تشدد بعض التقارير على أن سياسات دعم الخبز والسكر في بعض الدول مثل مصر تعد سبباً رئيساَ في ارتفاع معدلات البدانة. لا بدّ من الحذر من هذه التقارير لما تتضمنه من مدلولات سياسية تتعلق برفع الدعم عن مواد حيوية لعيش المواطن تلبية لبرامج البنك الدولي.

كان القبول الشعبي، وتجييش الحس العام "Common sense" من بين أهم إستراتيجيات وآليات تنفيذ سياسات الليبرالية الجديدة وشرعنتها، وتبلورت عقيدتها حول، أن كل دعوة ثورية يمكن امتصاصها من خلال صنع أنماط وسلوكيات ومعايير حياتية جديدة، من شأنها خداع الفرد بأنه صاحب القرار الأول والرئيس في اتخاذ مساره، بكامل حريته، وبمنتهى الواقعية التي تعززها بحوث وتقارير منظماتها المختلفة تحت عناوينها التنموية.

وحين نتحدث عن مسألة مثل البدانة المفرطة، التي أصبحت ضمن مفردات الخطاب السياسي، لا بد أن نعود إلى تلك البحوث والتقارير، ومنها التقرير الصادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) الصادر عام2017، والمعنون بـ"الأفق العربي 2030: آفاق تعزيز الأمن الغذائي في المنطقة العربية، الذي يشير إلى خطورة ارتفاع معدل البدانة بالمنطقة مقارنة بالمتوسط العالمي؛ إذ يقارب ربع سكان العالم، ويفوق بثلاث مرات معدل انتشار البدانة في البلدان النامية ككل. وتسجل بلدان مجلس التعاون الخليجي أعلى المعدلات بمتوسط بلغ 33%، يليه بلدان المشرق العربي بنسبة 28% ويصل إلى 30% في مصر. أما بالنسبة للمعدلات فيما بين النوع الاجتماعي، فقد بلغت نحو 15% للنساء مقابل 9% للرجال.

يمارس الخطاب السياسي نوعاً جديداً من السلطة الرمزية تستهدف المستوى النفسي والذهني للأفراد وتجعلهم بمرور الوقت متواطئين معها ومستعدين لقبول حيثياتها أياً كانت ضدهم.

إيمان النمر

وردّ التقرير أسباب البدانة إلى تغير أنماط الحياة اليومية وسلوكياتها، وما ترتب عليها من ازدياد استهلاك الأطعمة الكثيفة الطاقة والجاهزة المشبعة بالدهون المركبة، بجانب انخفاض النشاط الحركي للجسد إثر زيادة الاعتماد على الميكنة والتكنولوجيا، ووسائل المواصلات في التنقل. إلا أن اللافت للانتباه أن هذا التقرير، ومن قبله تقرير البنك الدولي لعام 2009، يشددان على أن سياسات دعم الخبز والسكر في بعض الدول -سيما مصر- هي سبب رئيس في ارتفاع معدلات البدانة.

هذا التشديد يدعونا للحذر في تأويل مدلولات أي خطاب سياسي اقتصادي يتضمن محتواه الحديث عن الصحة ومسألة البدانة، وضرورة ربطه بمسألة سياسات الدعم الموجه، وعدم أخذه على محمل العفوية أو السخرية بحجة أنه أمر هامشي، خاصة أنه يتعلق تحديداً بأهم سلعة تموينية ماسة بحياة المواطنين، ألا وهي الخبز.

الخبز الذي يستدعي بدلالاته إلى ذاكرتنا الانتفاضات التاريخية التي اندلعت في وجه الحكومات المحلية جراء محاولات خفض دعم الغذاء برعاية برامج الإصلاح الاقتصادي لصندوق النقد والبنك الدوليين، ومنها انتفاضة 1977 في مصر، والمغرب عام 1981، وتونس 1983، والأردن في عامَي 1989 و1996، وكذلك الجزائر. ولا تفوتنا انتفاضات الخبز التي اندلعت في خضم أزمة الغذاء العالمية 2007/2008، وكان الخبز هو الكلمة الأولى التي شكّلت شعار المد الثوري العام 2011 "عيش، حرية، عدالة اجتماعية".

والآن، في ظل عمليات الإصلاح الاقتصادي التي يقودها صندوق النقد الدولي في عدد من الدول العربية التي شهدت هذا المد الثوري، ومنها مصر التي حصلت على قرض بقيمة 12مليار دولار أميركي، عليها أن تلتزم ببنود البرنامج الإصلاحي كافة، والذي يتطلب تخفيضاً صارماً للنفقات الحكومية وتحرير سعر صرف العملة، ثم مؤخراً سعر الدولار الجمركي، ما ترتب عليه انخفاض قيمة الجنيه المصري إلى النصف وكذلك القدرة الشرائية، كما ارتفعت الأسعار حتى أربعة أضعاف في أغلب السلع، كذلك تدرَّج رفع الدعم عن الوقود بنسب تراوحت بين 30% و 80%، في حين لم تزد الأجور، وارتفعت معدلات ضرائب الاستهلاك المعروفة "بالقيمة المضافة" وغيرها الكثير من المشكلات الاقتصادية المعيشية الضاغطة، هذا وتشير التقارير بحسب "جين هاريغان"، إلى أن معدل الإنفاق الفردي على الغذاء في الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، ومنها مصر، يبلغ في المتوسط أكثر من 40%، ما يعني أن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود ينعكس بالسلب على معدلات الإنفاق الخاصة بالتعليم والصحة، وبالتالي زيادة معدلات الفقر، أي: دوران في دائرة مفرغة.

يستغل النظام الآن عمل المسوح والتعداد التي تُظهر معدلات البدانة المرتفعة وارتباطها بأمراض السكر وضغط الدم المرتفع لتبرير رفع الدعم عن المواد الأساسية.

إيمان النمر

بناء على هذا الوضع الاقتصادي الحَرِج، وفي ظل التخوف السياسي من هبّات شعبية اصطدامية للدفاع عن حقها في دعم الخبز وبعض الأغذية، ما يُعد ورقة التوت الأخيرة للفقراء، يتبنى الخطاب السياسي في مصر لغة عاطفية تدمج بين الواقع المتمثل في التقارير والإحصاءات الصحية، وبين ما هو مفترض تطبيقه، بمزيد من سياسات تقشفية مستقبلية استجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي.

إذن، يمكننا القول بأن الخطاب السياسي يمارس نوعاً جديداً من السلطة الرمزية التي تحدث عنها بيير بورديو (1930 - 2002)؛ سلطة لا مرئية متقنعة بالقانون أو العادات أو المصلحة الفردية والقومية، تستهدف المستوى النفسي والذهني للأفراد وتجعلهم بمرور الوقت متواطئين معها ومستعدين لقبول حيثياتها أياً كانت ضدهم؛ فلدرء غضب المواطن الفقير الذي حمل على عاتقه مجبراً تكلفة برنامج الإصلاح الاقتصادي الباهظة، ولتجنب وقوع ثورات خبز أوغذاء في العموم مماثلة لما مضى، في واقع لم يعد يقبل بذلك ولا يحتمله. كان لا بد من البحث عن سبل تروِّضه نفسياً وتجعله بالتدريج يقبل ما لم يمكن قبوله.

وعلى غرار الأنظمة الرأسمالية الليبرالية التي استفادت قديماً من عمليات التنظيم الإحصائي والتعداد، يستغل النظام الآن عمل المسوح والتعداد التي تُظهر معدلات البدانة المرتفعة وارتباطها بأمراض السكر وضغط الدم المرتفع وخلافه، إذ يشير المسح الصحي الأولي بحسب تصريحات وزيرة الصحة في مصر، إلى أن 11مليون مصري من عدد 50 مليوناً يعانون من البدانة المفرطة، وهو ما يعد كارثة بحسب الخطاب السياسي لا بد من مواجهتها بالتوعية والتوجيه الإعلامي والتربية المدرسية.

دائماً ما يدافع صندوق النقد الدولي بأنّ برامج الإصلاح التي يتبناها ذات كفاءة وفاعلية إلا أن النزاعات والاضطرابات الثورية هي السبب في تعطيل تلك الكفاءة المدعاة.

إيمان النمر

فجأة، أصبح الحديث عن البدانة والأوزان بين عامة الناس وفقرائهم حديثاً ذا شأن وشجون، لأنه بات مسألة تخص أساس احتياجاتهم المعيشية، سيما أن البعض قد فطن إلى أبعاد تلك القضية وربطها بمسألة الدعم. فعلي سبيل المثال، في الريف وأثناء الحملات الصحية التى تم تفعيلها سرى بين الناس معلومة مفادها، أن الذين سيتجاوز وزنهم 75 كيلو جراماً، سيتم حرمانهم من الحصة التموينية! وسواء كانت شائعة أو حقيقة في طريقها إلى التطبيق والقياس، فالأهم واللافت للانتباه أن البعض أخذها على محمل الجد والتفكير والاستسلام، وبعض الاقتناع بأن تلك النشويات الزائدة التي يتغذى بها، ويسميها العوام "حشو بطن" تحمل سُماً حقيقياً يضر بالصحة، ومن ثمّ لا مانع من قرارات تخفيض حصة الفرد من استهلاك الخبز والسكر والزيوت المركبة التي تُصرف على بطاقته التموينية.

دائماً ما يدافع مناصرو الليبرالية الجديدة وسياسيوها، والتي يمثلها صندوق النقد الدولي، بأنّ برامج الإصلاح التي يتبناها ذات كفاءة وفاعلية، إلا أن النزاعات والاضطرابات الثورية، إضافةً إلى عدم تطبيق الدول المستهدفة للشروط والإملاءات بحذافيرها هي السبب في تعطيل تلك الكفاءة المدعاة، إذ إنه لا بد من فتح الأسواق المحلية، وإجراء عمليات الخصخصة، وتحرير أسعار الصرف والتسعير تماماً بما يتوافق والمعدلات العالمية.

وفي ضوء سياسات الليبرالية الجديدة تلك، يجب على الدولة الانسحاب من المجال الاقتصادي والرعاية الاجتماعية، واستبدال الدعم العيني -حال وجوده- بالنقدي، وتحميل الفرد مسؤولية تحديد جهات إنفاقه المعيشية ومعدلاتها باختلافها على نحوٍ كامل، وهنا مثال على مواجهة الفرد لذاته بمسؤوليته عن بدانة جسده سيئ التغذية وأمراضه وحرمانه.

الفرد هو المسؤول عن بؤسه، لأن السياسات الليبرالية الجديدة تخبرنا أن نسب التضخم انخفضت بمعدلات كبيرة، كذلك نسب نمو اقتصادي ملحوظة، لكنها لا تعترف بأنها تصب في صالح النخب المستثمرة، وليس الفرد الذي دُمر نظامه التعليمي والصحي على مر عقود عديدة، بفضل سياسات الرأسمالية المعولمة، ورضوخ النخب التجارية المالية والحكومات المحلية لشروطها. ونختم بالسؤال الذي طرحه أحد المواطنين بطابور الانتظار في الكشف الطبي: هل عندما يتخلون عن دعم خبزيّ وسكريّ لأنهما مصدر بدانتي المفرطة، ستتوفر لي سبل الحصول على اللحم والفاكهة؟ وقيمة أجره الوظيفي أو المهني مقارنة بالمعدل العالمي الذي يُحاسب به، لا تساوي شيئاً!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي