لم يكن أكثر المراقبين تفاؤلاً يتوقع حدوث هذا الحراك الحالي في الجزائر بهذا الزخم الكبير، لكن إعلان ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة كان له مفعول الصدمة والصعقة التي حركت عشرات الآلاف من الناس ودفعت بهم إلى الشوارع في مشاهد غير مسبوقة فاجأت السلطة الحاكمة.

ولكن قبل قراءة الحراك الشعبي المناهض لاستمرار بوتفليقة في الحكم ينبغي الإشارة إلى أن ما يجري ليس جديداً وإن كان مختلفاً، فالحراك الحالي ليس الغضبة الشعبية الأولى في وجه نظام الحكم؛ حيث كانت أحداث الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 1988 لحظة عصيبة واجهت فيها الدولة الشعب في أحداث دامية، خلفت قتلى وجرحى ومعطوبين وخسائر كبيرة، كما لم تكن مطالب المحتجين سياسية بل وصفها البعض "بثورة خبز"؛ لأن منطلقاتها كانت اجتماعية بحتة نتيجة الأزمة الاقتصادية، غير أن النظام رد عليها بإصلاح سياسي من خلال إعلان الانفتاح وتعديل الدستور وإجراء انتخابات بلدية وبرلمانية فاز بهما الإسلاميون.

وتعد انتفاضة أكتوبر 1988 نقطة تحول تاريخي؛ لأنها حملت الجزائر إلى حالة غير مسبوقة من الديمقراطية، لكن الجزائريين يقرون أيضاً أن تلك الأحداث كانت تصفية حساب بين جناحين متصارعين داخل النظام، أحدهما محافظ والثاني إصلاحي ليبرالي، وعندما عجزا عن حسم المعركة رموا بها إلى الشارع وتمكن الإصلاحيون من فرض الانفتاح دون أن يصل التغيير إلى عمق النظام وبنيته الأساسية ما أدى في النهاية إلى حدوث انتكاسة يناير/كانون الثاني 1992 التي أنهت انفتاحا ديمقراطياً لم يعمّر طويلاً.

وقبل ثورة أكتوبر وقعت انتفاضات مناطقية أبرزها "الربيع الأمازيغي" في منطقة القبائل 1980 وكان بدوره دامياً ومكلفاً سرعان ما تكرر مرة أخرى خلال الولاية الرئاسية الأولى من حكم الرئيس بوتفليقة 2001 ضمن ما سُمي بالربيع الأسود الذي خلف شرخاً عميقاً جدّاً داخل المجتمع الجزائري أثّر على انسجامه؛ بسبب طريقة تعاطي النظام معه أمنيّاً وسياسيّاَ، وإن أدى، في بعض مآلاته، إلى الاعتراف بالهوية الأمازيغية.

الحراك الجديد يبدو مختلفا عن سابقيه على الأقل حتى الآن وأبرز ما يميزه سلميته ومطالبه السياسية الواضحة وعفويته وحالة التعبئة الشاملة في كل المناطق.

مروان لوناس

ومع اندلاع موجة الربيع العربي مطلع 2011 شهدت البلاد أيضاً "انتفاضة السكر والزيت" احتجاجاً على رفع الأسعار، ولأن خزائن الدولة كانت يومها متخمة بالأموال فقد عمدت الحكومة إلى شراء السلم الأهلي بزيادة الدعم المالي، وتقديم قروض بطرق شعبوية للشباب البطّال من أجل إقامة مشاريع انتهى أغلبها إلى الإفلاس قبل أن تتكرر الاحتجاجات مطلع 2017 وإن كانت بشكل أقل حدة على خلفية موازنة العام الجديد وما تضمنته من إجراءات تقشفية، لكن السلطات نجحت في استيعابها مرة أخرى.

إلا أن الحراك الجديد يبدو مختلفا عن سابقيه على الأقل حتى الآن، وأبرز ما يميزه سلميته ومطالبه السياسية الواضحة وعفويته وحالة التعبئة الشاملة في كل المناطق، مثلما أن سبب تفجره جديد وهو ترشح عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة وما شكّله من استفزاز حاد لمشاعر الجزائريين الذين لم يستوعبوا احتمال بقائه في الحكم وهو في حالة من المرض والعجز، بل إن هناك قناعة متجذرة في الشارع مفادها وجود "عصابة" من المسؤولين محيطة به و تحكم باسمه دفاعاً عن نفسها واستمرار مصالحها التي اكتسبتها طيلة عشرين عاماً من حكم بوتفليقة، ولم يعد غريباً أن تجد الناس تتساءل: هل عقمت الجزائر أن تلد رجلاً يصلح لقيادة البلد يكون بديلاً للرئيس الحالي مادام الحكم جمهورياً وليس ملكياً وراثياً؟ ويجد الجزائريون الأمر في منتهى الجنون أن رئيساً أصيب بجلطة في الدماغ قبل ست سنوات يتم ترشيحه للمرة الخامسة كي يحكم دولة بحجم الجزائر لخمس سنوات أخرى، كما أن قطاعات واسعة من الشعب باتت مقتنعة أن بوتفليقة توقف عن إدارة الحكم منذ مرضه في مايو/آيار 2013 وفقدانه الحركة والقدرة على الكلام ومخاطبة الشعب.

يجد الجزائريون الأمر في منتهى الجنون أن رئيساً أصيب بجلطة في الدماغ قبل ست سنوات يتم ترشيحه للمرة الخامسة كي يحكم دولة بحجم الجزائر لخمس سنوات أخرى.

مروان لوناس

ترشيح بوتفليقة استفز أيضاً كبرياء الشعب الذي نشأ على خطاب يعزز الشعور بالتميز والزهو بالنفس وعلى منظومة حكم تنفخ في عظمة شعب قام بأعظم ثورة في القرن العشرين وضحى بمليون ونصف مليون شهيد للحصول على حريته، ثم بعدها تأتي وتفرض عليه رئيساً لا يعكس ثورة هذه الشخصية الجزائرية الثورية بل وتُظهرها في حالة من الضعف الشديد.

بوتفليقة مرة أخرى؟

عندما أخفق أصحاب القرار في تمرير خطة تمديد الولاية الرئاسية الحالية وتأجيل الانتخابات الرئاسية لسنة أو سنتين وجدت الزمرة الحاكمة نفسها مجبرة على إعلان ترشح بوتفليقة رغم علمها بالمخاطر الكبرى وتحذيرات نقلتها تقارير استخباراتية تنبأت بانفجار غضب شعبي وشيك، لكن يبدو أن العصبة لم تلتفت إلى أن خيار الولاية الخامسة سيكون الشرارة المفجرة التي طالما استبعدت السلطات حصولها لسببين على الأقل.

ترشيح بوتفليقة استفز أيضاً كبرياء الشعب الذي نشأ على خطاب يعزز الشعور بالتميز والزهو بالنفس وعلى منظومة حكم تنفخ في عظمة شعب قام بأعظم ثورة في القرن العشرين.

مروان لوناس

السبب الأول تعويلها على التجربة الجزائرية والمأساة التي عاشتها طيلة عشر سنوات جراء حرب أهلية خلّفت جروحاً عميقة وشعوراً بالانكسار والمرارة، والسبب الثاني الاستغلال المغرض للآلة الدعائية الحكومية لمآلات ما وقع في سوريا وليبيا واليمن وتوظيف هذه النماذج لتخويف الشعب وفق منطق "نحن أو الطوفان". وقد سمح هذان السببان للنظام بابتزاز الشعب حسب معادلة الاستمرار مقابل الأمن. طبعاً المقايضة في هذه الحالة مستحيلة؛ لأنه لا يوجد شعب يفرط في أمنه واستقراره.

غير أن خطاب التخويف و سياسة شراء السلم الأهلي كان مفعولهما مؤقتاً ولم يصمدا أمام وعي شبابي كبير عمّ البلد وتغذّى مما رآه في الواقع داخلياً من خلال استشراء الفساد، ومن خلال تفطن فئات كبيرة من الشعب لوجود نماذج أخرى غير سوريا وليبيا واليمن ومصر، فكانت مظاهرات الجمعة 22فبراير/شباط 2019 التي كسرت معها أسطورة الشعب المستكين والمستقيل والمتخلي عن حقوقه السياسية.

رسائل مباشرة

لقد كان النزول الجارف إلى الشارع في حد ذاته حدثاً كبيراً ومدوياً حمل رسالة قوية على سقوط ورقة التخويف من الفوضى ومن ربيع عربي مدمر، أو من عودة البلاد إلى سنوات الحرب الداخلية.

وقد كسر الحراك جدار الخوف من النزول إلى الشارع؛ حيث استعاد الجزائريون حرية التظاهر خاصة في العاصمة التي تمنع فيها الحكومة المظاهرات منذ 2001، لذلك كان خروج حوالي 100 ألف شخص إلى شوارع العاصمة وفي كل محافظات البلاد في توقيت واحد حدثاً مزلزلاً.

لقد كان النزول الجارف إلى الشارع في حد ذاته حدثاً كبيراً ومدوياً حمل رسالة قوية على سقوط ورقة التخويف من الفوضى ومن ربيع عربي مدمر أو من عودة البلاد إلى سنوات الحرب الداخلية.

مروان لوناس

كما أعاد هذا الحراكُ الجزائريين إلى السياسة بعدما أُخرِجوا منها طوعاً وكرهاً، وبعدما ظن الكثير أن الشعب قد استقال. وتعتبر الهتافات التي ترددت في كل المظاهرات اليومية صارمة الموقف والمطلب.

وأخيرا، تميز هذا الحراك بالالتحام بين مختلف الفئات العمرية والتوافق المناطقي في بلد مساحته تفوق مليونَي كيلو متر مربع، كما يميزه اختفاء الألوان السياسية وغياب التيارات الإيديولوجية، وهذه واحدة من نقاط قوة الحراك؛ حيث تفادت كل التيارات اختراقه أو تبنيه وأقصى ما فعلته قوى المعارضة هو إعلان تأييدها ودعوة السلطات إلى عدم قمع المتظاهرين.

مستقبل الحراك الشعبي

طالما بقي هذا الحراك سلمياً محمياً من أي اختراق من أجنحة النظام التي لا تزال تتصارع، فإنه سيكون قادراً على الصمود والاستمرار في الضغط على السلطة وتحقيق مطالب تركز في مجملها على رفض تقدّم بوتفليقة للانتخابات الرئاسية، وهذا المطلب يبدو عقلانياً في الوقت الراهن ويمكن تلبيته بالبحث عن بدائل وشخصيات توافقية يقبلها الشعب وتحظى بقبول أصحاب القرار، وفي مقدمتهم المؤسسة العسكرية. لكن في المقابل فإن أي تماطل أو تجاهل للمطالب الشعبية فإنها ستجعل السقف يرتفع وقد يصل مستويات يصعب تلبيتها، وقد يُفتح الباب أمام سيناريو لا يريد أحد تكراره لأن الجزائر سبق وعاشته ودفعت ثمنه غالياً جداً.

طالما بقي هذا الحراك سلمياً محمياً من أي اختراق من أجنحة النظام التي لا تزال تتصارع، فإنه سيكون قادراً على الصمود والاستمرار في الضغط على السلطة وتحقيق مطالب تركز في مجملها على رفض تقدّم بوتفليقة للانتخابات الرئاسية.

مروان لوناس

وإلى حد الآن فإن السلطة تتعامل بنوع من اللامبالاة أو الاستخفاف وحتى الارتباك مع حراك الشارع الواضح في مطلبه؛ حيث أطلق مسؤولون سياسيون وعسكريون تصريحات تراوحت بين التناقض والتهديد في حق الشعب مثلما يبدو محيط الرئيس بوتفليقة مُصراً على المضي قدماً في مشروع الولاية الخامسة إلى نهايتها.

لكن السؤال الأكبر يتعلق بموقف الجيش مما يجري، وهل سيواصل نائب وزير الدفاع رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح دعم مشروع الولاية الخامسة، أم أنه سيتخلى على رئيس كان له الفضل عليه في الوصول إلى هذا المنصب وهذه القوة و السيطرة؟ أم سينحاز إلى مطالب الشعب مع ما تشكله من انكشاف لظهره أمام خصوم الأمس داخل النظام الذين ينتظرون الفرصة للانقضاض والعودة إلى إحكام قبضتهم على إدارة الدولة؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي