تبدو الانتخابات الإسبانية حالة كاشفة لتحوّلات تشهدها بيئات أوروبية، بمفعول حيرة شعبية وانقسام مجتمعي واستقطابات حادّة. انحسر دور أحزاب الوسط التقليدية وصعدت أحزاب من الهوامش السياسية بما أضعف الاستقرار السياسي في أوروبا.

بقيت إسبانيا بمنأى عن نزعات شعبوية ارتبطت بدول أوروبية أخرى، لكنّ انتخابات 2019 غيّرت هذه السمة. حصد حزب "فوكس" عُشر الأصوات بضربة واحدة واقتطع 24 مقعداً في البرلمان الإسباني الجديد من أصل 350، بعد نجاحه الموضعي في انتخابات برلمان الأندلس في ديسمبر/كانون الأول 2018.

على الجانب الآخر من المشهد الانتخابي تكرّس نفوذ أقصى اليسار الذي يستعد لتشكيل الحكومة المقبلة. يمثِّل حزب "بوديموس" (قادرون) تجربة يسارية مهمة على المستوى الأوروبي في هذا الصدد عزّزت مواقعها في أنحاء إسبانيا خلال الأعوام الأخيرة وأكّدت الانتخابات الجديدة أنها ليست حالة عابرة، فقد انتزع في هذه الجولة 42 مقعداً في البرلمان وحصد 14 في المائة من الأصوات.

للتفاصيل الواردة من مدريد أهميتها بالنسبة لأوروبا عموماً. فالانتخابات الإسبانية التي جرت يوم 28 إبريل/نيسان تبدو حالة كاشفة لتحوّلات تشهدها بيئات سياسية داخل أوروبا وخارجها؛ تغمرها حيرة شعبية وانقسام مجتمعي واستقطابات حادّة. لكنّ أسئلة المرحلة في إسبانيا منحتها خصوصية إضافية. أكّد الاقتراع نهاية عهود الحزب المنفرد بالحكم وأضعف هيمنة أحزاب الوسط التقليدية، على الرغم من فوز يسار الوسط فيها دون أن يربح الأغلبية المطلقة.

تُواصِل الساحة السياسية الإسبانية عهدها المديد من التقلّب والتشرذم مع صعود قوى من الهوامش السياسية، أو من أقصى اليمين وأقصى اليسار، تمتلك قدرة متزايدة على توجيه المشهد وحجب ثقتها عن الحكومات المتعاقبة.

كما تحظى الشعبوية بفرصة متزايدة لحشد الناخبين وراءها وإن لجأت إلى أساليب ساذجة في التسخين الجماهيري على طريقة حزب "فوكس" بزعامة سانتياغو أباسكال. واتّضح في ظلال الجولة اضطراب بعض التقديرات وتجاوز توقعات مسبقة بشأن النتائج؛ بما يشير إلى ضعف نسبي في القدرة الاستشرافية لما ستخرج به صناديق الاقتراع، وهي سمة ظهرت أيضاً في مواسم انتخابية أوروبية؛ كالتي شهدتها أوكرانيا وإيطاليا مثلاً.

في هذه الجولة الانتخابية الإسبانية واصل الحزب الشعبي المحافظ (يمين وسط) سقوطه الحرّ بعد أن خسر الحكومة قبل سنة، فالنتائج أفقدته نصف الأصوات التي أحرزها في الجولة الماضية ليرسو هذه المرة عند 16% فقط من الأصوات، بينما صعد الاشتراكيون العماليون (يسار وسط) بقرابة ربع حصتهم الماضية ليبلغوا 29% من الأصوات، بما منحهم 123 مقعداً في البرلمان. سيستمرّ بيدرو سانشيز، زعيم الاشتراكيين العماليين، في رئاسة الوزراء بالتالي، لكنّ النتائج ليست مريحة له بالكامل، لأنها ستضطره إلى ائتلاف حتمي مع أقصى اليسار سيكون له ثمنه السياسي الشاقّ.

سيواجه التحالف الحكومي المرتقب اختبار التماسك عبر المنعطفات الحادة، بخاصة مع التحديات الاقتصادية المستعصية التي تواجهها البلاد بما تركته من تأثيرات على الخريطة السياسية المتحركة. فقد تولّى بيدرو سانشيز رئاسة الحكومة في يونيو/حزيران 2018 بعد حجب الثقة البرلمانية عن سلفه ماريانو راخوي، زعيم الحزب الشعبي المحافظ، ثم اضطرّ سانشيز ذاته إلى التوجّه إلى انتخابات مبكرة بعد أن عجزت حكومة الأقلية البرلمانية التي كان يقودها عن كسب تأييد البرلمان لمشروع الإنفاق العام في فبراير/شباط الماضي.

لا تبدو الطريق إلى تشكيل ائتلاف حكومي جديد معبّدة بعد جولة الاقتراع الساخنة، فالانتخابات الإسبانية خلطت الأوراق وأعادت توزيع التوازنات يساراً ويميناً على حساب فرص استقرار التشكيلة الحكومية المرتقبة، التي ستتألّف على الأرجح من يسار الوسط واليسار، وسيبقى التوجّه إلى انتخابات أخرى مبكِّرة قائماً على أي حال.

ومع ملاحظة أنّ حزب "فوكس" تشكّل سنة 2013 من أعضاء سابقين في الحزب الشعبي المحافظ؛ فإنّ يمين الوسط لن يكتفي بمراقبة القوى الصاعدة من الهوامش السياسية على حسابه، وقد يرى مصلحته في مراجعة نهجه الاقتصادي الليبرالي الجديد وقد ينخرط في مزايدات شعبوية لاستعادة عهده الذهبي. فخيار "الانزياح نحو اليمين" جرّبته قوى سياسية "معتدلة" في بلدان أوروبية تملّقت هواجس الناخبين وأذكتها؛ مثل حزب الشعب النمساوي المحافظ في نسخته الجديدة الذي يقود ائتلافاً حكومياً بالشراكة مع حزب الحرية الواقع تقليدياً في أقصى اليمين.

أمّا ميْل الناخبين الإسبان نحو الهوامش السياسية فيشي بقلق وتذمّر، تحت وطأة أزمات اقتصادية واجتماعية عصفت بالبلاد خلال العقد الأخير وسخونة مسألة وحدة البلاد ونزعات الانفصال. يبدو مفهوماً بالتالي أن يصعد حزب "فوكس" بشعارات قومية متطرفة مناهضة للمرأة وتتذرّع بالهوية الإسبانية الجامعة ووحدة البلاد في وجه الاتجاهات الاستقلالية المناطقية، وهو ينادي بالردّة إلى الماضي وإنهاء وضعية الحكم الذاتي التي يحظى بها 17 إقليماً في إسبانيا.

جاءت انتخابات نهاية إبريل/نيسان بعد أن خاضت إسبانيا محطّات شاقة في إقليم كتالونيا الذي سعت أغلبية جماهيرية فيه إلى الانفصال عن البلاد عبر تنظيم استفتاء شعبي لم تعترف به السلطة القضائية؛ ثم تمكّنت مدريد من احتواء الموقف، نسبياً، بخطوات وإجراءات صارمة بالتعاون مع شركائها الأوروبيين.

ثمة خصوصية إضافية لهذا البلد، فبعض هواجس الناخبين الإسبان متّصلة بسؤال الهوية الذي ظلّ شائكاً ومعقّداً فيها. يتنازع إسبانيا انتماء متوسطي جنوباً ووجهة أوروبية شمالاً، وتتجاذبها خصوصية وطنية تقابلها هوية أوروبية مركّبة وتفتقر إلى الانسجام. وإنْ تماسكت إسبانيا على الخريطة فإنّ تنوّعها المناطقي والثقافي واللغوي يُذكي نزعات جهوية متنافرة، فتصعد قوى استقلالية في الأقاليم تنافسها قوى اتحادية مثل حزب "مواطنون" الليبرالي وحزب "فوكس" القومي.

كما ينعكس سؤال الذات الجمعية وما يقابلها، أي "نحن وهم"، على نظرة محفوفة بالهواجس نحو مكوِّنات وافدة من المغرب العربي وأفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية. لم ينفكّ سؤال الهوية هذا عن تطورات شهدتها إسبانيا خلال أربعة عقود بعد عهد فرانكو، فإسبانيا اتجهت نحو أوروبا سريعاً وشرعت في تضخيم الإحساس بالبُعد الأوروبي في هويتها، بما استثار الخصوصية الإسبانية ذاتها أحياناً. وفاقمت العولمة هذا المنحى عبر انسياح المؤثرات الثقافية عبر الجغرافيا. أمّا موقع شبه الجزيرة الأيبيرية فجعلها وجهة لبؤساء البلدان الجنوب المتوسطي الذين يلتحقون بالهوامش الاجتماعية الإسبانية أو بحقول الأندلس في ظروف تشغيل بائسة للغاية.

انتهت جولة انتخابية ساخنة دون إغلاق الموسم المحفوف بالحمّى الشعبوية. فالأحزاب باشرت التنافس في الانتخابات المحلية وفي الاقتراع على برلمانات الحكم الذاتي يوم 26 مايو/أيار، وهو موعد التنافس على حصة إسبانيا من مقاعد البرلمان الأوروبي أيضاً.

إنه "تصويت على الاتحاد الأوروبي" أيضاً، فالأصوات تتوزّع في دول الوحدة بين مؤيدي أوروبا والمتشائمين منها. ومن المعتاد اتخاذ الانتخابات الأوروبية فرصة للتصويت الاحتجاجي والتعبير عن الهوامش السياسية المتطرفة بصفة أوضح، بما قد يحمل مزيداً من المفاجآت السياسية من إسبانيا؛ متلازمة مع انزلاقات انتخابية متوقعة عبر أوروبا أيضاً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.  

المصدر: TRT عربي