حبس التونسيون أنفاسهم وانتظروا تصاعد الدخان الأبيض من قصر قرطاج، بعبارة بعض الظرفاء، وذلك إيذاناً بالإعلان عن تكليف رئيس الحكومة الجديد من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد.

أما سعيد الحظ فكان السيد إلياس الفخفاخ الذي وقع عليه اختيار الرئيس لتشكيل الحكومة، وهو رجل من الناحية المهنية مهندس، حاصل على الماجستير من جامعة فرنسية في مجال إدارة الأعمال.

أما سياسيّاً فقد برز اسمه بعد الثورة، وأصبح وزيراً للسياحة في حكومة السيد حمادي الجبالي في ديسمبر/كانون أول 2011 قبل أن يصبح وزيراً للمالية في حكومة السيد علي العريض في مارس/آذار 2013.

وأبرز ما يُحسب له أنه رجل وسطي؛ ظل ثابتاً في انتمائه إلى حزبه التكتل، ولم يمارس ما يُعرَف بـ"السياحة الحزبية"، وهو المصطلح الذي يطلق على الانتقال من حزب إلى آخر، وهي ميزة التصقت بعديد من الانتهازيين الذين يقفزون من هنا إلى هناك بحثاً عن المناصب والامتيازات. 

كما أنه إلى جانب كفاءته في المجال الاقتصادي فإن ممارسته لوزارة المالية بالتحديد من قبل تجعله ملمّاً بالمعضلات التي تواجه البلاد اليوم على عكس سلفه الحبيب الجملي القادم من فراغ تقريباً.

ومن أهم ميزاته أيضا أن له نفس المسافة تجاه مجمل الأحزاب الفاعلة اليوم والممثلة في البرلمان. وهو ما يجعله مترفعاً عن الصراع السياسي.

كما أنه من أهمّ المؤشرات التي تمنحه الثقة قدومه من رحم الثورة بعيداً عن كل الانتماءات السياسية المتصلة، بخاصة المنظومة القديمة.

وهو القادم من "حزب التكتل من أجل العمل والحريات" الذي انتهى تقريباً سياسيّاً منذ خسارته ثقة الناخبين في الانتخابات التشريعية لمدتين متتاليتين سواء عام 2014 أو 2019.

ومما يُذكَر أيضاً أن إلياس الفخفاخ مُني بخيبة ثقيلة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، تلك التي توّجت قيس سعيّد رئيساً للجمهورية.

في ضوء ما سبق يمكن القول إن المشهد التونسي اليوم ينجلي عن صورة استثنائية جدّاً وربما لا شبيه لها في العالم. فهذا رئيس حكومة يكلّفه حزب لم يفز طوال مشاركته السياسية بأي انتخابات بينما الأحزاب الفائزة تُدعَى للتوافق والتأييد.

فإذا كان البعض يتشدّق بالاستثناء الديمقراطي التونسي فهي اليوم باتت حقيقة ملموسة على سبيل الطرافة. فالخاسر في الانتخابات التشريعية والرئاسية سيحكم ويمارس، وستسند إليه صلاحيات أكبر، وسيكون نفوذه أقوى من رئيس جمهورية منتخب بنحو 72 بالمئة من أصوات التونسيين.

المفارقة اللافتة هنا أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لا ينتميان إلى حزبين ممثلين في البرلمان، وبالتالي لا سند سياسيّاً يدعمها بشكل مباشر.

كما أنه لم يحدث في بلد ديمقراطي أن يُحرَم الحزب الفائز أو الحزب الأول في البرلمان في نظام حكم برلماني من ممارسة حقة في أن يكون على رأس السلطة التنفيذية.

ومنذ تصريحه الأول بدا رئيس الحكومة المكلف جديداً مناقضاً تماماً في تصوره للعمل الحكومي، ولفريقه، ومنهجه. فهو يؤكد أنه سيقتصر على عدد قليل من الوزراء، وسيراهن على النجاعة. ولن يعتمد المحاصصة. لكنه منفتح على جميع الأحزاب أيضا.

إذاً تجد تونس اليوم نفسها في معادلة سياسية جديدة تماماً في المسار الديمقراطي وتستحق التوقف عندها ودراستها.

ووفق ردود الأفعال الأولى للأحزاب الممثلة في البرلمان يبدو أن النية متجهة إلى منح الثقة للحكومة التي لم تتضح معالمها بعد. ولكن الخشية من حل البرلمان وهي الفرضية الثالثة بعد سقوط الحكومة الأولى وتكليف رئيس الجمهورية لرئيس حكومة جديد تجعل الجميع يرجح أنها ستمر وبأغلبية مريحة.

كما أن من الملاحظ أنه وفق تصريحه الأول فالسيد إلياس الفخفاخ يراهن على ضمان كل سبل النجاح لفريقه الحكومي القادم. ولكن هذا لا ينفي التحفظات والانتقادات التي وجهت إلى اختيار الفخفاخ من قبل رئيس الجمهورية، إذ ذهب البعض إلى الاعتقاد بأن هذا ضرب من ضروب الاستهانة بإرادة الناخبين، والاستخفاف بهم باعتبارهم منحوا قيس سعيّد تفويضاً كبيراً، وما كان عليه أن يختار شخصية من خارج دائرة الأحزاب التي حظيت بثقة الناخبين.

ولم يُخفِ العديد من الخبراء ومن الشخصيات الاعتبارية على غرار أستاذ القانون الدستوري الشهير والخبير الصادق بلعيد الذي قولهم بالحرف الواحد إن الرئيس سعيد "خيّب ظنه".

تماماً كما تساءل البعض عن جدوى الديمقراطية إذا كانت الأحزاب الفائزة لا تحكم وإذا كان المنهزم له حظ الحكم. وهو سؤال طرح بشكل مكثف منذ الإعلان عن هذا التكليف. مع العلم أن اسم الفخفاخ الذي اقترحه حزب "تحيا تونس" الذي يتزعمه يوسف الشاهد لم يتكرر اسمه كثيراً ضمن الشخصيات التي اقترحتها الأحزاب الممثلة في البرلمان.

ولم يُخفِ البعض خشيتهم من إمكانية "الاختراق" لا سيما وأن البعض أعلن صراحة، بخاصة السيد سيف الدين مخلوف رئيس كتلة ائتلاف الكرامة في البرلمان، إمكانية أن يكون الرئيس قيس سعيّد قد خضع لضغوطات خارجية من قبل فرنسا بالتحديد، لا سيما وأن اتصالاً هاتفيّاً جمع بينه وبين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ورجّح عديد أن يكون فحوى المكالمة هو تزكية الفخفاخ باعتبار أنه ينتمي إلى حزب صديق لفرنسا وينتمي إلى الاشتراكية الدولية.

إن اختيار الرئيس قيس سعيّد اليوم للشخصية "الأقدر" لتشكيل الحكومة هي قطعاً مسؤوليته المطلقة، ولكن اختيار الشخصية بهذه الطريقة التي مرت دون الاعتماد في اصطفائه على رأي الأحزاب الأولى الممثلة في البرلمان ونعني حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب يطرح علامات استفهام كبيرة حول مسار تونس الديمقراطية وقدرة الحكومة على معالجة ملفات البلد المُلحة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي