بغض النظر عن ما يمكن أن يترتب من تداعيات مباشرة على اتفاق تطبيع العلاقات بين الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي الذي أعلن عنه مؤخراً من البيت الأبيض، فإن المؤكد أنه سيكون فاتحة ما يمكن أن يطلق عليه بالدومينو العربي.

فالخطوة التي بادرت الإمارات بها لا يبدو أنها ستتوقف هنا. فالتصريحات القادمة من المنامة ومسقط تشي بكثير من الصراحة المبطنة أنهما على الطريق، وربما ما يحتاجون إليه هو فقط بعض الوقت حتى تختمر المناسبة اللائقة.

فالخطوة الإماراتية التي اعتُبرت خيانة "وطعنة في الظهر" لم تأتِ وفق سياق منقطع، ولا تمثل مجرد قفزة بالهواء. فمسلسل العلاقات ما بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وغالبية دول الخليج بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة. وإذا كانت اللقاءات الدبلوماسية كانت تجري بين الطرفين خلف الأبواب المغلقة، فإن المقاربات التطبيعية التي كانت تحدث على الصعيد الثقافي والإعلامي كانت تأخذ الطابع العلني حد الوقاحة.

للمزيد اقرأ:
اتفاق العار .. أو الطعنة من الخلف؟

كانت توجد مراهنة على تدجين الرأي العام العربي والخليجي منه على وجه الخصوص لقبول عملية التطبيع، وذلك من خلال تجنيد العديد من الإعلاميين والوجوه العامة، بالإضافة إلى المسلسلات والأفلام، والمناسبات الرياضية، وحتى الذباب الإلكتروني والزيارات الرسمية وغير الرسمية من أجل الترويج للعلاقة مع إسرائيل وكأنها دولة طبيعية تعيش في المنطقة، ليس هذا وحسب بل ومحبة للسلام أيضاً.

لقد عززت هذه الجهود "الوقحة" التي كانت تحدث في العلن المسار الدبلوماسي الذي كان يحدث في السر ومن تحت الطاولة. فعلى سبيل المثال، أوردت صحيفة "إسرائيل اليوم" -المقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي- أن بنيامين نتنياهو زار الإمارات سراً مرتين على الأقل، وأجرى محادثات مع المسؤولين الإماراتيين استمرت ساعات عدة، ضمن اتصالات لصياغة اتفاق تطبيع العلاقات.

في السياق ذاته وفي وقت سابق، أوردت الإذاعة الإسرائيلية الرسمية الناطقة بالعربية في7سبتمبر/أيلول2017،أن "أميراً من الديوان الملكي السعودي زار البلاد سراً وناقش مع كبار المسؤولين الإسرائيليين فكرة دفع السلام الإقليمي إلى الأمام". وقد جرى التأكيد لاحقاً أن الزائر الغامض ليس سوى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نفسه، وفقاً لمسؤول إسرائيلي تحدَّث إلى وكالة فرانس برس من دون الكشف عن هويته.

بدأت مع الوقت تظهر هذه الحميمية الدبلوماسية إلى العلن رويداً رويداً، خصوصاً مع المقالة الفجة التي كتبها مع الصحيفة اليمينية يديعوت أحرونوت الإسرائيلية سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة، وعبر فيها العتيبة عن القواسم المشتركة بين الإمارات وإسرائيل، وبأنهما يواجهان المخاطر ذاتها، وهو الأمر الذي يحتم عليهما، وفق العتيبة، الدخول في "علاقات دافئة".

للمزيد اقرأ:
"دبلوماسية واتساب".. ما دور كوشنر في "اتفاق أبراهام"؟

وفي الوقت الذي يبحث الكثير من الخبراء بتداعيات الخطوة الإسرائيلية-الإماراتية، يذهب البعض إلى النظر في البلد الخليجي التالي في مسلسل التطبيع. وكما أسلفت، فإن هذا المسلسل يشترك فيه العديد من الدول الخليجية، ولا تشكل فيه الإمارات اللاعب الوحيد.

ربما يكون اللاعب التالي سلطنة عُمان، وهي التي لم تخفِ علاقاتها مع إسرائيل كما أخفتها شقيقاتها في الخليج. فالزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى السلطان قابوس قبل وفاته أشهر من نار على علم. وقد لعبت السلطة على مدى عشرات السنوات دور الوسيط بين إسرائيل وإيران، وقد برز دورها هذا في المفاوضات التي سبقت التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني عام 2015.

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إسرائيل والإمارات العربية المتحدة توصلتا إلى اتفاق سلام من شأنه أن يؤدي إلى التطبيع الكامل للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين 
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إسرائيل والإمارات العربية المتحدة توصلتا إلى اتفاق سلام من شأنه أن يؤدي إلى التطبيع الكامل للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين  (Reuters)

وقد تكون بطبيعة الحال مملكة البحرين هي الدولة التالية في مسرحية التطبيع هذه. فقد كانت المنامة من أولى الدول التي باركت الاتفاقية بين الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي. كما أشارت تقارير نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين رفيعي المستوى إلى أن اتفاقاً مماثلاً يلوح بالأفق بين تل أبيب والمنامة.

غير أن الجائزة الكبرى ستكون بكل تأكيد قيام السعودية بعملية التطبيع هذه مع إسرائيل. لا شك أن تطبيع كل من الإمارات وحتى البحرين وعمان لا يمكن أن يقاس بتطبيع السعودية. فهذه الدول ومهما بلغت من الإمكانيات والقوة فهي تبقى دولاً هامشية، وطرفية، ولا تتمتع بعمق استراتيجي ولا بمكانة وازنة على المستويين الإقليمي والدولي.

في حال السعودية فالأمر مختلف. وبغض النظر عن حالة الضعف التي أصابت المملكة جراء سياسة ولي العهد السعودي، فإن المملكة لا تزال تحتفظ لنفسها بمكانه خاصة في السياسة الدولية والإقليمية والإسلامية. فهي التي تملك الولاية على الحرمين الشريفين، وتعتبر المنتج الأول للنفط عالمياً، وتمتلك واحداً من أقوى الجيوش في المنطقة بالنظر إلى الميزانية المخصصة له، إذ تنفق لمملكة على التسلح ما يقترب من 80 مليار دولار سنوياً.

للمزيد اقرأ:
محتجُّون فلسطينيون يحرقون صور بن زايد ويدوسون عليها بسبب التطبيع الإماراتي

نظرياً لا شيء يمنع من إقدام المملكة تحت قيادة محمد بن سلمان على تطبيع العلاقات مع إسرائيل. فالرجل لم يخفِ إعجابه بإسرائيل، والتعبير عن حقها في الوجود، واستقبال العديد من الوفود التي تتضمن شخصيات يهودية معروفة بدعمها المطلق لإسرائيل. هذا فضلاً عن تضييقه على الفلسطينيين. فالعلاقات مع السلطة الفلسطينية قد بلغت الحضيض مع تولي بن سلمان مقاليد الحكم، أما مع حماس فحدث ولا حرج، إذ تعتقل المملكة العديد من الشخصيات رفيعة المستوى المحسوبة على الحركة، على رأسهم ممثل الحركة في السعودية الدكتور محمد صالح الخضري.

من الأشياء التي يتوجب التذكير بها هنا أن خطوة الإمارات هذه لا يمكن أن تكون قد جرت من غير التنسيق مع السعودية. فالإمارات هنا لم تقطع مع السعوديين غالباً، بل نسقت معهم، وذلك نظراً إلى التحالف بين البلدين في العديد من الملفات الحساسة على رأسها الحرب في اليمن وحصار قطر. وهذا يعني أن السعودية أرادت من خطوة الإمارات أن تنظر وترى كيف ستكون ردود الفعل على هذه الخطوة عربياً سواء على الجانب الرسمي أو الشعبي.

بالنظر إلى الظروف الخارجية وفي سياق التقارب مع إسرائيل، تنظر السعودية دائماً إلى إيران. فأي تقارب مع إسرائيل سوف يستفز الإيرانيين بكل تأكيد. وفي الوقت الذي سوف يعمل فيه الإيرانيون على إدانة أي تقارب مع إسرائيل، فإن الأفعال هي التي تتحدث، ولذلك تريد السعودية أن تقيس ردود فعل طهران على خطوة الإمارات، لكي تحسب خطوتها التالية.

غير أن العامل الداخلي ربما يشكل الهاجس الأكبر لصانع القرار السعودي. فعلى عكس الإمارات، تتمتع السعودية بمجتمع محافظ أكثر، وأكثر تنوعاً. وفي ظل السياسات التي يتبعها الأمير محمد بن سلمان داخلياً في محاولة لتحديث المجتمع بالقوة، وممارسة سياسة القبضة الحديدة خصوصاً مع المحافظين والدعاء والعلماء، وتهميش هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا فضلاً عن حالة الاستياء التي تنتاب العائلة المالكة ضد الرجل بسبب حملة التضيق التي يشنها على الكثير من أفرادها، فإن تقارباً غير مدروس من الرجل تجاه إسرائيل قد يفجِّر الشارع السعودي في وجهه. ولا أحد يشك بأن تجربة أسامة بن لادن والقاعدة التي خرجت ضد وجود قوات الولايات المتحدة في أرض الجزيرة العربية، وأدت إلى كثير من العنف وسفك الدماء، بعيدة عن الأذهان، ولا حتى حادثة جهيمان ومحاصرة الحرم المكي عام 1979.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي