تبدو الأنظمة الديمقراطية رائعة في شعاراتها عن المساواة وتكافؤ الفرص للمواطنين كافّة، وفي تأكيد انفتاح آفاق المشاركة أمام الجميع على قدم المساواة في فضاء دولة القانون.

لكنّ فرص الحضور الاجتماعي والمشاركة المؤثِّرة والصعود في المراتب ترتطم بواقع تتركّز فيه الحظوة والنفوذ في أوساط دون أخرى.

ظلّ تعبير "واسب" لعهد طويل معبِّراً عن المواصفات الإثنية النمطية لفئات الصفوة التقليدية في الولايات المتحدة، التي يُتوقّع منها أن تكون من "الأمريكيين البيض الأنغلوساكسون البروتستانت". تنهض جامعات الصفوة المحظية في الولايات المتحدة بدور جوهري في الاصطفاء النخبوي، فقليل هم أولئك الذين يحتملون متطلّبات الالتحاق بها من رسوم باهظة ومواصفات نوعية.

تستنزف السنة الدراسية الأساسية في جامعة هارفارد مثلاً قرابة خمسين ألف دولار للملتحقين الاعتياديين. وتقفز رسوم جامعة ستانفورد المحاذية لوادي السليكون في كاليفورنيا إلى أكثر من ستين ألف دولار سنوياً. إنها مصانع النخبة الأمريكية التي تجاهر بأنها تسهر على تجهيز طلائع الجيل المقبل.

تعلن جامعة ييل الأمريكية، التي تُعدّ من أبرز جامعات النخبة في العالم، أنها تتحرّى في الملتحقين بها مواصفات خاصّة تؤهلهم لأن يصيروا "قادة الجيل الجديد"، وهو ما يحمل شبهة إقصاء الأغلبية التي لا يتوقّع مثل هذا منها. تنهض جامعات النخبة بدورها الوظيفي ضمن بيئات يتركّز فيها النفوذ في أوساط ضيِّقة هي مجتمع "الواحد في المائة" مقابل مجتمع "التسع وتسعين في المائة"؛ حسب خطاب حركات اجتماعية أمريكية ناقدة.

تضغط هذه الحالة على فرص الصعود القيادي والمشاركة الشعبية بالنسبة لعموم المواطنين، بما يؤدي إلى ديمقراطية نخبوية تضيِّق فرص الانتقاء وتشدِّد مواصفات التصعيد لينتهي الموقف إلى حالة متركّزة تقريباً في دوائر الصفوة، التي تحظى أجيالها بمواصفات تعليمية وتأهيلية أفضل من عموم المواطنين.

تجنّدت في خدمة الاصطفاء النخبوي مؤسسات أكاديمية ذات متطلّبات ومؤهِّلات خاصّة في حالة تتجاوز الولايات المتحدة بالطبع. سلكت الخبرة الفرنسية، على سبيل المثال، مساراً آخر في هذا المجال ذي طابع مركزي صارم، ينسجم مع منطق النظام الجمهوري القائم وتقاليد الحياة الإدارية في "الغران ناسيو" أو "الأمّة العظيمة".

يجري في فرنسا حشر النخبة الصاعدة في مدرسة حكومية عليا لتخريج القيادات الإدارية والسياسية في البلاد، أُوكِلت إليها "دمقرطة الصعود الإداري"، حسب الشعار المرفوع. فقد أقيمت "المدرسة الوطنية للإدارة" سنة 1945 لترتيب شؤون التصعيد القيادي، فأدّى المشروع إلى تركيز نخب البلاد السياسية والإدارية في دائرة ضيقة تتشابك فيها الصِّلات والأواصر على نحو مذهل.

تخرّج من هذه المدرسة العليا، مثلاً، أربعة رؤساء للجمهورية الفرنسية هم فاليري جيسكار ديستان وجاك شيراكوفرانسوا أولاند وصولاً إلى الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون وشريكه الوزير الأول إدوار فيليب ومعهم حشد من أبرز شخصيات الدولة وشاغلي الإدارات العليا والمسؤولين الحكوميين وقطاعات المال والأعمال؛ من قبيل مدير شركة "أورانج" العملاقة للاتصالات ومدير مصرف "سوساياتي جنرال".

إنها النخبة الفرنسية التي وُضعت في مرمى المساءلة الجماهيرية مع مظاهرات السترات الصُّفر بسبب ما عدّتها انقطاعاً نخبوياً عن واقع الشعب وهموم المواطنين، وهي خبرة مستجدّة نسبياً في الواقع الفرنسي من النقد الجماهيري للنخب.

جسّدت "المدرسة الوطنية للإدارة" حالة تركيز النفوذ ضمن صفوة فرنسية تقليدية تتجمّع لديها خيوط وفيرة في التأثير السياسي والإداري والاقتصادي، ما جرّ على هذه المؤسسة الأكاديمية النخبوية نقداً لاذعاً وجّهه إليها منذ ستينيات القرن الماضي فلاسفة واجتماعيون من أمثال بيير بورديو وريمون بودون وجان كلود باسرون، لكنّ هذا النقد لم ينزل إلى الشارع.

وإن قامت هذه المؤسسة الأكاديمية بدورها في تعزيز مركزية الدولة وتغليب منطقها في الاصطفاء النخبوي بما ضمن تركيز النفوذ في أوساط محدودة دون بقية الشعب، فإنّ الفجوة اتسّعت بأشواط إضافية بين النخبة المتنفذة تلك والفئات التي التحقت بالمجتمع الفرنسي خلال القرن الماضي من خارج القارة الأوروبية، بخاصة ملايين المسلمين الذين يطاردهم الازدراء الرمزي في منصّات سياسية ومنابر إعلامية علاوة على أنهم ورثة أعباء البروليتاريا التقليدية طبقاً لتموضعهم الاقتصادي والاجتماعي.

ويعاني هؤلاء "الفرنسيون الجدد" من صعوبات مزمنة في تحقيق الذات والصعود الاجتماعي والإداري في بيئتهم المكلّلة بشعارات "حرية، إخاء، مساواة".

تنطوي تقاليد الاصطفاء النخبوي على معضلة مركّبة في الانفتاح على شعبها من جانب وعلى المكوِّنات الجديدة الملتحقة بالأمّة الفرنسية بصفة أوضح من جانب آخر. وما يُضيِّق فرص الصعود أن تُواجِه مكوِّنات معيّنة ضغوطاً معنوية بما يزيد من إعاقة ارتقائها إلى مراتب قيادية، وللحالة ما يناظرها في دول أوروبية أخرى. إنه "السقف الزجاجي" الذي يُؤتَى به كنايةً عن حواجز غير مرئية تعيق الصعود الاجتماعي وتعرقل نفاذ فئات معيّنة إلى مراتب عليا أو أوساط النخب.

إنّ ولوج مسلمين أو مسلمات في الحياة الإدارية والسياسية الأوروبية يُلقي بأعباء مضاعفة على كواهلهم بالمقارنة مع ما يواجهه أقرانهم الآخرون عادةً. تبعث هذه الصعوبات برسائل سلبية للغاية نحو الأجيال المسلمة الجديدة في بلدان أوروبية، بخاصة بالنسبة إلى قاطني أحياء تشكو من ضعف تكافؤ الفرص في مستويات التعليم والكسب والمرافق الثقافية، وتُلاحِقها فوق ذلك وصمة "التطرف" و"الإرهاب" وأوصاف مغالية تنعتها بمناطق التجوال الخطر أو "نوغو زونز"؛ مثل سان دوني في باريس ومولنبيك في بروكسيل ونويْكولن أو كرويتسبرغ في برلين.

عندما تعجز بعض الأنظمة الإدارية والديمقراطية عن استيعاب مشاركة فئات معيّنة كما ينبغي، فإنها قد لا تعترف بهذا الإخفاق الذاتي عادة، وقد تختار تجميل الصورة باستدعاءات إثنية شكلية تمنح انطباعات مضلِّلة. لا يَسهُل اكتشاف الواقع بالاكتفاء بنظرة سطحية إليه، فبعض الأنظمة المنغلقة على تقاليدها المتكلِّسة دأبت على انتقاء وجوه مفضّلة لمنح انطباع شكلي بالتنوّع دون أن تعبأ بمدى تعبير هؤلاء عن المكوِّنات المجتمعية التي يُحسَبون عليها.

أمّا بالنسبة لجامعات النخبة ومعاهدها، فإنّ النقد الذي واجهته في واقع الاصطفاء النخبوي دفعها إلى اتخاذ إجراءات وتسهيلات نسبية تحت الضغط. فجامعة ستانفورد التي تُعدّ أغنى جامعة في العالم قرّرت منذ عام 2008 إعفاء الطلبة من الأسر ذات الدخل المحدود من رسوم الدراسة الأساسية، وهو ما يستفيد منه أقلية من طلبتها تُقدّر بثلث الملتحقين بها، بينما تنخفض رسوم هارفارد إلى قرابة الثلث لدى الذين يتلقّون دعماً حكومياً.

تعجز هذه الإجراءات، على الرغم من ذلك، عن معالجة واقع التركيز النخبوي المتجذِّرة في الواقع الأمريكي، بما في ذلك متنفذو وول ستريت ونخبة الحكم الإدارية التي يُعبَّر عنها بوصف "استابلشمنت". كما لم تشفع الإجراءات التي اتّخذتها "المدرسة الوطنية للإدارة" منذ انتقالها من باريس إلى ستراسبورغ عام 2005 في كبح الانتقادات التي تواجهها، حتى بعد أن خصّصت حصّة من مقاعدها لمحسوبين على فئات ومناطق أقلّ حظوة وخفّفت شروط التحاقهم بها، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إعلان عزمه على إغلاقها، على الرغم من أنه، مثل كثير من أقرانه في طبقة الحكم، من خرِّيجيها ومدين لها بمساهمتها في صعوده إلى الإليزيه.

تشير حالة المدرسة الفرنسية المرموقة إلى التحديات التي تواجهها تقاليد الاصطفاء النخبوي على جانبي الأطلسي، فما عاد بوسع الأروقة المحظية أن تتجاهل ما تملكه جماهير الحاضر من أدوات تواصلية تتيح لها ممارسة رقابة مجتمعية صارمة على سلوك النخب المتصدِّرة ومباشرة الضغط عليها بلا وسطاء.

تعبِّر الجماهير عن النقد والانزعاج سريعاً عبر المنصّات الشبكية، حتى دون الحاجة إلى اهتمام الصحافة التقليدية وتفاعُل الصناعة الإعلامية، وقد تتطوّر الحالة سريعاً إلى تحرّكات ضاغطة في الميدان من حيث لا يحتسب القوم.

تستوعب النخب المتنفذة دروس الحقبة الجديدة فيلجأ بعضها إلى تغيير مدونة السلوك أو مسايرة الجماهير والتقاط الصور الذاتية معها على قارعة الطريق، بينما يحرص أباطرة الاقتصاد الشبكي على الظهور العلني في هيئة متواضعة يبدو أحدهم معها مواطناً كغيره لا أكثر، وإن استحوذ على عوائد فلكية قوامها عشرات المليارات من الدولارات، مثل شاب وجد طريقه سالكةً إلى هارفارد، اسمه مارك زوكربرغ.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي