تجتاح الكثير من الدول الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتغيير. وفي الوقت ذاته تجتاح المجتمعات البشرية حالة من الاستقطاب السياسي يغذيها انتشار الدعاية الكاذبة التي وجدت ضالتها في منصات التواصل الاجتماعي.

من تشيلي إلى هونغ كونغ مروراً بفرنسا والجزائر والعراق ولبنان يبدو أن الاحتجاجات الجماهرية تجتاح الكوكب. فالفساد وسوء الإدارة وتعثر الاقتصاد والطائفية وحملات التضليل والتلاعب بالرأي العام تعتبر من الأسباب المحلية التي تحفز هذه الاحتجاجات وتدفع آلاف الجماهير للخروج إلى الشارع، رغبة منهم في إحداث تغيير لوضع لم يعد يطاق.

توجد أيضاً العولمة وما أحدثته من سوء توزيع للثروة على مستوى العالم، فما فتئت عدم المساواة بين الفقراء والأغنياء تتسمع يوماً بعد يوم. وقد شهد عام 2019 أول مرة في التاريخ يدفع فيها الفقير أو أبناء الطبقة الوسطى المتآكلة ضرائب أكثر من طبقة الأغنياء الذين يسيطرون على 99% من الثروة القومية.

بتدقيق النظر يبدو أن هذه الاحتجاجات الجماهرية العالمية تخبئ بداخلها خاصية مشتركة، يبدو أنها تظهر في جميع الحالات، وربما تعتبر الدافع العميق وراء اشتعال الكثير منها، ألا وهي الاستقطاب. إننا نعيش في مجتمعات تتزايد فيها معدلات الاستقطاب يوماً بعد يوم. وما صعود تيارات اليمين المتطرف في العديد من مناطق العالم في أوروبا والولايات المتحدة والبرازيل والهند إلا انعكاس لهذا الاستقطاب.

بعض الأرقام ربما ضرورية للإشارة إلى حجم الاستقطاب الذي بات سمة الكثير من المجتمعات. فقبل أربعين سنة كان لدى معظم المجتمعات 60% من الجمهور ينتمون إلى التيارات الوسطية أو المعتدلة، مع وجود 20% فقط ينتمون إلى التيارات الطرفية سواء اليمينية أو اليسارية. اليوم نرى أن ما يقرب من 40% من الجمهور أصبح ينتمي أو يؤيد تيارات اليمن أو اليسار، مع وجود 20% فقط لا تزال تؤيد تيارات الوسط. وهي نسبة تبقى هشة وقابلة للتأرجح باتجاه الأطراف مع كل هزة اجتماعية قد تصيب النظام السياسي أو البنية الاجتماعية في دولة ما.

تعدد أسباب هذا الاستقطاب الذي بات يميز المجتمعات في القرن الـ21. فعلى سبيل المثال يرى كل من توماس كاروثرز وأندور أودونوهو في مؤلفهما الأخير الذي حمل عنوان: "الديمقراطية المقسمة: التحدي العالمي للاستقطاب السياسي" أن الاستقطاب خصوصاً في الولايات المتحدة يعود إلى تضافر ما سمّياه "المثلث الحديدي" وهو العرق والدين والأيديولوجيا.

وإذا كان هذا المثلث الحديدي ليس بالعامل الجديد، فالمجتمعات البشرية منذ أن وُجدت تفترق وتتمايز بناء على الاختلافات العرقية والدينية والأيديولوجية، فإن البحث عن عوامل أخرى تناسب السياق الذي نعيش فيه لتفسير ظاهرة الاستقطاب يعتبر أمراً لا مفر منه.

وعند البحث في المتغيرات التي طرأت على بنية المجتمعات البشرية مؤخراً نرى أنفسنا أمام ظاهرة تجتاح حياتنا على المستويات كافة. تتمظهر هذه الظاهرة بانتشار الإنترنت الواسع وسيادة ما يمكن أن يطلق عليه "العالم الافتراضي"، وما رافق هذه الانتشار من تقنيات باتت حياتنا بتفاصيلها كافة تعتمد عليها بطريقة عضوية. من بين كل هذه التقنيات حالياً وعلى المستوى الاجتماعي تبرز منصات التواصل الاجتماعي التي قدمت في الآونة الأخيرة نموذجاً مغايراً لذلك النموذج الذي صاحبتها عند التأسيس.

فإذا كان النموذج التأسيسي لهذه المنصات تمحور بالأساس حول شبكة تتصف بالمرونة واللا مركزية تجعل من عملية التواصل أسهل وأقل رخصاً، الأمر الذي من شأنه أن يقرّب الأصدقاء والعائلات من بعضها والبقاء على تواصل دائم معهم. فإن النموذج الحالي بات منحرفاً جداً، متمثلاً باستخدام هذه المنصات في عمليات التضليل والتلاعب بالوعي والأخبار الكاذبة. وقد تعزز هذا التوجه أيضاً بدخول تقنيات أخرى تعتمد على الذكاء الصناعي مثل تقنية الـDeep Fake.

أدرك القادة السياسيون الأهمية التي يمكن أن تلعبها منصات التواصل الاجتماعي في نشر دعايتهم من أجل التلاعب بوعي الجمهور واستمالتهم من أجل التصويت لهم. خصوصاً أن الدعاية أصبحت جنباً إلى جنب مع المال السياسي هي المحددات الرئيسية للفوز بالمناصب مع تراجع الحملات الانتخابية التي كانت تعتمد على البرامج السياسية المدعومة بأفكار ذات توجهات فلسفية أو أيديولوجية محددة.

لذلك يمكن الحديث أننا نعيش في عالم مضطرب بشدة معلوماتياً. إن متلازمة الاضطراب المعلوماتي لا تقل خطورة عن جميع المتلازمات الصحية التي تصيب الجسد بالإعياء ويمكن أن تقضي عليه وتؤدي إلى وفاته. إن جهازنا المعلوماتي يعيش حالة من التوتر الشديد والإعياء، وقد سمحت حرية سير المعلومات وانتشارها عبر الإنترنت للأخبار الزائفة بالانتشار واستهداف فئات وطبقات معينة تتسم بالضعف مثل طلاب المدارس وكبار السن وغيرهم.

إن الاستقطاب السياسي المدفوع بانتشار الدعاية الكاذبة وحملات التضليل من شأنها إضعاف الديمقراطية، وتمزيق المجتمعات وإشاعة حالة من ضعف الثقة التي من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من التوتر والصراعات.

لقد اتخذت بعض شركات تكنولوجيا المعلومات خطوات من أجل محاربة الدعاية الكاذبة وحملات التضليل. منها على سبيل المثال شركة تويتر التي ألغت الدعاية السياسية على منصتها. ولكن جهود شركات تكنولوجيا المعلومات لا تكفي. فهذه الشركات معرضة بشكل جوهري إلى الاستقطاب أيضاً وعدم الحياد. ومثال ذلك محاربة فيسبوك للمحتوى الفلسطيني والتضييق على الرواية الفلسطينية المتعلقة بالصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

ما لم تدخل الدول على خط مكافحة الدعاية الكاذبة والتضليل وفق رؤية عالمية فإن هذه الجهود سوف تبقى وقائية فقط. ففي العام الماضي على سبيل المثال وبعد اندلاع احتجاجات "السترات الصفراء" اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس تقديم مبادرة باسم نداء باريس، من أجل الثقة والأمن في الفضاء الإلكتروني بدعم من 75 دولة وشركة عالمية مثل مايكروسوفت وهواوي. ولكن لسوء الحظ لم تلقَ هذه المبادرة دعم اللاعبين الرئيسيين الكبار من أمثال الولايات المتحدة والصين وروسيا. ولذلك لم يكتب لهذه المبادرة النجاح. وهنا ربما يبرز الدور المهم الذي يجب أن تقوم به الأمم المتحدة بهذا الصدد، واعتبار أن التلوث المعلوماتي لا يقل خطراً عن التلوث البيئي في تهديد سلامة البشر.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي