العالمية عام 2008. 

وقد استطاع بعض هذه النخب الحفاظ على مكتسباتها كما حصل في بريطانيا عندما استطاع رئيس الوزراء جونسون الفوز مجدداً في الانتخابات العامة ليحقق حلم اليمين البريطاني الشعبوي بالانفصال عن أوروبا.

وإذا كانت السنوات العشر السابقة قد شهدت صعوداً لهذه التيارات، فإن العشرية القادمة ستشهد مضاعفات هذا الصعود ونتائجه. وهنا تكمن المعضلة، فهذه التيارات التي تتخذ من الآخر مادة لصراعاتها، وتعتبر التواصل معه ضرباً من الانتحار الثقافي وربما السياسي أيضاً، ولا تبالي بالتالي بإقامة الحواجز المادية والنفسية بينها وبينه ولو وصل الأمر بها إلى بناء الجدران الأسمنتية، لن يكون بمقدورها أن تتخذ خطوات جوهرية تجاه بناء حالة من التوافق الدولي من أجل معالجة خطر يهدد البشرية جمعاء مثل الاحتباس الحراري. 

وما فعله ترمب من خلال الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ أوضح دليل على ذلك، هذا فضل عن سياسة الإنكار التي تتصف بها قيادة هذا التيار لمثل هذه الظاهرة الخطيرة.

غالباً ستعمد هذه التيارات إلى تسييس قضية التغير المناخي وتعتبرها واحدة من الأدوات التي يسعى الليبراليون واليساريون لاستخدامها في حملاتهم الانتخابية من أجل إعادة التوازن الانتخابي معهم، أو ربما لترجيح الكفة لصالحهم. وبذلك فبدلاً من البحث عن إعادة التوازن البيئي لضمان سلامة الكوكب الذي نعيش فيه، ستسعى هذه التيارات للحفاظ على عدم التوازن الانتخابي، وبذلك تضيع القضايا الإنسانية كالهجرة وحقوق الإنسان وحقوق الكوكب في معترك البرامج قصيرة المدى لهذه التيارات الشعبوية.

لا أحد يمكن أن يراهن إذا ما كانت تيارات اليمين الشعبوي ستواصل صعودها في العقد القادم، لكن تراجعها لا يبدو أنه يمكن أن يتحقق في المدى المنظور على أقلّ تقدير، وهذا يفرض على مؤسسات المجتمع المدني، وناشطي حقوق الإنسان، وأتباع حركات الخضر Green Movements، العمل وفق منهجية صارمة من أجل تحرير القضايا الكبرى مثل الاحتباس الحراري من قبضة السياسية، والعودة بها إلى الإجماع الذي من شأنه أن يضع الحلول في طريقها السليم قبل فوات الأوان.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي