بعد انقضاء مائة عام على نهاية الحرب العالمية الأولى، مازال الشرق الأوسط يعاني من تداعياتها، فقد كانت نتائج هذه الحرب مجحفة جدا بحق هذه المنطقة وشعوبها.

بتاريخ 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918 وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها بالتوقيع على الهدنة بين دول الوفاق المنتصرة، ودول الوسط المنهزمة. تحل الذكرى المئوية لهذه الحرب التي غيرت معالم العالم. توارت إمبراطوريات، وبزغت أخرى وقامت دول، ونهضت أيديولوجيات جديدة، وأُرسيت قواعد جديدة للعمل الدبلوماسي مغايرة لما عرفته أوربا بعد مؤتمر فيينا سنة 1815، عقب انهزام نابليون، منافية لمبدأ توازن القوى، وسلوك الدبلوماسية السرية، تلك التي تضمنتها المبادئ الأربعة عشر للرئيس الأميركي ويلسن، كما فشت قيم جديدة في المجتمع، ومنها التوجهات التحررية والفردانية وحقوق المرأة (فيمنيزم).

أُريدَ للحرب العالمية الأولى أن تكون الأخيرة، ولكنها كانت تحمل بذور الحرب العالمية الثانية، مثلما أنها تحمل عناصر التوتر التي تشكو منها منطقة الشرق الأوسط إلى الآن. فالحرب العالمية الأولى ليست لحظة تاريخية فقط ولكنها تحوُّل، ما تزال آثارها تلقي بظلالها على العالم، أو مثلما قالت جريدة الفاينانسل تايمز الرصينة قبل سنتين، فالحرب العالمية الثانية انتهت، أما الحرب العالمية الأولى فلا. وليس هناك منطقة تلظت بمخلفات الحرب، ولمّا تزلْ آثارها قائمة كمنطقة الشرق الأوسط، وليست هناك منطقة تحمل لعنة تبعات الحرب العالمية الأولى من التقسيم والتجزيء مثل الشرق الأوسط، وهو ما قال به مختص بريطاني في قضايا الشرق الأوسط أوجين روغان Rogan Eugene المشهود له بالحصافة والنزاهة.

أُريدَ للحرب العالمية الأولى أن تكون الأخيرة، ولكنها كانت تحمل بذور الحرب العالمية الثانية، وعناصر التوتر التي تشكو منها منطقة الشرق الأوسط إلى الآن.

حسن أوريد

قبل أن تندلع الحرب العالمية الأولى تفتق ذهن إستراتيجيي بريطانيا عن توظيف فكرة القومية العربية لمواجهة الرابطة الإسلامية التي كانت تمثلها الإمبراطورية العثمانية. كان عراب تلك الفكرة اللورد كيتشنر الذي كان يعمل على إضعاف الرابطة الإسلامية التي كانت تشكل من منظوره الاستعماري خطراً على المستعمرات البريطانية المسلمة، خاصة في الهند (قبل التقسيم الذي سوف يفضي إلى ظهور كل من باكستان وبنغلادش، ذات الأغلبية المسلمة) ومصر والسودان، ولذلك كان ينبغي إضعاف الإمبراطورية العثمانية التي كانت تشكل رمز الرابطة. ومن أجل ذلك، تم توظيف الشعور القومي لدى العرب، كما عند الأرمن وفي البلقان من أجل إضعاف الإمبراطورية العثمانية.

في خضم المواجهة أثناء الحرب العالمية الأولى أبدى العثمانيون مقاومة شرسة، وخاصة في معركة كاليبولي سنة 1915 التي بلغت أصداؤها كافة أرجاء العالم الإسلامي. كانت سنة 1915 أسوأ سنة بالنسبة للحلفاء أو دول الوفاق، ولذلك تم توظيف العرب من أجل فَلّ الجبهة العثمانية، وقام ما سمي بالثورة العربية تحت لواء الأمير فيصل بن الحسين بمساعدة لورنس "العربي" والتي لم تكن سوى دسيسة بريطانية. وبذات الوقت تقرب لويد جورج، رئيس الحكومة البريطانية، من العناصر الصهيونية في إنجلترا من أجل ضمان أمن قناة السويس، خاصة أن قوات القائد العثماني جمال باشا، بلغت مشارف القناة في العملية العسكرية المعروفة بـ"يلدز" (البرق).

دخول العرب، أو على الأصح قوات الأمير فيصل مع لورنس العرب (لأن عناصر أخرى بالأخص في الشام ظلت وفية للرابطة الإسلامية، ولم تنصع للمخططات البريطانية) سيضعف الجبهة العثمانية وينتهي إلى دخول القوات البريطانية بقيادة ألنبي دمشق والقدس، ويفضي إلى سوء فهم مُستشرٍ بين الأتراك والعرب، لما اعتبره العثمانيون خذلاناً من قِبل العرب.

أما العامل الثاني الذي برز في خضم الحرب العالمية الأولى، والذي ستكون له انعكاسات درامية على المنطقة هو وعد بلفور نوفمبر/تشرين الثاني 1917 الذي وعد بوطن لليهود، دون أي إشارة لساكنة فلسطين، ولا لحقوقهم السياسية، في تعبير فضاض للحقوق الدينية للجماعات الأخرى. وعد بلفور سليل الحرب العالمية الأولى، وكان الخطوة الأولى التي شرعنت الهجرة اليهودية إلى فلسطين ثم قيام دولة إسرائيل.

أرادت بريطانيا إنهاء الرابطة الإسلامية بالقضاء على الدولة العثمانية من خلال استثمارها بالقوميات العربية والأرمنية وغيرها.

حسن أوريد

العنصر الثالث الذي صاحب الحرب وأثر في مجريات الأمور في المنطقة إلى الآن، هو الاتفاقات السرية التي أبرمتها كل من قوى الوفاق (بريطانيا وفرنسا وروسيا) على تقسيم أراضي الإمبراطورية العثمانية، أو ما يعرف باتفاقية سايكس بيكو.

التحول الأول أثناء الحرب هو قيام الثورة البلشفية في روسيا، والتي ستغير صورة العالم ومساره. وكان من نتائج هذه الثورة أن فضحت مخططات التقسيم المتضمنة في اتفاقية سايكس بيكو، ومن الضروري التذكير بخطبة القائد جمال باشا في بيروت ديسمبر/كانون الأول 1917 فور انفضاح اتفاقية سايكس بيكو، ودعوته لشريف مكة الحسين إلى الارعواء وعدم الانصياع للمخططات البريطانية التي تريد أن تضعف الرابطة الإسلامية.

ما بعد الحرب التي أريد لها أن تكون الحرب التي تُنهي كل الحروب، كان مجحفاً لكل من العرب والأتراك. رُفضت مشاركة وفد من مصر في مؤتمر فرساي، (مما سيتمخض عنه بروز حزب يحمل اسم الوفد بقيادة سعد زغلول، وسيفضي إلى قيام ثورة 1919المصرية). أما حركة الأمير فيصل فلن تنتهي إلى شيء، إذ سيمتخض مؤتمر فرساي عن مبدأ الانتداب كأسلوب جديد للاحتلال. وقد رد الوطنيون العرب على سياسة بريطانيا وفرنسا برفع مبدأي الوحدة والاستقلال، أي وحدة الشام ضد سياسية التقسيم التي ستسلخ كلاً من فلسطين ولبنان وشرق الأردن، وتُلحق إقليم الموصل -الذي كان تابعاً لصنجق حلب- إلى ولاية كل من بغداد والبصرة، مما سيتشكل منه العراق الحالي.

أما مبدأ الاستقلال فيحيل إلى رفض مبدأ الانتداب. وقد ردت القوى الأوربية بمؤتمر سان ريمو مايو/أيار 1920 الذي أضفى الشرعية على التجزئة والانتداب، وشرعن لاستعمال القوة وإجهاض الحلم الوحدوي في خان ميسلون بتاريخ يوليو/تموز 1920. لا شيء يعبر عن خذلان بريطانيا للعرب مثل جملة مشهورة للويد جورج: لقد كان العرب حلفاء أثناء الحرب، وأضحوا عبئاً بعدها. وفُرضت على تركيا اتفاقية سيفر المجحفة التي تتحكم في المداخل البحرية مع اقتطاع أراضٍ منها؛ الأمر الذي ألهب الحماس الوطني وأفضى إلى اتفاقية لوزان الأقل إجحافاً.

لا شيء يعبر عن خذلان بريطانيا للعرب مثل جملة مشهورة للويد جورج: لقد كان العرب حلفاء أثناء الحرب، وأضحوا عبئاً بعدها.

حسن أوريد

يصر الغربيون على أن الذكرى المئوية ليست احتفالاً بل تخليداً ووفاءً لذكرى الأموات. ينبغي أن تكون أكثر من ذلك، إعادة قراءة ترتيبات دولية أرستها الدول الغربية منافية تماماً لما تضمنته المبادئ الأربعة عشر ولمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، مع فرض منطق التجزيء والانتداب قسراً. فما تعرفه المنطقة من مآسٍ، إن هو إلا نتاج العملية القيصرية التي لم تأخذ بعين الاعتبار ذوي الحقوق، وأفضت إلى إجهاض أحلام النهضة واليقظة، وإلى سوء فهم مستمر بين شعوب المنطقة والغرب، وبين العرب والأتراك.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي