تحولت حياة السكان في غزة إلى ما يمكن أن نطلق عليه الحياة العارية؛ حيث الحياة البيولوجية المجردة دون حقوق سياسية أو قانونية ودون حماية؛ حياة هشّة محفوفة بالمخاطر يسهل الاستيلاء عليها ومصادرتها بدون سبب أو لأي سبب وتنجو إسرائيل من فعلتها دوما.

يمثّل قطاع غزة أكبر معسكر اعتقال في العصر الحديث، تحاصر إسرائيل منذ أكثر من عقد ما يقارب مليوني فلسطيني في ظروف حياتية أقل ما يقال عنها إنها غير إنسانية؛ لا يتمتع السكان في قطاع غزة بأية ترتيبات يفرضها المجتمع الدولي على سلطات الاحتلال منذ أن انسحبت إسرائيل عسكرياً من قطاع غزة وفككت مستوطناتها ، ورحّلت مستوطنيها، وأعادت انتشارها على حدود القطاع لتحول منطقة جغرافية مقتطعة من فلسطين التاريخية إلى حالة معقدة سياسيًا وقانونيًا واجتماعياً وأخلاقياً.

يتعرض السُّكان يومياً لخطر الموت الفعلي والمحتمل؛ بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المباشرة من جهة، وبسبب تردي الظروف المعيشية ممثلةً في الماء غير الصالح للاستعمال ونقص الغذاء والدواء وامدادات الطاقة والبضائع وإغلاق الممرات والمعابر وزيادة معدلات الاصابة بالسرطان وتشوه الأجنة بسبب الملوثات المختلفة، يشعر السكان أن العالم بأكمله قد تخلّى عنهم.

تحولت حياة السكان إلى ما يمكن أن نطلق عليه الحياة العارية؛ حيث الحياة البيولوجية المجردة دون حقوق سياسية أو قانونية ودون حماية؛ حياة هشّة محفوفة بالمخاطر من كل جانب يسهل الاستيلاء عليها ومصادرتها بدون سبب أو لأي سبب محتمل وينجو الفاعل أو الفاعلون من المساءلة القضائية.

لا تنتج السياسات الإسرائيلية حيال السكان الأصليين في قطاع غزة وعلى كامل فلسطين التاريخية إلا مستباحي الدم إنتاجاً يجب أن يُسمَّى (لاـ إنتاج).

أماني أبو رحمة

ومع كل ذلك لم تتخلَ إسرائيل عن سلطاتها السيادية على طول حدود القطاع؛ إذ من أجل تأمين حياة "الإسرائيليين" عمومًا وحياة القاطنين منهم في ما بات يُعرَف بغلاف غزة خصوصًا من "تهديدات إرهابية حقيقة ومحتملة"، وهو وصف أُطلق على كل عمليات المقاومة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أصبحت حدود القطاع مشبعة بالسلطة السيادية الإسرائيلية.

يقع القطاع تحت قبضة عسكرية محكمة، تتنشر على طول حدوده البرية والبحرية ، وبالكاد تغادر أجواءه الطائرات بلا طيار الاستطلاعية، ما حوّل جميع سكانه إلى مستباحي الدم، أي بتعبير الفيلسوف الإيطالي المعاصر جورجيو أغامبين، مجموعة من الهومو ساكر "البعيدين كل البعد عن كونهم ذوات كاملة قادرة على الفهم الذاتي والوعي الذاتي والتمثيل الذاتي" الذين لا يستحقون حقوقًا مدنية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

الهوموساكر أو مستباح الدّم هو الشخصية الدرامية التي استعارها الفيلسوف الإيطالي أغامبين من التاريخ الروماني ليصف شخصاً نبذته السياسة (البايوس) وحوّلته إلى الحياة العارية (الزوي) مجرد الحياة النقيّة، فأصبح من الممكن قتله بدون محاسبة قانونية.

لا تنتج السياسات الإسرائيلية حيال السكان الأصليين في قطاع غزة ، وعلى كامل فلسطين التاريخية إلا مستباحي الدم، إنتاجاً يجب أن يُسمَّى (لاـ إنتاج)؛ لأنَّ الحياة العارية لا تُنتج إلّا لتُقمع أو تُقتل؛ لذلك ربما كان من العسير وصف الحالة التي يعيشها الفلسطينيون جغرافياً وسياسياً واقتصادياً وقانونياً دون اللجوء إلى مصطلحات السياسات الحياتية المكثّفة.

معسكر الاعتقال هنا ليس إلا "باراديما" يعادل باراديم السجن الانضباطي عند فوكو، وهو بالتالي ليس محدداً بأسوار وجدران، وبذلك يمكن أن تتحوّل كل التجمعات الفلسطينية على كامل فلسطين التاريخية إلى معسكرات اعتقال.

ولكن نموذج قطاع غزّة على وجه التحديد يقارب نموذج أوشفيتز ومعسكرات الاعتقال النازية وغوانتانامو، ويؤكد ما زعمه أغامبين أن "برادايم السياسات الحياتيَّة" يوفّر "التآزر الداخلي" بين النازيَّة والليبراليَّات المعاصرة، و"إنَّ السياسات الحياتيّة تجاوزت عتبة جديدة [...] في الديمقراطيّات الحديثة؛ حيث من الممكن الجهر بما لم يجرؤ السياسيّون الحياتيّون النازيّون على قوله".

نموذج قطاع غزّة على وجه التحديد يقارب نموذج أوشفيتز ومعسكرات الاعتقال النازية وغوانتانامو.

أماني أبو رحمة

يهتمّ عمل أغامبين بالعلاقة السياسية الحياتية بين الحياة ضمن المجتمع "من يجب أن يعيش"، والحياة التي يجب عزلها عن المجتمع "من يجب أن يموت".

ويأخذ نموذج السلطة كما حددها فوكو؛ السيادية والسياسية الحياتية نقطة انطلاق لتنظيره، يحاول أغامبين أن يحدّد نقطة التقاء هذين النموذجين، وماذا يحدث حال تقاطعهما، إضافة إلى ذلك؛ يطوّر أغامبين بعدًا مكانياً لنظرية السلطة عند فوكو بالتأكيد على أن مكان تقاطع هاتين السلطتين هو بالتحديد موقع إنتاج الأجسام السياسية الحياتية؛ أي الحياة العارية.

الحياة العارية بالنسبة لأغامبين ليست ببساطة ثنائية الاحتواء والإقصاء؛ حيث الحياة العارية هي حياة من يجب إقصاؤهم من أجل حماية المجتمع منهم، ولكنها الحياة التي تقوم على العلاقة المتناقضة بين الاحتواء والإقصاء والتي أطلق عليها "الإقصاء المحتوى"؛ "ذلك أن الشخص المحظور ليس خارج القانون أو غير مبالٍ به، ولكنه محظور بالقانون، أي أنه مهدد ومعرّض للخطر على عتبة تلتبس فيها الحياة والقانون، والداخل والخارج".

وبهذه الطريقة يمكن إقصاء الناس من التمتع بالحماية السياسية والحقوق المدنية؛ لأن ذاتيتهم وفاعليتهم وقدرتهم على المساهمة المجتمعية تتقلّص بشكلٍ كبيرٍ، وفي الوقت ذاته يخضعون للسلطة السيادية، وحين يحدث ذلك يمكن قتل الحياة العارية، أو "الإنسان مهدور الدم" بدون مساءلة، الموت العاري هو النتيجة الحتمية للحياة العارية.

يطلق أغامبين على موقع الحياة العارية "مكان الاستثناء"، ويقول أنه يبدأ من معسكر الاعتقال "المكان السياسي الحياتي المطلق والأكثر وضوحا". المكان الذي تنتشر فيه الحياة العارية والموت العاري.

المعسكر ليس ببساطة مكاناً خارج السيادة إنه في الواقع مثل قطاع غزة نتاج "الإقصاء الاحتوائي" حيث تخضع الحياة لسيطرة السيادة وعنفها، معاً في آن واحد.

أماني أبو رحمة

قد يكون المعسكر نفسه إقليماً، أو قطعة من اقليم، أو تجمعاً سكانياً غير مرغوب به، فالفكرة هي أنه يقع خارج النظام السياسي والقانوني خلال فترة الاستثناء، المعسكر هو مكان اللاحماية، وموقع التعرّض للخطر والهشاشة حين تتخلى السلطة السيادية عن مسئولياتها عن حيوات الناس وواجبها في تعزيزها أو مضاعفتها؛ المعسكر ليس ببساطة مكاناً خارج السيادة؛ إنه في الواقع مثل قطاع غزة نتاج "الإقصاء الاحتوائي" عند التقاء السلطة السيادية مع السلطة السياسية الحياتية؛ حيث لا مبالاة الترتيبات السياسية والمدنية للدولة تجاه السكان، وحيث تخضع الحياة لسيطرة السيادة وعنفها، معاً في آن واحد.

ينتشر منطق المعسكر؛ أي: الإمكانات الكامنة التي يمكن أن يتم تفعيلها؛ ليتخلل كل الفضاء السياسي باعتباره عتبة يمكن في أية لحظة عبورها بسنّ حالة الاستثناء وقانون الطوارئ.

وحين يصبح النموذج الأمني "ناوموس" المجتمعات الجديد، ويُمنح شرعية من خلال اللعب على مخاوف التهديدات الوشيكة، تظهر حالة دائمة من الاستثناءات يتم فيها تعليق حكم القانون، وتنهار جدران المعسكر، وتصبح ثنائية الداخل/الخارج شديدة الالتباس ويتحول قاطنو المعسكر إلى ذوات مستباحة، أو وفقاً لجوديث بتلر؛ إلى حيوات هشّة لا تَهُمّ ولا تستحق التفجع أو النحيب.

لا يتعلّق الأمر بإسرائيل وحدها، يذهب أغامبين بعيداً حين يرى أن مشروع الديمقراطية الرأسمالية اليوم للقضاء على الفقراء من خلال التنمية، لا يعيد إنتاج المستبعدين فحسب، ولكنه أيضاً يحوّل كل سكان العالم الثالث إلى الحياة العارية، فيقول بكل وضوح إن "إنتاج الجسم السياسي الحياتي، أي الحياة العارية، هو النشاط الأصلي للسلطة السيادية".

إنَّها "الحياة العارية" ذاتها التي تنتج في الديمقراطيّات الليبراليّة هيمنة القطاع الخاص على المجال العام، بينما تصبح في الدول الشموليَّة معياراً سياسيّاً حاسماً لتعليق الحقوق الفرديَّة وتحويل السكان جميعاً إلى مستباحي الدم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي