"الاندماج" ليس إجراء خطّياً أحادي الاتجاه، فهو عملية تفاعلية متبادلة تتعثّر إن أحجم واقع معيّن عن الانفتاح على مكوِّناته أو نظر إليها بعين الريبة. إنّ مسعى الإندماج هذا يبقى مرتهناً لقابلية الدولة لاحتمال التنوّع والترحيب بهذه المكوِّنات.

ماذا يعني "الاندماج" تحديداً وسط الاستعمالات المتناقضة للمصطلح؟ ثمة حاجة مؤكدة لتعليم الوافدين الجدد إلى أوروبا لغات بلدان ارتضوها أوطاناً جديدة لهم، وأن يدركوا ثقافاتها وعاداتها وتقاليدها، وأن يلتزموا الدستور ودولة القانون، لكنّ مقولة "الاندماج" تذهب بعيداً في الواقع وقد تتطرّف في بعض تطبيقاتها.

صعدت المفردة في الجدل السياسي والثقافي والإعلامي في أوروبا في أواخر القرن العشرين، وباسمها نشأت وزارات وسُنّت تشريعات في بلدان شتى، وترسّخ المصطلح في المواسم الانتخابية أيضاً.

اكتشف أقصى اليمين السياسي مفعول هذه الكلمة متأخراً فاتخذ من مطالب "الاندماج" هراوة لمطاردة المسلمين واللاجئين، بما يشي بتوجّهات استعمالية تتيحها كلمة فضفاضة تتداولها الأطراف السياسية والمجتمعية بمضامين متباينة إلى حدّ التناقض أحياناً.

من أكثر ما يستفزّ الأجيال الناشئة في بيئات أوروبية من خلفيات عربية وأفريقية وآسيوية أن يخاطبها سياسيون متغطرسون بنبرة مدراء المدارس التي تُملي عليهم "الاندماج" حصراً دون أقرانهم.

حسام شاكر

وبعد أن عبّرت مقولة "الاندماج" عن الانفتاح؛ اتسعت لتأويلات شتى، وأخذت التوجّهات اليمينية المحافظة تهيْمن على وزارات الاندماج في بلدان أوروبية مثل الدانمرك وهولندا والنمسا. فالمصطلح يحتمل أن يكون اندماجاً ودياً، أو إدماجاً قسرياً، وأن يأتي مشبّعاً بالاحترام المتبادل، أو مشحوناً بالإملاء الثقافي.

يبقى الشعار مسلّطاً في الأساس على تصنيفات "الأجانب" أو "المهاجرين" علاوة على المسلمين عموماً، مع إعفاء شركاء المجتمع الآخرين من استحقاقاته غالباً. تُوحي هذه الحصرية بأنّ الفئات التي عليها أن "تندمج" تعزل ذاتها في مجتمع فرعي موازٍ لمجتمع الأغلبية ومفارق للهوية الثقافية الجامعة، وكأنّ المشمولين بخلفيات ثقافية أو مجتمعية أخرى هم المعبِّرون الأوفياء عن النموذج المنفتح، أو القالب المثالي، الذي لا ترقَى إليه الشكوك ولا يطرأ عليه تبديل ولا تحوير حتى إن تطرّفت قواه السياسية وتناقضت مع القيم المنصوص عليها دستورياً.

من أكثر ما يستفزّ الأجيال الناشئة في بيئات أوروبية من خلفيات عربية وأفريقية وآسيوية أن يخاطبها سياسيون متغطرسون -اتضح فساد بعضهم لاحقاً- بنبرة مدراء المدارس التي تُملي عليهم "الاندماج" حصراً دون أقرانهم، وهذا على أساس تصنيفات أولية تتحدّد بلون البشرة أو طبيعة الأسماء أو تعبيرات دينية أو ثقافية ظاهرة. تفتّحت هذه الأجيال على وطن أوروبي هي جزء من مكوِّناته؛ لكنها تجد نفسها أحياناً مستثناة من نموذجه المعياري الذي تفرضه نخبة يراهن بعضها على العودة إلى الماضي مجدداً. وتأسّست على هذا الخطاب المشبّع بالاستثناء المجتمعي أو بنزعة إقصاء؛ حزمة قوانين وإجراءات تقيِّد حقوقاً وامتيازات بدعوى مخالفة المعايير أو التعارض مع القيم، التي هي "قيم الجمهورية" في فرنسا أو "القيم" البريطانية في المملكة المتحدة أو "القيم السويدية" في بلاد الشمال أو "قيمنا" باختصار في بلدان أخرى. ومن الواضح أنّ فتيات ونساء مسلمات تكبّدن باسم "القيم" وضرورات " الاندماج" أعباء مضاعفة جراء هذا المنطق الإقصائي في بعض البيئات الأوروبية لأنهن اخترن ستر شعورهنّ مثلاً.

تنحو بعض سياسات الاندماج إلى استعمال معايير انتقائية، كأن تُطالِب أجيالاً من إثنيات مخصوصة بالتقيّد بـ"العادات والتقاليد والأعراف"، دون أن تتلقّى أجيال "الأصليين" إملاءات كهذه. تبدو مقولة "العادات والتقاليد والأعراف" فضفاضة ونسبية بما يفتح الباب لممارسات تحمل شبهة تفرقة، فالسياسيون لا يميلون إلى مخاطبة شباب مجتمعاتهم بإملاءات أبوية تطالبهم بالتقيّد بالعادات والتقاليد المتقادمة. مع ذلك سمح رئيس الوزراء الهولندي "المعتدل" مارك روته لذاته بأن يخاطب مسلمي بلاده في أكتوبر/كانون الأول 2016 بتخييرهم بين "الاندماج والرحيل"، ثم تكرّر منه هذا بتعبيرات متعددة أوردها خلال حملات انتخابية نافس فيها اليمين المتطرف الذي اعتاد تعبيرات كهذه.

ومن بين وقائع التفرقة التي تترتّب على هذا المنحى؛ تحرّكت دعاوى قضائية من متضررين في بلدان أوروبية أسفر بعضها عن إنصاف رجال ونساء تم حرمانهم من تقلّد وظيفة أو من حيازة الجنسية لأسباب تتعلق باختيارات ذات خلفية ثقافية أو دينية.

تحظى مفردة "الاندماج" بأفضلية خاصة في المداولات السياسية والإعلامية، وقد تأتي في بعض السياقات بمثابة تعبير صريح أو إيحائي عن منطق الإملاء الثقافي.

حسام شاكر

لكنّ إملاءات "الاندماج" لم تنقطع، وتأسست عليها سياسات وقوانين وإجراءات "ثقافية" و "تعليمية" منذ مطلع القرن الحالي في دول أوروبية عدّة. وإن كان مفهوماً إلى حد ما اشتراط إتقان اللغة المحلية على من يرغب في الحصول على الجنسية؛ فإنّ تعميم ذلك على منح الإقامة أيضاً افتعل صعوبات لفئات مخصوصة وأدّى إلى تأخير زيجات بانتظار تعلّم أحد الزوجين لغة البلد الأوروبي الذي سيلتحق فيه بشريك حياته إن اجتاز سلسلة من الامتحانات المعتمدة.لكن؛ ماذا لو لجأت دول عربية نفطية إلى هذا الاشتراط قبل منح أذون الإقامة لأوروبيين يقصدونها، كأن تفرض عليهم إتقان "لغة الضاد" واجتياز اختبارات تؤكد الحديث بها بطلاقة، أو حفظ كلمات "النشيد الوطني" كما اقترح بعض المسؤولين الأوروبيين؟

واقع الحال أنّ إقحام مقولة "الاندماج" في السياسات والإجراءات ومحاولة تقنينها؛ مما يُغري بممارسات الاستعمال السياسي والدعائي والأيديولوجي، ويُغوي بالتوظيف الخاضع لنزعات القائمين على هذا المسعى، خاصة مع صعود اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية إلى مواقع صنع القرار في بلدان أوروبية. إنّ تقدير أحد الموظفين بعدم استيفاء متطلبات محسوبة على "الاندماج" قد يتيح حرمان أصحاب الطلبات من الوظيفة أو الإقامة أو الجنسية، أو رفض معاملة اللجوء، علاوة على وجوه التضييق والحظر والإغلاق التي تستهدف جمعيات ومؤسسات ومساجد.

وإن بدت الكلمة إيجابية في عمومها؛ فإنّ "الشيطان قد يكمن في تفاصيلها" أحياناً، خاصة إن تغيَّر اتجاه الريح السياسية في بلد ما إلى نقيض الاعتدال. فمقولة "الاندماج" قد تحثّ على تفهّم احتياجات فئة أو فئات بعينها ضمن المشهد المجتمعي العريض، ومساندتها في تحقيق الذات ضمن بيئة منفتحة على مكوِّناتها؛ لكنّ المقولة ذاتها قابلة لأن تُرفَع كهراوة قيمية أو ذريعة لإحداث تغييرات ثقافية قسرية لدى مكوِّن مجتمعي معيّن تدور عليه الدوائر.

إنّ ملفات "الأجانب" أو "اللاجئين" أو "المسلمين" تظلّ مادّةً مفضّلةً للتسخين الانتخابي يلجأ إليها الشعبويون لاستثارة الجمهور واستقطاب الأصوات.

حسام شاكر

إن الدولة التي تنشغل بإدماج مكوِّن معيّن على طريقتها الخاصة ستجد في حوزتها خيارات واسعة للأخذ بها، ومنها التعليم المدرسي الذي يضمن تكييف أبناء "الأجانب" و "اللاجئين" والمسلمين وتهيئتهم وفق ما يرتئيه صانعو القرار في الحكومة، وقد يكون بعضهم من اليمين المتطرف أو من الواقعين تحت تأثيره الدعائي أو من الطامحين إلى تعزيز فرصهم الانتخابية وسط جمهور تستبدّ به الهواجس.

ما يمنح القلق مبرِّراته الواقعية أنّ ملفات "الأجانب" أو "اللاجئين" أو "المسلمين" تظلّ مادّةً مفضّلةً للتسخين الانتخابي والمزايدات بين الأحزاب، وتُستعمل ورقةً مفضّلة من اليمين السياسي وأقصى اليمين، وهي ذريعة يلجأ إليها الشعبويون لاستثارة الجمهور واستقطاب الأصوات. من هذا الباب أيضاً تحظى مفردة "الاندماج" بأفضلية خاصة في المداولات السياسية والإعلامية، وقد تأتي في بعض السياقات بمثابة تعبير صريح أو إيحائي عن منطق الإملاء الثقافي، خاصة إن تمّ رفعها في خضمّ معركة انتخابية. وقد توحي بعض المضامين المرفقة بالمصطلح الإشكالي أنّ المقصود بها طمس خصوصيات ثقافية لمكوِّنات معيّنة ودفعها إلى الاحتجاب عن المشهد المجتمعي، أو ممارسة ضغوط معنوية رمزية عليها مع إلزامها بتقمّص سمات مجتمع "الأغلبية" في نموذجه النمطي المتقادم.

ما تتجاهله الخطابات التصعيدية أنّ "الاندماج" ليس إجراء خطّياً أحادي الاتجاه، فهو عملية تفاعلية متبادلة تتعثّر إن أحجم واقع معيّن عن الانفتاح على مكوِّناته أو نظر إليها بعين الريبة. ورغم أهمية انفتاح المكوِّنات على الفضاء المجتمعيّ الواسع فإنّ المسعى يبقى مرتهناً أيضاً لقابلية الدولة والسلطات والمؤسسات العامة والمجتمع العريض ذاته لاحتمال التنوّع والترحيب بهذه المكوِّنات وترجمة ذلك في سياسات مثل الإسكان وحق التصويت في المجالس البلدية لدافعي الضرائب جميعاً.

"الاندماج" يقتضي ضمانات لتعزيز التواصل المجتمعي والاحترام المتبادل ومبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المكوِّنات كافة لتحفيز حضورها العام ومشاركتها الفاعلة في المجالات المتعددة.

حسام شاكر

تشي بعض الخطابات الرائجة في أوروبا بأنّ "الاندماج" المنشود يقوم على التنميط المجتمعي الذي لا يتسع للتنوّع ويفرض قيوداً وقوانين حظر بحق مكوِّنات مخصوصة تُثار حولها الهواجس. ويمنح بعضهم الانطباع بأنّ سمات الهوية والعادات والتقاليد هي نموذج متحجِّر يمكن تحديدها في معايير ثابتة كأنه وثيقة دستورية. وما يزيد الحرج أن تندفع بعض القوى المحافظة لتطالب "أولئك" باحترام "تقاليد البلد"، ثمّ لا تجرؤ القوى ذاتها في الغالب على مطالبة الجيل الجديد مثلاً من المواطنين "الأصليِّين" الصاعدين في زمن العولمة الثقافية؛ بالموقف ذاته تجاه "التقاليد" تلك، أو التلويح بمدوّنة سلوك مفروضة عليهم.

يجدر التنبّه إلى الأعراض الجانبية التي قد تترتب على مفهوم الاندماج في التنزيل الواقعي بصفة تجعله أحياناً أقرب إلى الإلزام بالتكيّف مع "مجتمع الأغلبية"، أو الذوبان فيه لتحقيق التماثُل المجتمعي، بما يفرض التزامات أحادية الجانب تقريباً على الذين "يجب عليهم أن يكونوا مثلنا". إنها إملاءات سطحية مسموعة تعبِّر عن اتجاه جبري يتأسّس على منطق غير عادل، علاوة على أنه يجافي واقع الاجتماع البشري وتفاعل الثقافات فيما بينها.

وإن كان "الاندماج" كلمة فضفاضة بطبيعتها؛ فإنّ درء سوء التوظيف عنها يقتضي ضمانات لتعزيز التواصل المجتمعي والاحترام المتبادل ومبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المكوِّنات كافة لتحفيز حضورها العام ومشاركتها الفاعلة في المجالات المتعددة. إنها ملامح عملية إيجابية عادلة، سواء أحملت اسم "الاندماج" أو غيره، يُفترَض أن تقوم على روح التفاعل المتبادل، وأن تستوعب مكوِّنات مجتمع تعدّدي، وألا تُطارد "الأجانب" أو "المهاجرين" أو "اللاجئين" بمدوّنات سلوك إلزامية.أمّا إن صارت مقولة "الاندماج" شعاراً شعبوياً فإنّ توظيفها سيتكرّس مع الوقت أداةً للتفرقة والإقصاء وفرض الإملاءات الثقافية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي