الاستقرار المستدام يشكل أهمية قصوى لشرعية الدولة. وهو استقرار ينبع من رضى الشعب عن مؤسسات الدولة والثقة فيها. إن القمع يهدد هذا الاستقرار ويفتح الباب واسعاً لمزيد من عدم الاستقرار.

فكرة الاستقرار الاجتماعي والشعبي بقيت لفترة طويلة جداً مسألة ملحّة في الشأن السياسي الفقهي القديم منه والعلم السياسي الحديث.

الفقه السياسي الإسلامي طوّر آليات مختلفة للتعامل بشكل واقعي مع السياسة لضمان قيمة الاستقرار هذه، لدرجة أنْ تطرف فيها بعض الفقهاء في تبرير حكم التغلّب وشرعنته لأجل البحث عن الاستقرار وتقديمه كقيمة ذات أولوية قصوى. لكن أغلب الفقهاء المسلمين كانوا يتعاملون مع قضية الاستقرار بوصفها نتيجة طبيعية لتحقيق شروط "البيعة" أو شروط الحكم الرشيد التي قدموا لها فلسفات ونقاشات مختلفة عبر التاريخ الإسلامي. وبغض النظر عن هذا الجدل، فإن الحديث هو أن الاستقرار كانت قيمة حاضرة استحضر فيها الناظرون عناصر مختلفة للنظر في الواقع السياسي للمجتمع الإسلامي في التاريخ.

كان أغلب الفقهاء المسلمين يتعاملون مع قضية الاستقرار بوصفها نتيجة طبيعية لتحقيق شروط "البيعة" أو شروط الحكم الرشيد.

عبد الله العودة

وكذلك العلم السياسي الحديث حتى الغربي منه، يتعامل مع موضوع الاستقرار كمبدأ راسخ يحمل أولوية كبيرة، لدرجة أن النفعيين تطرفوا فيه، واختزلوه أيضاً في عناصر سطحية بسيطة قد تحمل استقراراً مؤقتاً أو سطحياً، بينما تتجاهل عوامل الاستقرار الحقيقية بعيدة المدى. ولذلك فالمدرسة "الواقعية" بررت التحالف مع القوى التي يرونها شمولية ومتخلفة لأجل حماية الاستقرار في المناطق التي توجد فيها مصالحها وفي الأماكن التي يتحقق فيها ثراؤها الإستراتيجي كما تقيّمها بمعاييرها الخاصة.

أمام هذه الأولوية المشتركة للاستقرار وتحقيقه في الدولة، هذه القيمة التي اشترك في رعايتها والاهتمام الاستثنائي بها الفقه الدستوري الإسلامي والعلم السياسي الغربي، تم تطوير طرح أكثر مشروعية وأكثر انسجاماً مع المبادئ وأقرب إلى الفهم الحقيقي لسنن السياسة والمجتمع، هذا الطرح يتحدث ليس فقط عن "الاستقرار" المؤقت الذي قد يضحّي بالحقوق والحرية والمبادئ والقيم الشعبية الثقافية والدينية، ولكن عن الاستقرار المستدام الذي لا يمكن أن يتم إلا بتوسّل هذه المبادئ الشعبية ذاتها، ولا يمكن أن يحصل إلا بتقديم أولوية للانسجام الشعبي ورضاه العام وإحساسه بالاستقرار وتنفسه الحرية العامة وممارسته لحقوقه الأساسية، وبكل ذلك يتحقق الاستقرار المستدام.

النظر لمبدأ الاستقرار المستدام بعيد المدى يعني عدم الاكتفاء بفكرة "الرضى" المؤقتة بل النظر إلى معنى "الثقة" بعيدة المدى.

عبد الله العودة

في كثير من القياسات المعاصرة للاستقرار تجد أن عنصر "الرضى" معياراً شائعاً وشبه نهائي لقياس مستوى استقرار مجتمع ودولة ما عن طريق النظر في مدى "رضى" الناس عن الأداء والعمل والواقع والنظام..إلخ.

في المقابل، النظر لمبدأ الاستقرار المستدام بعيد المدى يعني عدم الاكتفاء بفكرة "الرضى" المؤقتة، بل النظر إلى معنى "الثقة" بعيدة المدى، والمشرعية السياسية المرتبطة بالثقافة والدين والشعب ومعنى العقد الاجتماعي إن كان هناك عقد على الإطلاق أو فكرة البيعة وعمق معناها شعبياً ودستورياً.

في دول الخليج حيث تبدو مسألة الاستقرار هدفاً مهماً، ولأجل موضوع الاستقرار بدت مسألة ترتيب العرش وولاية العهد شأناً بالغ الأهمية والارتباط بهذه القيمة الكبيرة -قيمة "الاستقرار"- وبالغ الحساسية بحكم تعقّد علاقات القوى المجتمعية ووجود قضايا الدين والمذاهب والقبائل والمناطق وغيرها، فإن الوطن الذي نحب له الاستقرار نرفض أن يكون استقراراً محدوداً أو مؤقتاً أو جزئياً أو مرتبطاً بمشاريع اقتصادية مؤقتة، بل يجب أن يكون استقراراً مستداماً تسير فيه القيم الشعبية والإصلاح جنباً إلى جنب مع مسألة ترتيب ولاية الأجيال الشابة للعرش وتقوم فيه المشاريع الحقيقية على بناء الثقة الشعبية والمشروعية السياسية والدستورية حين يكون هناك قبول عام بالعلاقات بين مؤسسات الدولة وقناعة عميقة بأهميتها ودورها.

عملية القمع الممنهجة قد تنجح شكلياً في إسكات الناس وإعطاء انطباع كاذب بالرضى لأن الأصوات الساخطة مكبوتة ومهددة لكنها تحفر بشكل عميق أخدوداً بالغ الضخامة بين الناس وثقتهم في مؤسسات الدولة.

عبد الله العودة

للأسف الشديد: عملية القمع الممنهجة قد تنجح شكلياً في إسكات الناس وإعطاء انطباع كاذب بالرضى لأن الأصوات الساخطة مكبوتة ومهددة، لكنها تحفر بشكل عميق أخدوداً بالغ الضخامة بين الناس وثقتهم في مؤسسات الدولة وقدرتها على النجاة والعمل والبقاء، وكلما ضعفت ثقة الناس في مؤسسات الدولة وانهارت مشروعية الدولة في عقولهم، كلما كان ذلك تحضيراً لاهتزازات مخيفة -لاقدر الله- اهتزازات قد لا يعرف أحدٌ نهايتها ولا يتحكم في مصيرها.

الاستقرار المستدام لا يتوقف عند قضايا الحماية وترتيب وضع العوائل الحاكمة، ولكنه بالأخص يشمل العلاقة الأعمق مع الناس التي تمسّ قيمهم المهمة وقضاياهم وحقوقهم وحريتهم في أرضهم، وحقهم في المشاركة والتقويم والرقابة.

الحاجة إلى هذا الاستقرار المستدام تصبح أكثر أهمية في وجود هذا الاضطراب الإقليمي ووجود القوى المتربصة، ووجود الجهات التي تريد أن تدقّ (إسفيناً) لكي تستفيد من هامش عدم الرضى، أو من مساحة الخطأ، أو من الظلم الذي تمت ممارسته بشكل أو بآخر، في هذه الأجواء تتأكد أهمية الحماية للجماعة وحماية الاستقرار واستدامته عبر تفعيل المؤسسات الشعبية وإشراك مؤسسات المجتمع المدني ورعايتها والسماح بوجودها، والاستفادة من دورها، وتحمّل إشكاليتها لأجل حماية الصالح العام على المدى البعيد والاستقرار المستدام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي