هل يبدو طبيعيّاً في بلدان تتوزع على نحو 14 مليون كيلومتراً مربعاً، وتضم كل الخيرات والثروات، أن يكون فيها نحو 40 مليون مواطن يعانون نقصاً في التغذية؟

هل من المقبول أن يَعْتَلَّ نحو 116 مليون نسمة، من مواطني الدول العربية، بفقر مدقع؟ كيف لنا أن نستسيغ وجود أزيد من 40 بالمئة منهم تحت عتبة الفقر، وذلك وفقاً لمخرجات التقرير العربي حول الفقر المتعدد الأبعاد؟

هل يبدو طبيعيّاً في بلدان تتوزع على نحو 14 مليون كيلومتراً مربعاً، وتضم كل الخيرات والثروات، أن يكون فيها نحو 40 مليون مواطن يعانون نقصاً في التغذية، بما يناهز 13 بالمئة من السكان؟

طبعاً هذه الأرقام تَهُمُّ من يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، وهو ما يعني أن توسيع تعريف الفقر إلى أقل من خمسة دولارات في اليوم، سيضعنا أمام وضع مأزقي يشير إلى حالة الـ"كلنا فقراء" من المحيط إلى الخليج، وأنه يوجد في النهاية من يعيشون في "قشدة المجتمع" من مالكي وسائل الإنتاج والإكراه، في مقابل فاقدي أو محدودي الرساميل المادية والرمزية من آل "القاع الاجتماعي".

ذلك أن التوزيع غير العادل للثروات أفرز المزيد من اللا تكافؤ في الحظوظ والفرص، و زاد عمق الفجوة القائمة بين "فقراء تحت الصفر" و"فقراء بكرامة" من جهة، وأهل اليسر والدعة والحكم من جهة ثانية.

التوزيع غير العادل للثروات أفرز المزيد من اللا تكافؤ في الحظوظ والفرص و زاد عمق الفجوة القائمة بين "فقراء تحت الصفر" و"فقراء بكرامة".

عبد الرحيم العطري

إن كان الفقر قدَراً من السماء فأهلاً به، وإن كان ممهوراً بتوقيع السائدين من آل الأرض، فيجب الصراخ في وجه صُنَّاعِهِ ومُؤَبِّدِيهِ، فنحن لا نختبر فقراً وهشاشة قصوى في هذا الزمن الرديء، بل نعاني تفقيراً مُمنهَجاً، يستند إلى غايات لا تنأى عن تأبيد الاستبداد وصناعة الخضوع، تُختزل بكل فجاجة في المثل الدراج "جَوِّعْ كَلْبَكَ يَتْبَعْكَ".

فالتفقير ها هنا يصير استراتيجيةَ بناءٍ وإنتاجٍ، لتكريس وضعياتٍ وتقرير أحوالٍ، وإلا فكيف نفهم انتفاء الفقر في دول أقل ثروة ومساحة من مجموع العالم العربي؟

إن التفقير، كآلية استبدادية، يتأسس على التجويع والاستبعاد والتهميش، وهو بذلك يُقصِي من يستهدفهم من حقّ الاستفادة من الثروة، ويدفع بهم إلى سقف الانتظارية والقدرية والاستسلامية، في انتظار العطايا التي قد يجود بها المتحكم في اللعبة والتعلق به والافتتان به، بل والدفاع عن استبداديته وتبريرها.

وهو أمر يذكّرنا بمتلازمة ستوكهولم في علم النفس، التي تحيل إلى حدث تعاطف الضحية مع الجلاد خلال عملية اختطاف واحتجاز الرهائن ذات سرقة وقعت بستوكهولم سنة 1973، إذ أصبح الرهائن متعلقين عاطفيّاً بالخاطفين، ومدافعين عنهم ومبررين لعنفهم، إلى درجة عدم القدرة على المشاركة في أي سلوك يساعد على تحرير الرهائن أو فكّ ارتباطهم بالمعتدى عليهم.

ينبغي أن لا ننسى أن الفقر يتم تكريسه عن طريق الأبنية الرمزية في أحايين كثيرة، وكلنا نتذكر كيف كانت نصوص المطالعة في التعليم الابتدائي تحرص باستمرار على الاستنجاد بحكاية "صاحب القصر وصاحب الكوخ"، التي تصوّر الأول تعيساً على الرغم من كل النعم التي يرغد فيها، فيما الثاني المعدم "الكحيان" يبدو سعيداً ببؤسه.

المجهودات التي تتبجح بها الدول العربية في سبيل القضاء على الفقراء لا الفقر لا تقود إلى بناء مجتمع العدالة والمساواة بقدر ما تعمّق الهوة بين من يملك ومن لا يملك.

عبد الرحيم العطري

فالغنيّ يغار من الفقير، ويهديه جرة من الدنانير الذهبية، فيطير النوم عن البائس، بسبب خوفه على الذهب، وتعداده عشرات المرات في الليلة الواحدة، ليقرر في الصباح إعادة الجرة إلى صاحب القصر، مستغنياً عنها، لأنها سرقت منه سعادته ونومه الهانئ. إنه درس تم إِفْسَالُهُ عميقاً في أذهاننا لاستحلاء الفقر والفاقة، وكراهية الوفرة والغنى.

كما أن المجهودات التي تتبجح بها الدول العربية في سبيل القضاء على الفقراء لا الفقر، لا تقود إلى بناء مجتمع العدالة والمساواة، بقدر ما تعمّق الهوة بين من يملك ومن لا يملك، فالقروض الصغرى والمشاريع المدرّة للدخل، التي يتم "الإنعام" بها على الفقراء، تخون نصها الأصلي القادم من تجربة النمور الآسيوية، وتتحول إلى وسيلة فعَّالة لتفقير الفقراء وإغناء الأغنياء.

ذلك أن القروض الصغرى هناك تكون بلا فائدة أو بقدر رمزي لا يتجاوز نسبة 2 بالمئة، فيما تصير في المغرب مثلا بين 10 و20 بالمئة، وهو ما جعل الجمعيات والشركات والأبناك المشتغلة في هذا الميدان تحقّق ربحاً صافياً، في ظرف أقل من 5 سنوات، يقدر بنحو1,4مليار دولار، علماً أن مقدمي هذه الخدمات في أنساق أخرى بالكاد يستردون ما أقرضوه، أما الربح فمن رابع المستحيلات.

لا بد من الرجوع إلى جان زيغلر، عبر عناوينه التي آلت على نفسها فضح الليبرالية المتوحشة، وذلك من قبيل: "النهابون"، "أسياد العالم الجدد"، "أسياد الجريمة"، المافيا الجديدة"، إمبراطورية العار".

ففي مختلف هذه المُتُونِ نكتشف كيف يصير التجويع والتفقير آلية للتطويع والتدخل في شؤون الدول والأفراد.

إن زيغلر، عبر نصوصه هاته، وفي أكثر من مرة يصرخ عالياً، ومؤكداً أن كل شخص يموت جراء الفقر أو الجوع، فهو ضحية "جريمة اغتيال". فكم من جريمة بهذا التوصيف الدامي والمؤلم، تُرتكب يوميّاً في الزمن العربي الهادر؟

الغاية القصوى من صناعة الفقر والجوع تكمن أساساً في جعل المُفَقَّرِينَ والمُجَوَّعِينَ أكثر انشغالاً فقط بتأمين القوت اليومي وغير معنيِّين لا بتغيير النظام ولا بالمشاركة في تدبير وإنتاج سياساته.

عبد الرحيم العطري

إن الغاية القصوى من صناعة الفقر والجوع، تكمن أساساً في جعل المُفَقَّرِينَ والمُجَوَّعِينَ، أكثر انشغالاً فقط بتأمين القوت اليومي، وغير معنيِّين لا بتغيير النظام ولا بالمشاركة في تدبير وإنتاج سياساته، كأن مهندسي هذه الصناعة يَعُونَ جيداً ما يعتمل في "هرم ماسلو" للحاجات، على اعتبار أن الشخص لا ينشغل بالدرجات العليا من هرم الحاجات إلا بعد تَحَقُّقِ الإشباع في الدرجات الدنيا، وعليه فإنه لن يفكر مطلقاً في التغيير والمشاركة، وهو محشور في الزاوية الضيقة للفقر والفاقة والتهميش.

فالتفقير غير منفصل بالمرة عن باقي الآليات التطويعية والإخضاعية التي تتوسل بالقمع تارة، وبالجهاز الإيديو-ديني تارة أخرى، ما يجعل منه آلية سوسيو-اقتصادية أكثر فاعلية لتوسيع حقل الطاعة والإجماع، ما دامت ثقافة الفقر تُنتِج، تبعا لـ"أوسكار لويس"، أزمة ثقة موسومة بمحدودية اندماج ومزيد انهزامية وانقيادية.

ومع ذلك فالشرط الاجتماعي غير قابل دوماً للتعميم، ولا يمكن الاستكانة إلى واقع من الهيمنة الثابتة دونما أمل في التغيير.

فالتاريخ العربي حابل بأحداث ثورات الجياع والشحاذين والحرافيش، الذين تألموا كثيراً من سياسات التجويع والتطويع، وفي الأخير خرجوا محتجّين رافضين لنسق بئيس من الإذلال، يمنح الأغنياء مزيداً من الغنى، ويكبّل الفقراء بمزيد من البؤس وامتهان الكرامة.

جدير بالذكر أنه يبدو، وفي كل حين، أن لا "رغبة" لدى صناع القرار العربي لحل مشكلات الفقر، ذلك أن تأبيد الأزمة يفيد كثيراً في صرف الانتباه عن القضايا الحيوية المرتبطة بتقسيم الثروة وإقرار العدالة الاجتماعية، ما يفيد نهايةً في مزيد من الهيمنة التي تتغذى على مزيد من الخنوع، كأن لسان حالهم جميعا يقول "دعه منشغلاً بقوت يومه كبغل طاحونة، ممنوع من الرؤية، وممنوع من العبور نحو الكرامة".

ختاماً نؤثر العودة إلى الكواكبي وهو يضع شجرة نسب الاستبداد، فقد أَوْجَزَ فَأَبْلَغَ، قائلاً إنه لو كان الاستبداد رجلاً، وأُرِيدَ أن يُفَصَّلَ في نسبه وحسبه، لَقِيلَ: "أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال، المال، ثم المال". فالفقر نجل الاستبداد، به يكون ويتجذّر، وكلما اتسعت دائرة الفقراء، اتسعت أيضاً هوة التفاوت وتعالت أساسيات الهيمنة والإخضاع والتطويع. رُفعت الأقلام وجفّت الصحف.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي