تبدو النخبة الشيعية المهيمنة اليوم مرعوبة من فكرة فقدان السلطة، أو اندلاع حرب أهلية "شيعية/شيعية"، تكون مقدمة لفقدان هذه السلطة. لهذا تتلكأ أو تتحرّج من إجراء عملية جراحية في جسدها، لإبعاد تلك الأجزاء الراديكالية التي تغامر بالوجود الشيعي والوطني.

هيمن موضوع "إغلاق السفارة الأمريكية ببغداد" خلال الأسبوع الماضي على مجمل النقاشات وتسريبات الأخبار والتصريحات الصادرة من أطراف مختلفة في الساحة السياسية العراقية.

بشكل عام وبعيداً عن اللغة الملتوية أو الضبابية التي تستخدمها بعض الأطراف الفاعلة، فإنّ الرغبة بالإبقاء على السفارة الأمريكية مفتوحة وضرورة حماية البعثات الدبلوماسية الأجنبية في العراق كان هو الجوهر المشترك لكل التصريحات الصادرة من كل الزعامات السياسية العراقية.

وبشكل أدق (بما أن خلايا الكاتيوشا ذات مرجعية شيعية)، كانت القوى السياسية الشيعية واضحة في موقفها الرافض لاستهداف البعثات الاجنبية والسفارة الأمريكية ضمناً. ثم تعزّز هذا في البيان الصادر عن الرئاسات الثلاثة، الجمهورية والبرلمان والحكومة، الذي أكّد نفس المحتوى الرافض لهذا الاستهداف.

كثير من المراقبين يرون أن هذه المواقف مرسلةٌ إلى الطرف الأمريكي تحديداً، لطمأنته أو لمحاولة ثنيه عن نيّته غلق السفارة في بغداد ونقل البعثة الدبلوماسية ربما الى أربيل، وأن هذه المواقف داخل المسرح العراقي ليس لها أي تأثير أو فاعلية.

أقرأ أيضا:
هل يستطيع الكاظمي إعادة تشكيل المشهد السياسي في العراق؟

فمنذ ما قبل مقتل القائدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس مطلع هذا العام، وما تلاها من أحداث ومواقف، كانت وتيرة الهجمات الصاروخية ثابتة على محيط السفارة الأمريكية وعلى شاحنات المتعاقدين العراقيين مع القوات الأمريكية ومختلف المصالح الأمريكية في العراق. ولم تؤثر لا تصريحات الحكومة ولا حتى تصريحات القادة الكبار من السياسيين الشيعة، في استمرار هذه الهجمات.

حتى البراءة غير المباشرة التي أشاعتها بعض الفصائل ذات الثقل المليشياوي الكبير، وأن "ضربات الكاتيوشا هي "لعب أطفال" كما قال أحد القياديين في عصائب أهل الحقّ، وأنهم إذا أرادوا استهداف الأمريكيين فستكون الضربات أكثر قسوة وجديّة، فإنها لا تقدم جواباً على الأسئلة الحيوية: من الذي يقوم بهذه الانشطة واسعة النطاق إذن؟ ولماذا تفشل الحكومة وداعموها في إيقاف هذه الهجمات؟ وهل هم فعلاً يريدون إيقافها؟

بوضوح شديد ودون مواربة، تقرأ أمريكا في الغالب هذه الهجمات على أنها "هجماتٌ إيرانية"، وتطالب الحكومة العراقية باتخاذ موقف حازم تجاهها، فهي مع تهديدها للوجود الأمريكي في العراق، أفراداً ومصالحَ، فإنها بالدرجة الأساس تهدد مصداقية الحكومة وقدرتها على فرض السيادة وضبط الأمن. وهذا ما يبدو أن حكومة مصطفى الكاظمي ذات الخمسة أشهر من عمرها، غير قادرةٌ على تحقيقه حتى الآن.

ومع اقترابنا من شهر الانتخابات الأمريكية الحاسم، فإن هناك من المراقبين من يقرأ التهديد الجدي للأمريكيين بالانسحاب الدبلوماسي والعسكري من بغداد على أنه خطوة تكتيكية لمنع احتمالات حدوث "سيناريو بنغازي" الذي هاجمت فيه المليشيات الليبية القنصلية الأمريكية في بنغازي وقتلت السفير الأمريكي كريس ستيفنز في ليبيا ليلة 11 سبتمبر/أيلول 2012.

هذا "الانسحاب التكتيكي" المفترض سيتيح لإدارة ترامب أن تستهدف "خلال شهر أكتوبر الحاسم انتخابياً" أكثر من سبعين هدفاً موضوعاً على قائمة الأهداف الإيرانية في العراق، من دون أي قلقٍ على دبلوماسيين أو عسكريين أمريكيين. وستكون حكومة الكاظمي معفيةَ من أي ردود فعل تقوم بها الفصائل الموالية لإيران، ويخفّف الضغط عنها لحماية السفارة الأمريكية، أو القيام بدور الدرع الواقي للمصالح الأمريكية.

ولكنّ هناك من يحذّر من كون الانسحاب الأمريكي المحتمل لن يكون "تكتيكياً" وإنما منعطفاً في العلاقة بين أمريكا والعراق، وقد طرح بعض الدبلوماسيين الأمريكيين خلال الأشهر الماضية سيناريو تعزيز استقلال كردستان عن حكومة بغداد كحليف مستقبلي بديل عن العراق بقضّه وقضيضه.

كما أن الكثير من الشخصيات السياسية السنيّة تقول بصراحة أنه في ساعة الجدّ إن صاروا في مدار الخيار بين أميركا أو إيران فسيفضّلون التحالف مع أمريكا بكل تأكيد. وكما هو واضح فإن النقطة البعيدة لهذه المسارات الكردية والسنيّة المحتملة هي: تقسيم العراق.

اقرأ أيضا:
ما مستقبل الوجود الأمريكي في العراق؟

بشكل معتاد (وأحياناً علني وصريح)، يتردّد في كواليس النشاط السياسي الكردي والسنّي في العراق بأنّ المعضلة الحالية ما بين سلطة المليشيات وسلطة الدولة وتنازعهما على الساحة العراقية هي "معضلة شيعية"، أي أنّ الفاعلين السياسيين الشيعة هم المسؤولين عن تصفيتها وحسمها، خصوصاً في عراق ما بعد داعش وانتهاء النزاع الطائفي المسلّح.

حتى مع اندلاع تظاهرات أكتوبر/ تشرين الأول 2019 وكل المخاض الذي خاضته حركة الاحتجاج العراقي بصراعها مع نظام ما بعد صدّام في العراق، فإن هذه النخب السنيّة والكردية تصرّ على أنها حركة احتجاج شيعية ضد طبقة سياسية شيعية. وهذا التطييف لحركة الاحتجاج يرفضه الناشطون العراقيون، ويؤكدون أنهم يعترضون على مجمل العملية السياسية، بغض النظر عن الهوية الطائفية والعرقية للفاعلين السياسيين.

ومع ذلك فإن حقيقة أن غالبية الضحايا هم من الشباب الشيعة وأن من قتلهم هم مسلّحون شيعة، ينتمون إلى الأجهزة الامنية العراقية أو المليشيات، وأن قرار المواجهة كان شيعياً، ولا دخل للكرد والسنّة فيه، يعزّز من الإطار الطائفي للمشهد بمجمله.

إن الحسم في هذا التأرجح ما بين الدولة واللا دولة، وتوجيه دفّة السلطة في البلد باتجاه واضح يحدد نوع المصالح التي تريدها الطبقة الحاكمة، وحسم الصراع ما بين الهوية الوطنية وهوية الفاعلين السياسيين الطائفية أو العرقية، بالإضافة إلى تجسير المسافة ما بين المجتمع ومطالبه وأحلامه وما تريده النخبة السياسية العراقية، كلها قضايا تدور في ساحة الفاعلين السياسيين الشيعة بالدرجة الأساس. وهذا التأزم وعدم الحسم والصراع هو من ملامح ما يمكن أن نسمّيه "معضلة القرار الشيعي" في العراق.

برزت هذه "المعضلة الشيعية" على السطح بعد نهاية العمليات العسكرية الأساسية ضد داعش ربيع 2018. ثم نتائج الانتخابات العراقية بعدها ببضعة أشهر من العام نفسه، والتي فرضت واقعاً جديداً تراجعت فيه حظوظ القوى المهيمنة على المشهد السياسي العراقي منذ 2003، وتحديداً حزب الدعوة الإسلامي، الذي فرضت معادلات القوى ورغبة الفاعل الأمريكي وكذلك مرجعية النجف اختيارَه كـ"حزب قائد" لنظام ما بعد 2003.

لتتصدّر الأطراف الشيعية الأكثر راديكاليةً المشهدَ الجديد، إذ وفّرت مشاركتها في الحرب ضد داعش نوعاً من الدعاية الانتخابية، فتقدّم تحالف التيارات المقرّبة من إيران "الفتح" وتحالف رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر "سائرون"، وصار هذان التحالفان صانعا المشهد السياسي الجديد، واختارا عادل عبد المهدي للحكومة، ثم بعد استقالته في أواخر العام الماضي على إثر المجازر التي ارتكبت خلال حكمه بحق المتظاهرين وتداعيات تظاهرات تشرين، كان هذان التحالفان هما المعنيان باختيار رئيس وزراء جديد، لينتهي المطاف بعد عدّة مرشّحين، باختيار مصطفى الكاظمي في أبريل/نيسان من هذا العام.

كل الكيانات السياسية/المليشياوية المكوّنة لتحالفَيْ الفتح وسائرون تبدو في وضع وكأنها ضحية لفوزها في الانتخابات وتصدّرها للمشهد السياسي، فهذه القوى التي تعلن غالبيتها الولاء للوليّ الفقيه في إيران، وتعتمد خطاباً راديكالياً في النظر الى قضايا العراق والمنطقة، كانت تستفيد سابقاً من وجودها في الظلّ خلف حكومة يقودها حزب الدعوة (حكومات الجعفري والمالكي والعبادي)، واستطاعت بناء كيانات مالية واقتصادية هائلة، موازية أو طفيلية على الاقتصاد العراقي، مستفيدة من ابتزازها للسلطة ومن شبكة فساد داخل السلطة وخارجها، ووفّرت في الوقت نفسه قنوات عديدة لتنشيط الاقتصاد الإيراني، و"تنفيس" ضغط العقوبات الأمريكية عليه.

اقرأ أيضا:
ماكرون في العراق وقصّة الوطن والمواطنة

كان وجودها في الظلّ يؤمّن لها كل هذه المصالح، واليوم هي مُجبَرة ـ لأنها في الواجهة ـ على تقديم أجوبة صريحة وواضحة على الأسئلة التي تطرحها مجموعة المصالح الوطنية وعلاقة العراق مع العالم، وتعريف موقع إيران بوضوح ضمن هذه المصالح.

لا يجادل الكثيرون اليوم في أن العراق ما زال يعتمد بشكل كبير على أمريكا، فهي التي تحمي أرصدة أمواله من بيع النفط، وكان للطيران الأمريكي والدعم في مجال التدريب العسكري والاستخبارات الدور الفاعل في الانتصار على داعش، وما زال هذا الدور ضرورياً ضد التهديدات الإرهابية، كما أن الوجود الدبلوماسي الأمريكي، يجرّ من خلفه قاطرة الدبلوماسية الغربية والعالمية وكذلك الأممية، وأن انسحاب الأمريكيين اليوم سيعني رفع الغطاء عن العراق، وبالتالي سيؤدي الى سلسلة من التداعيات أهمها انهيار سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار، وحرمانُ العراق من امتيازات الاستثناء من العقوبات الأمريكية، بشراء الغاز والطاقة الكهربائية الإيرانية، ولربما شمول العراق بدائرة العقوبات الإيرانية نفسها، إن تم اعتباره عدواً وجزءاً صريحاً من المعسكر الإيراني.

بالاضافة الى التداعيات التي تحدثنا عنها في بداية هذه المقالة، واحتمالات تفكّك العراق لصالح كيانات طائفية أو عرقية تستفيد أمريكا من دعمها بديلاً عن عراق موحّد.

كل هذه التداعيات المفترضة تعيها الطبقة السياسية الشيعية، وتحديداً القوى المشكّلة لتحالفَيْ الفتح وسائرون، فضلاً عن إدراكها لتهديد لاحق أكثر شراسة وألماً، وهو الاحتمالات القوية لاندلاع صراع بين القوى الشيعية نفسها في ذلك الجزء الذي يتبقّى في يدها من العراق.

خارج مدار القراءات الانفعالية والعاطفية، فإنّ المشهد لا يبدو صراعاً بين أبيض وأسود، يجبر النخبة السياسية الشيعية على اتخاذ واحد من طريقين؛ إما الاصطفاف مع إيران أو أميركا.

فبالاضافة الى عدم واقعية القطع الكامل ما بين العراق وإيران، نظراً لجملة من التعقيدات السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية، فإن الاصطفاف الكامل مع أمريكا لا يبدو خياراً مأموناً، كما أن أمريكا غير معنية بحلّ مشكلات العراق، وإنما التصرّف، مثل أي دولة أخرى في العالم، حسب مصالحها وأولوياتها في المنطقة. أن تكون تابعاً لأمريكا، كما هتف الكثير من الشباب في ساحات التظاهر التشرينية، لا يقل سوءاً عن أن تكون تابعاً لإيران.

تبدو النخبة الشيعية المهيمنة اليوم مرعوبة من فكرة فقدان السلطة، أو اندلاع حرب أهلية "شيعية/شيعية"، تكون مقدمة لفقدان هذه السلطة. ولهذا تتلكأ أو تتحرّج من إجراء عملية جراحية في جسدها "الشيعي" المترهّل، لإبعاد تلك الأجزاء الراديكالية التي تغامر بالوجود الشيعي والوطني بالوقت نفسه.

إن هذه النخبة تبدو وكأنها في عربة تجرّها مجموعات الكاتيوشا يميناً وشمالاً، ليغدو رامي الصواريخ غامض الهوية هو صاحب الفعل، وقيادات الأحزاب والمليشيات الكبرى مجبرين على "ردّ الفعل" بالتصريحات السياسية فحسب.

هم يعرفون جيداً أن رامي الكاتيوشا غامض الهوية لا يملك قوّة في ذاته، وإنما لأنه قفّاز للحرس الثوري في إيران، هذه الذراع العسكرية الضاربة للولي الفقيه، والتي تعتمد هذه الأحزاب والمليشيات الكبرى عليه في تأمين "السلطة الشيعية" في العراق، فكيف تقف إذن ضد طرف هو من يمثل عمقها الاستراتيجي؟!

هذه الحقيقة هي ما جعلت بعض المعلّقين يطالبون بالتفاوض مباشرة مع الحرس الثوري، واستبعاد امكانية الحسم من الحوار مع الأطراف الشيعية العراقية الكبرى.

في هذا المشهد الحالك لن نعدم وجود طرف متفائل، بشكلٍ من الأشكال، يرى أننا نعيش حلقة من التطوّر الطبيعي للأحداث ما بعد الانتصار على داعش. وأن النخب السياسية العراقية بمختلف خلفياتها العرقية والطائفية لم تتعلّم من النظريات وتجارب الأمم السابقة وهي مجبرةٌ اليوم مثل القرود على "التعلّم بالتجربة"، لذا فهي ترى اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ذلك الخط الواضح الذي يفصل ما بين المصالح الإيرانية والمصالح العراقية.

وخارج مدار التصريحات الشاجبة لفصائل الكاتيوشا فإن حلفاء إيران أنفسُهم مجبرون على أداء الدور المؤلم لتوضيح المشهد أمام إيران، بأنها يمكن أن تخسر الكثير إن ظلت تدفع بمغامرة الكاتيوشا وانفلات المليشيات إلى أقصاها. وأنه من الصعب ابتلاع العراق بالكامل، و"ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه" كما في الحكمة العربية القديمة.

خاصّةً وأن هذا التناقض ما بين رؤيتين للنفوذ الإيراني في العراق يقسم المشهد السياسي الإيراني نفسَه ما بين طرف معتدل يطالب بعلاقات سياسية سليمة مع العراق تحفظ سيادته، وطرف يصرّ على أن يبقى الحرس الثوري هو صاحب الملف العراقي.

ضمن هذا المنظور فإن المليشيات الكبرى نفسها، بدر والعصائب وسرايا السلام، وزعماءها السياسيين، وليس حكومة الكاظمي، مَن عليها مسؤولية الحسم بشأن العملية الجراحية "السياسية والأمنية" التي يجب إجراؤها داخل الجسد الشيعي العراقي للحفاظ على مظهر موحّد ومتماسك قدر الإمكان لكيان الدولة العراقية، وقدرة هذا الكيان على خدمة المصالح الأساسية للمواطنين العراقيين، وخدمة مصالح النخبة السياسية الشيعية ضمناً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي