كان الأجدر بالجامعة أن تُسارع إلى دعم الشرعية في طرابلس وأنْ تساعد حكومة الوفاق على تجاوز محنتها وتقريب مواقف الفرقاء قبل تفاقم الخلافات السياسية وتحوّلها إلى نزاع مسلح؛ وإذْ لم تفعل ذلك، كان عليها أن تتدارك الموقف بعد توقيع اتفاق الصخيرات سنة 2015

وأخيراً استيقظت مصر من سباتها وتذكرت انّ هناك منظمة إقليمية اسمها جامعة الدول العربية، لتطلب منها عقد اجتماع طارئ حول الأزمة الليبية. ودون انتظار ما سيسفر عنه الاجتماع سارع الجنرال السيسي إلى إعلان يوم 21 يونيو/حزيران أنّه بات يتوفر على شرعية التدخل في ليبيا، وقبلها بيوم واحد كان قد أعلن أنّه لن يسمح للقوات الليبية التابعة لحكومة الوفاق المعترف بها دولياً باستعادة سيطرتها على مدينة سرت، وعلى قاعدة الجفرة، معتبراً أنّ الخط الذي يربط هاتين النقطتين يعتبر خطاً أحمر لا يجب على حكومة طرابلس تجاوزه.

وهو ما ردت عليه طرابلس بأنّ هذا التصريح يُعتبر انتهاكاً لسيادة ليبيا وتدخلاً مباشراً في شؤونها الداخلية بل وتكريساً لتقسيم البلد إلى ليبيا شرقية وليبيا غربية، مما يهدد وحدتها وسلامة أراضيها بشكل علني وغير مسبوق.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها تسخير الجامعة العربية كأداة لتبرير أو إضفاء الشرعية على قرارات قد لا تُعبر بالضرورة عن المصالح الاستراتيجية للمجموعة العربية أو تخدم أمنها القومي، فقد سبق للجامعة العربية، أن استعملت كمظلة عربية للحرب الأمريكية-الأطلسية على العراق في يناير 1991، وذلك من خلال القرار الصادر في 10 أغسطس/آب 1990 عن القمة الطارئة بالقاهرة.

وقد كان الثمن الذي قبضه نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك مقابل هذا القرار هو شَطْب ديونه العسكرية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية والمُقدّرة ساعتَها بحوالي سبعِ مليارات دولار، بالإضافة إلى إلغاء مبلغ مماثل من الديون الخليجية المستحقة على مصر، وتقديم مساعدات أخرى نقدية وعينية.

ورغم أنّ الجامعة العربية تعتبر من أقدم المنظمات الإقليمية، حيث تم تأسيسها سنة 1945، ورغم ارتباط أعضائها باتفاقية للدفاع المشترك، إلاّ أنها ظلت عاجزة عن حلّ أيٍّ من الأزمات التي مرت منها الدول الأعضاء خلال ما يقرب من سبعة عقود.

وحتى لا نذهب بعيداً في الذاكرة التاريخية، يكفي أن ننظر إلى النيران المشتعلة حالياً في كلّ أركان البيت العربي دون أن تُحرك الجامعة ساكناً، من العراق شرقاً إلى ليبيا غرباً مروراً بسوريا واليمن والسودان والصومال وحصار قطر.

ولذلك يعلق بعض الظرفاء بأنّ الخلل يعود إلى نقطة الانطلاق، حيث كانت فكرة إنشاء الجامعة العربية من اقتراح وزير خارجية بريطانيا Anthony Eden في مايو/أيار 1941، ونفذها بعد سنتين من ذلك رئيس الحكومة المصرية مصطفى النحاس في عهد الملك فاروق.

وبعيداً عن الخطيئة الأصلية لنشأة الجامعة العربية وأصولها البريطانية، من المؤسف أن يتم تحنيط هذه المنظمة الإقليمية كلّ هذه السنين، ثمّ تُبعث من موتها ليس للقيام بدورها القومي في قضية سد النهضة الإثيوبي مثلاً، والذي يهدّد الأمن المائي لمصر والسودان، ولا في الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران، ولا في الوجود العسكري لهذه الأخيرة إلى جانب الجيش الأمريكي فوق أراضي العراق، ولا في الحصار الذي تتعرض له قطر من جيرانها العرب، وغيرها من القضايا التي تهدد وحدة الشعوب العربية وسلامة أراضيها وأمنها الوطني، ولكن يتم استدعاء اجتماعٍ طارئ من أجل منع الحكومة الشرعية في ليبيا، والتي تعترف بها الجامعة العربية نفسها، من توحيد أراضيها وطرد المرتزقة الأجانب والملشيات المعتدية.

كان الأولى بهذه الجامعة أن تعقد اجتماعاتها الطارئة حينما استغاثت بها حكومة الوفاق المعترف بها دولياً لمواجهة مليشيات غير شرعية شنت هجوماً كاسحا للسيطرة على طرابلس، ولكنّ آذان الجامعة ظلت صمّاء.

أزمة ليبيا قاربت على إطفاء شمعتها العاشرة، وانتشرت فيها القوات الأجنبية السرية والعلنية، دون إذن من أصحاب البيت، وتحولت أرضها بفعل الأيادي الأجنبية المتربصة إلى شبه كانْتُونَات، لكل واحدة منها زعيم يُذكّرنا بِمُلوك الطوائف في الأندلس.

ولم تُحرك هذه الوضعية مشاعر النّخوة والشهامة العربية لتقديم النّجدة والعون لدولة شقيقة ترقُص على أشلائها الذئاب والضباع وتُحلّق فوقها الغِربان. وعلى العكس من ذلك تماماً، حين باشرت الحكومة الشرعية بسطَ سيطرتها على الأرض، بدعم تركي، قامت القيامة وتحركت الدول العربية والأوربية لوقف تقدم قوات حكومة الوفاق ومنعها من توحيد ليبيا.

كان الأجدر بهذه الجامعة أن تُسارع إلى دعم الشرعية في طرابلس وأنْ تساعد حكومة الوفاق على تجاوز محنتها والتقريب بين مواقف الفرقاء قبل تفاقم الخلافات السياسية وتحوّلها إلى نزاع مسلح؛ وإذْ لم تفعل ذلك، كان عليها أن تتدارك الموقف بعد توقيع اتفاق الصخيرات سنة 2015، وتبادر إلى مواكبته وتنفيذ بنوده لبناء دولة قوية وموحدة.

ولكنها لم تفعل، فكان عليها على الأقل أن تلزم حِكمة الصّمت، وهي تُشاهد الحكومة الشرعية تستعيد المدن الليبية واحدة تلو الأخرى وتُلحق الهزائم بملشيات ومرتزقة جاؤوا من كل الآفاق خدمة لأجندات قد تكون مختلفة، ولكنها قطعاً لا تهدف إلى الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية ولا إلى تحقيق الحرية والكرامة التي خرج من أجلها الشعب الليبي في ثورة 17 من فبراير/شباط..

يبدو إذن أنّ المؤامرة على الشعب الليبي تتوسع دائرتها يوماً بعد الآخر، وكلّ المؤشرات تُنذر بأنّها مقبلة على مرحلة جديدة تتواجه فيها القوى الإقليمية بوجه مكشوف، مما سيزيد من تأزيم الوضع وإبعاد حُلم السلام إلى أجل غير مسمّى!

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي